ضباط الشرطة في قفص الاتهام .. حين يتحول رجل القانون من دائرة العدالة إلى ساحة المحاكمة

د. عبد الشكور المحامي: “صفة الشرطي لا تمنحه حصانة من المحاكمة كما لا تجعله محل تشدد استثنائي”

“يقع من يخطئ من منسوبي الشرطة بين مطرقة قانون الشرطة وسندان القانون الطبيعي”

“الحصانة الإجرائية يجب ألا تتحول إلى وسيلة لتعطيل العدالة”

“مثول رجل الشرطة أمام القضاء لا ينتقص من هيبة المؤسسة بل يعزز مصداقيتها”

“الجرائم المنسوبة لرجال الشرطة نقطة في بحر زاخر قياساً بمئات الآلاف من منسوبيها “

التقييم الموضوعي لأداء المؤسسة يستلزم قراءة الأرقام بعدل وأمانة

استشاري صحة نفسية: “الصمت المؤسسي يُفهَم أحياناً على أنه تواطؤ ويُشجّع الآخرين على السير في المنهج ذاته”

“القوة الحقيقية في عقل الشرطي لا في السلاح الذي يحمله والسلاح آخر خيار لا أوله”

بروفيسور نعمات: “فساد الشرطي يُقدّم للمجتمع درساً خاطئاً مفاده أن الغاية تبرر الوسيلة”

“الشرطي المنهك الذي لم ينَم يومين وأعصابه على الحافة هو الأقرب إلى استخدام القوة المفرطة”

“المواطن الذي فقد الثقة لن يُبلّغ عن الجرائم ويصبح المجرم هو المستفيد الأول”

خلاصة العودة: (سيادة القانون لا تقاس بالنصوص المكتوبة بل بالحكم الذي يصدر)

تقرير: نشوة أحمد الطيب

لا يُفزع المجتمع شيء كما يُفزعه أن يرى حارسه يتحول إلى جانٍ. فرجل الشرطة في الذاكرة الجمعية رمزٌ للأمان والنظام، يحمل السلاح باسم الدولة وباسم المواطن، ويُفترض فيه قبل غيره أن يكون أكثر الناس إدراكاً لحدود القانون وأشدهم التزاماً بها. لكن سجل السودان القضائي يحتوي على ملفات تكشف أن هذه الصورة تتصدّع أحياناً تصدعاً عميقاً، حين يقف الضابط لا خلف طاولة التحري بل في قفص الاتهام، متهماً بجرائم تتراوح بين القتل العمد وتعطيل مسار العدالة ذاتها.

القضايا التي يرصدها هذا التقرير ليست استثناءات نادرة بقدر ما هي نماذج قليلة كاشفة لنمط متكرر يطرح سؤالاً قانونياً وأخلاقياً واجتماعياً عميقاً: كيف يتحول رجل القانون إلى متهم؟ وما الذي يجعل المؤسسة التي يفترض أنها حصن العدالة عائقاً أمامها أحياناً؟ وهل القانون في السودان يُطبَّق على الجميع بالفعل، أم أن ثمة استثناءات غير مكتوبة تحمي من يحملون الرتب والأزياء الرسمية؟

 

قضية عوضية عجبنا — حي الديم، الخرطوم (2012)

ليلة الحادث

في منتصف ليلة من عام 2012 كانت دورية تابعة لشرطة أمن المجتمع تجوب حي الديم في الخرطوم حين اشتعل الموقف فجأة. أقدم قائد القوة برتبة ملازم على إطلاق أعيرة نارية من سلاحه الرسمي خلال مواجهة مع مواطنين. أصابت الرصاصات المواطنة عوضية عجبنا التي لقيت حتفها أثناء نقلها إلى المستشفى. جاء تقرير الوفاة ليكشف أن سبب الوفاة هو تهشم الجمجمة وخراب المخ ونزيف حاد جراء إصابة بعيار ناري.

فتحت النيابة العامة تحقيقاً عاجلاً، وخاطبت وزير الداخلية لرفع الحصانة عن تسعة متهمين، فجاء الرد بالموافقة. وُجِّهت للمتهمين تهم بموجب المواد (75، 129، 130، 78) من القانون الجنائي السوداني، في مقدمتها تهمة القتل العمد.

محاولة الشراء

قبل أن تبلغ القضية ختامها، عرضت وزارة الداخلية على أسرة الضحية مبلغاً مالياً ضخماً مقابل التنازل وإغلاق الملف. رفضت الأسرة العرض جملةً وتفصيلاً، وأعلنت تمسكها بحق القصاص، ولم تأبه بأي تسوية خارج أروقة المحكمة.

أصدرت محكمة جنايات الخرطوم، وسط تشديدات أمنية استثنائية، حكمها بإدانة المتهم الأول بجريمة القتل العمد وفق المادة (130)، فيما صدرت بحق سبعة آخرين أحكام بالسجن. كشفت وثائق الملف عن سابقة مثيرة: نقيب شرطة سبق أن أطلق النار على ناشط سياسي عام 1992، وصدر بحقه حكم بالإعدام، ثم أفلت منه بقرار من المحكمة العليا استناداً إلى الدفاع الشرعي، قبل أن يعود إلى الخدمة ويُرقَّى حتى رتبة عقيد ويُلحق بالسفارة السودانية في طرابلس. تاريخ هذا الضابط وحده كافٍ للتساؤل عما إذا كانت بعض المؤسسات تحتضن الإفلات من العقاب بدلاً من أن تُعالجه.

 

قضية سامر الجعلي — شارع النيل، أم درمان (2018)

ليلة الاعتراض

في منتصف عام 2018، اعترضت دورية لشرطة النظام العام الشاب سامر عبد الرحمن الجعلي أثناء وجوده في شارع النيل بأم درمان. زعمت الشرطة في بيانها الرسمي أن الشاب قاوم القبض عليه، فأطلق أحد الأفراد النار بهدف إيقافه، غير أن الرصاصة أصابته مباشرة وأودت بحياته قبل أن تتسلمه أسرار المستشفى.

الرواية المضادة

رفضت أسرة الضحية رواية الشرطة من أساسها. أكد ذووه أن المسافة بين الشاب وإطار العربة التي زعمت الشرطة استهدافها كانت بعيدة جداً، وأن التصويب كان مباشراً وعن قرب. ووصفوا محاولة إلصاق التهم بالمغدور بأنها تمثيلية دنيئة. واعترف الجاني لاحقاً بارتكاب الجريمة بعد أن تعرّفت عليه شاهدة كانت حاضرة لحظة إطلاق النار.

لم يكن سامر الجعلي مواطناً عادياً فحسب، كان نجل الشاعر والفنان التشكيلي عبد الرحمن الجعلي، مصمّم علم السودان الحالي ومؤسس معرض الخرطوم الدولي، ووالدته نهى النقر الأستاذة بجامعة الأحفاد والناشطة الاجتماعية المعروفة. غير أن القانون لا يعرف التمييز في الضحايا، وما طالبت به الأسرة هو ما يحق لأي أسرة سودانية أن تطالب به.

ثمن التسوية

طالبت الشرطة والدة سامر بالتنازل عن القضية مقابل تعويض مالي فرفضت. سنوات من المثابرة القضائية أفضت في النهاية إلى حكم بالإعدام، في قضية وصفتها الأسرة بأنها القضية التي هزمت قانون النظام العام البائد الذي أُلغي لاحقاً في عهد الحكومة الانتقالية.

 

قضية إبراهيم مجذوب — شرق النيل، الخرطوم (فبراير 2023)

رصاصة في الصدر

في الثامن والعشرين من فبراير 2023، خرج الطالب إبراهيم مجذوب في موكب سلمي بمنطقة شرق النيل مطالباً بإكمال مسار ثورة ديسمبر وإنهاء الحكم العسكري. أصيب بعيار ناري في صدره أطلقه ضابط شرطة برتبة ملازم من مسافة قريبة جداً، فلقي حتفه. وثّقت مقاطع فيديو متعددة اللحظة كاملة، ووصفها كثيرون بأنها إعدام ميداني في الشارع في وضح النهار أمام أعين المارة والمتظاهرين.

أعلنت النيابة العامة توجيه تهمة القتل العمد تحت المادة (130) للضابط المتهم. وأوضح بيان النيابة أن التحريات شملت كل القادة في رئاسة شرطة محلية شرق النيل والقادة الميدانيين للتحقق مما إذا كانت هناك تعليمات صدرت باستخدام السلاح الناري، وخلصت إلى عدم وجود أوامر من هذا القبيل، وهو ما أكده المتهم نفسه.

مطالبة بالمساءلة الكاملة

طالب ناشطون حقوقيون بالتحقيق مع قيادات الشرطة كاملة بمن فيهم وزير الداخلية، إذ رأوا أن السماح لضابط بحمل سلاح ناري في مواجهة متظاهرين سلميين يجعل القيادة بمجملها شريكة في المسؤولية. وأشارت دول الترويكا في بيان مشترك إلى أن مجذوب كان الضحية رقم 125 في سلسلة قتل المتظاهرين منذ انقلاب أكتوبر 2021.

 

قضية المعز أبو سوار — بورتسودان (أغسطس 2024)

احتجاز بلا سند

اعتُقل المواطن المعز أبو سوار الشيخ عووضة في مطلع أغسطس 2024 ووُضع في مركز احتجاز. بعد ستة أيام أصدر وكيل النيابة قراراً بشطب الدعوى وإخلاء سبيله. رفضت الشرطة تنفيذ القرار وواصلت حبسه دون سند قانوني.

دخل المعز في غيبوبة داخل الاحتجاز ونُقل إلى مستشفى بورتسودان التعليمي حيث فارق الحياة. أظهر التقرير الطبي نزيفاً في الرئتين وتضخماً في القلب والكبد والكليتين، وهي مؤشرات تُشير إلى إهمال طبي جسيم وربما تعذيب طوال فترة الاحتجاز.

خلصت لجنة تحقيق شكّلها النائب العام إلى حفظ الإجراءات بحجة عدم وجود مخالفة قانونية. طالب المحامون بإعادة فتح التحقيق، مستندين إلى أن الشرطة رفضت تنفيذ قرار النيابة بالإفراج عنه، وهو في حد ذاته مخالفة صريحة للقانون يصعب تجاهلها.

 

قضية كريمات أروما — محلية أروما، كسلا (يناير 2024)

 

الضبط والبداية

 

في الخامس من يناير 2024، ضبطت قوة نظامية عند نقطة تفتيش ريبا بمحلية أروما شحنة من مستحضرات التجميل بلغت مئة وخمسين كرتونة، كانت تُنقل داخل حافلة سفرية متجهة من بورتسودان إلى كسلا. اكتملت أطراف الواقعة منذ اللحظة الأولى: وسيلة نقل معروفة ومسار واضح وصاحب بضاعة محدد الهوية. غير أن البلاغ قُيِّد ضد مجهول، دون أن تُتخذ أي إجراءات قانونية في مواجهة سائق الحافلة أو مالك الشحنة، وهو ما أثار منذ البداية تساؤلات حول سلامة قيد البلاغ وصحة توصيفه.

 

المعروضات تختفي

 

قُيِّدت المعروضات رسمياً في دفتر معروضات قسم شرطة أروما تحت القيد 152/24، بتوقيع الرقيب المناوب وبحضور شهود. ثم جرى ما لا يمكن تفسيره بسهولة: خرجت الكرتونات من حيازة القسم ووصلت إلى صاحبها في مدينة كسلا، دون أمر مكتوب من النيابة المختصة ودون أي مستند تسوية يُرفق بملف البلاغ. وحين عُرض البلاغ على وكيل النيابة بغرض الحفظ، تبيّن أن المعروضات المقيدة لم تعد موجودة، فرفع الأمر إلى رئاسة النيابة.

 

من شاهد إلى متهم

 

أصدر المساعد الأول للنائب العام توجيهاً صريحاً بتشكيل تحقيق وفتح بلاغات في مواجهة كل من يثبت تورطه. باشرت النيابة التحقيق وأخذت أقوال عدد من منسوبي الشرطة، من بينهم المتحري في البلاغ مساعد الشرطة محمد إبراهيم مصطفى، الذي أُخذت أقواله بوصفه شاهداً. ثم جاء ما وصفه بأنه مفارقة مؤلمة: أُوقف عن العمل ستة أشهر وخضع لمحاسبة إدارية، لا بتهمة تسريب المعروضات بل بدعوى تعاونه مع النيابة، في وقت لم يُحدَّد فيه الشخص الذي قام فعلياً بتسليم المعروضات ولم يُساءَل جنائياً.

 

التضليل المؤسسي

 

أفاد مصدر قيادي رفيع بشرطة ولاية كسلا بأن مجلس تحقيق داخلي خلص إلى أن شرطياً تصرّف بشكل فردي دون علم النيابة وتمت محاسبته إدارياً. غير أن هذه الإفادة لم تُدعَّم بمستندات أو قرارات منشورة، ولم توضح صفة الشرطي المعني ولا طبيعة المحاسبة، كما تعارضت مع مسار التحقيق النيابي الذي لم يُعلَن عن توجيه اتهامات جنائية واضحة في إطاره حتى اليوم. وتجدر الإشارة إلى أن الرواية الأكثر تفصيلاً في هذه القضية هي رواية المتحري نفسه، وهي رواية طرف واحد لا تزال تنتظر التحقق الكامل.

 

ما تكشفه هذه القضية لا يتعلق باختفاء معروضات. إنها نموذج لآلية مؤسسية بالغة الخطورة: تحقيق داخلي يُغلق الملف قبل أن تنتهي النيابة من عملها، وشرطي يُعاقَب لأنه أدلى بشهادته أمام جهة قضائية، في حين يظل الجاني الفعلي مجهولاً رسمياً.

 

قضية الطبيبة روعة — مروي (أغسطس 2025)

 

صباح الجريمة

في صباح الثالث عشر من أغسطس 2025، أنهت الطبيبة روعة علاء الدين عبد الحكم إدريس، نائبة أخصائي التخدير والعناية المكثفة بمستشفى الضمان في مروي، دوامها المعتاد وغادرت مقر عملها. على بُعد خطوات من باب المستشفى، اعترضها طليقها إسماعيل عبد الرحمن عثمان الزين وسدّد لها ستة عشر طعنة بالسكين في أنحاء متفرقة من جسدها، فلقيت حتفها في الحال.

 

إشارات ورسائل مُهملة

 

لم تكن الجريمة فجائية من فراغ. قبل أشهر من ذلك الصباح، تعرضت روعة لاعتداء بالضرب من طليقها داخل سكن العاملين التابع للمدينة الطبية، فاتخذت إدارة المستشفى الإجراءات القانونية وفُتح بلاغ رسمي ضده لا يزال قيد النظر أمام المحكمة يوم ارتكب جريمته. وفي اعتداء سابق آخر، لاحق الجاني خال روعة بسكين خارج حرم المدينة الطبية. إشارات تراكمت ولم يتوقف أحد عندها بالجدية الكافية.

 

الضابط في الظل

 

ما أضفى على القضية بُعداً استثنائياً يصب مباشرة في محور هذا التقرير هو الدور المُتهم به ضابط شرطة يعمل في قسم الدفاع المدني بمدينة كريمة المجاورة. شكّلت الشرطة مجلساً لتقصي الحقائق برئاسة ضابط برتبة عقيد للتحقيق في صلة هذا الضابط بطرفي القضية. وبحسب خطاب منسوب للجاني نفسه قبل وقوع الجريمة، فقد تقدّم بشكاوى رسمية ضد الضابط اتهمه فيها بالتدخل في شؤونه الشخصية وتحريض زوجته السابقة، واستخدام صلاحياته لتضليل المحكمة وفتح بلاغات كيدية، واحتجاز شهود دون إذن النيابة.

 

مسار المحاسبة

 

أكدت الشرطة السودانية أن التعامل مع الضابط سيتم وفق ما تُسفر عنه نتائج مجلس التحقيق. وطالب ناشطون حقوقيون بفتح تحقيق شامل في ملابسات الجريمة كافة، فيما رأى أحدهم أن روعة كانت ضحية جهاز عدالة بطيء ونظام اجتماعي متراخٍ أمام عنف الرجال ضد النساء، وأن هذه ليست قضية فردية بل أزمة مجتمع بأكمله.

هنا تتجلى أكثر صور الانتهاك تعقيداً: ضابط لم يُطلق رصاصة ولم يحمل سكيناً، لكنه يواجه اتهامات بأنه أتاح للجريمة أن تقع، عبر استغلال منصبه لتعطيل مسار العدالة قبل أن يفعل الجاني فعلته. هذا هو ما يُسميه القانون الجنائي المسؤولية غير المباشرة، وهو محور بالغ الأهمية نادراً ما يُناقَش في السياق السوداني.

خيط واحد يجمع القضايا

لا تتشابه هذه القضايا في تفاصيلها، لكنها تشترك في خيط واحد صلب في كل مرة يقف فيها رجل أمن في قفص الاتهام، تبدأ آلية دفاع مؤسسية معقدة في العمل، تُعرض التسويات على الأسر، وتُشكَّل مجالس التحقيق الداخلية، وتُمنح الإفادات الصحفية لمصادر رفيعة قبل اكتمال التحقيق القضائي، وتُرفع الحصانات ببطء حين يضغط الرأي العام ثم تعود إلى مكانها حين يخفت الضغط.

القانون في السودان يُطبَّق على الجميع هذه هي الفرضية التي تقوم عليها دولة القانون. لكن ما تقوله هذه القضايا مجتمعةً هو أن هذه الفرضية لا تزال تحتاج إلى إثبات، قضية بعد قضية، وحكم بعد حكم، وأسرة لم تُشترَ صمتها بعد أسرة، وما دامت بعض الأحكام تصدر ثم تُعطَّل بيد القوة، وما دامت بعض التحقيقات تُفتح ثم تُغلق بلا نتائج معلنة، فإن السؤال يظل مشروعاً ومُلحّاً: (هل القانون يُطبَّق على الجميع فعلاً، أم أن هناك من يقفون خارج دائرته تحت حماية الرتبة والزي الرسمي؟)

المؤسسة لا تُحاكَم

يرى المحامي د. عبد الشكور حسن أحمد في حديثه إلى (العودة) أن وصول بعض ضباط الشرطة إلى قفص الاتهام لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره حكماً على المؤسسة الشرطية بأكملها، بل هو في أساسه دليل على أن سيادة القانون تقتضي مساءلة كل من تثبت في مواجهته شبهة ارتكاب جريمة، أياً كانت صفته الوظيفية. فالشرطي حين يصبح متهماً يخضع للقواعد العامة للإجراءات الجنائية، ويتمتع بذات الضمانات التي يتمتع بها أي متهم آخر من قرينة البراءة وحق الدفاع والمحاكمة العادلة، ولا يجوز إدانته إلا بناءً على بينات قانونية كافية. صفته كشرطي لا تمنحه حصانة من المحاكمة، كما لا تجعله محل تشدد استثنائي، والقضاء ملزم في كلتا الحالتين بالحياد الكامل.

الحصانة الإجرائية

يوضح د. عبد الشكور أن الحصانة التي يتمتع بها أفراد الشرطة هي حصانة إجرائية لا موضوعية، أي أنها لا تعني إعفاء الشرطي من المسؤولية الجنائية، وإنما تشترط في بعض الحالات الحصول على إذن من الجهة المختصة قبل اتخاذ إجراءات جنائية ضده عن أفعال وقعت أثناء أو بسبب أداء الواجب الرسمي. والغرض من هذه الحصانة هو حماية رجل الشرطة من الدعاوى الكيدية التي قد تعطل أداءه لمهامه. غير أنها يجب ألا تتحول إلى وسيلة لتعطيل العدالة، ولذلك يصبح رفعها واجباً كلما وجدت بينات جدية تستوجب التحقيق والمحاكمة.

حدود القوة المشروعة

يُقرّ القانون لرجل الشرطة باستعمال القوة بالقدر الضروري والمتناسب لتنفيذ القانون في حالات القبض على المتهمين ومنع الجرائم وحماية الأرواح والممتلكات. غير أن هذا الحق ليس مطلقاً بأي حال. يقول د. عبد الشكور إن الأمر يتحول إلى مسؤولية جنائية متى تجاوز الشرطي حدود الضرورة أو استخدم قوة غير متناسبة أو استعمل السلاح في غير الحالات التي يجيزها القانون، أو ترتّب على فعله قتل أو إصابة نتيجة الإهمال أو التعسف. والعبرة في جميع الأحوال هي مدى الالتزام بثلاثة مبادئ لا تقبل المساومة: الضرورة والتناسب والمشروعية.

مسار المحاسبة الداخلية

يكشف د. عبد الشكور عن مسار المحاسبة داخل المؤسسة الشرطية بتفصيل لا يعرفه كثيرون خارجها. فحين تَرِد معلومة عن ضابط أو صف ضابط، تبدأ الإدارة بتقصي الحقائق ثم تُشكّل مجلس تحقيق يُسفر إما عن جريمة أو مخالفة أو براءة. فإن كانت الجريمة داخل نطاق العمل، تولّتها محاكم الشرطة المتدرجة من المحكمة الصغرى إلى الكبرى وصولاً إلى محكمة الشرطة العليا التي يتولاها قانونيون متخصصون. أما إن كانت الجريمة خارج نطاق العمل فتذهب مباشرة إلى النيابة ومنها إلى المحكمة الطبيعية. وهكذا يقع من يُخطئ من منسوبي الشرطة، على حد تعبيره، “بين مطرقة قانون الشرطة وسندان القانون الطبيعي”.

النسبة والتناسب

يختتم د. عبد الشكور قراءته بمنظور يدعو إلى التأمل: إذا نظرنا إلى تعداد منسوبي الشرطة الذي يتجاوز مئات الآلاف، فإن الجرائم المنسوبة إليهم بسيطة لا تُذكر قياساً بهذا العدد الضخم، كنقطة في بحر زاخر أو كإبرة في قومة قش. ويُشدد في الوقت نفسه على أن هذا لا يعني التهوين من أي انتهاك مهما صَغُر، بل يعني أن التقييم الموضوعي لأداء المؤسسة يستلزم قراءة الأرقام بعدل وأمانة، لا انطلاقاً من الحوادث الفردية التي تستقطب الرأي العام وحدها.

قراءة النفسية والاجتماعية..

الثقة تتصدع

أكدت بروفيسور نعمات الزبير استشاري الصحة النفسية أن التصرفات العنيفة أو الفاسدة الصادرة من بعض منسوبي الشرطة لا يقتصر أثرها على الضحية المباشرة، بل يطال العقد الاجتماعي بأكمله بين المواطن والمؤسسة الأمنية. وأوضحت في حديثها إلى (العودة) أن أول ما يتكسر هو الثقة، وأن المواطن الذي فقدها لن يُبلّغ عن الجرائم ولن يتعاون مع الشرطة، مما يُفقد المؤسسة أهم مصادر معلوماتها ويضطرها إلى انتزاعها بطرق ملتوية تُعمّق الهوة أكثر. ولفتت إلى أن هذا الضعف في المعلومات يصبّ في نهاية المطاف في صالح المجرمين الذين يُدركون أن التبليغ عنهم لن يكتمل فيتمادون في إجرامهم.

الصورة النمطية تبتلع الجميع

وحذّرت نعمات من خطورة التعميم الذي يُلقي بظلاله على الشرفاء قبل غيرهم، مشيرةً إلى أن انتشار مقطع مصور لشرطي يسيء لمواطن يكفي وحده لتحويل صورة المؤسسة كاملة في وعي المجتمع من حارس إلى تهديد. وأضافت أن الأسر باتت تُحذّر أبناءها من الاقتراب من الشرطة، وأن الشباب يتعاملون مع رجل الشرطة باعتباره خصماً لا حامياً. وأوضحت أن الكفاءات الشرطية الشريفة تدفع ثمن هذه الوصمة إذ يُحجم بعضهم عن الانضمام للمؤسسة أو يغادرونها، فيما يستغل آخرون هذه الفجوة في تجنيد الشباب الغاضب وتوظيف نقمته.

الشرطي في الداخل

وكشفت نعمات عن وجه آخر لهذه المعادلة لا يراه كثيرون، إذ أشارت إلى أن رجل الشرطة نفسه يحمل أعباءً نفسية جسيمة تفوق ما يتحمله معظم أصحاب المهن الأخرى. وأوضحت أنه يتعامل يومياً مع مشاهد العنف والجريمة والموت، ويتخذ في لحظات قصيرة قرارات مصيرية قد تُولّد لديه لاحقاً اضطراب ما بعد الصدمة والكوابيس وانفجارات الغضب والاكتئاب والعزلة. ونبّهت إلى أن هذه الضغوط تنعكس أولاً على حياته الأسرية بارتفاع نسب الطلاق والانسحاب العاطفي، ثم تنعكس في تعامله مع المواطن. وقالت إن الشرطي المنهك الذي لم ينَم يومين وأعصابه على الحافة هو الأقرب إلى استخدام القوة المفرطة، لا لأنه شرير بل لأنه إنسان لم يتلقَّ الدعم الذي يحتاجه. وأضافت أن ساعات العمل الطويلة والرواتب الضعيفة وغياب التقدير تدفع بعضهم إلى تبرير الفساد لأنفسهم باعتباره حقاً مقابل المخاطرة بحياتهم.

المحاسبة أو التواطؤ

وأكدت بروفيسور نعمات أن غياب المحاسبة لا يُشجّع المخطئ وحده على التمادي، بل يُشجّع الآخرين على السير في المنهج ذاته، وأن الصمت المؤسسي يُفهَم في أحيان كثيرة على أنه تواطؤ. ودعت إلى إنشاء قاعدة بيانات تُوثّق حالات الفساد والتعنيف وجرائم القتل والرشاوى في صفوف الشرطة، لا لأغراض العقوبة وحدها بل لتحديد نقاط الضعف المؤسسية ومعالجتها بصورة منهجية. وأضافت أن فساد الشرطي لا يمسّ المؤسسة وحدها بل يُقدّم للمجتمع درساً خاطئاً مفاده أن الغاية تبرر الوسيلة، فتنتشر ثقافة الرشوة والفساد انطلاقاً من النموذج السلبي الذي رأوه فيمن كان يُفترض أن يكون قدوتهم.

القوة الحقيقية في العقل

وخلصت بروفيسور نعمات إلى أن القوة الحقيقية لرجل الشرطة تكمن في عقله لا في سلاحه، وأن السلاح يجب أن يكون آخر الخيارات لا أولها، لأن إفراط القوة يُولّد الخوف لا الهيبة.. وأشارت إلى أن الشرطي الذي يضع المواطن في زاوية لا مخرج منها يدفعه إلى ردود فعل قد تُودي بحياة الجميع. ودعت إلى إدراج مهارات التفاوض وضبط الانفعال وخفض التصعيد ضمن مناهج الأكاديميات الشرطية، وإلى توفير دعم نفسي مستمر لمنسوبي الشرطة على غرار تدريبهم على السلاح. وأكدت أن العلاقة بين الجمهور والشرطة ليست رفاهية بل هي صمام الأمان الذي يحمي المجتمع بأسره، وأن إصلاحها يبدأ من الوعي المجتمعي ومن داخل المؤسسة في آنٍ معاً.

ما خلصت له “العودة”

تبقى العدالة ناقصة ما لم تطل الجميع بلا استثناء فالقانون الذي لا يطبق على من يحمله بالنيابة عن المجتمع لا يستحق أن يسمى قانوناً، و ما تكشفه هذه القضايا مجتمعة ليس فساد أفراد بل اختباراً متكرراً لإرادة مؤسسة في محاسبة نفسها وللمجتمع في المطالبة بهذه المحاسبة حتى النهاية، فسيادة القانون لا تقاس بالنصوص المكتوبة بل بالحكم الذي يصدر.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى