لاجئون سودانيون في دول الجوار: مأساة على هامش الحرب
تحقيق استقصائي في الأوضاع الإنسانية المتدهورة للاجئين السودانيين..

تحقيق: نشوة أحمد الطيب
من معسكرات اللجوء في ليبيا وتشاد وأوغندا، إلى جنوب السودان حيث يسقط بعض اللاجئين جوعاً وسوء تغذية، ومن ليبيا حيث يختفي آخرون ضحايا عصابات الاتجار بالبشر إلى مصر التي يواجه فيها اللاجئون الاعتقال والترحيل وتشاد حيث يهدد القتل والنهب حياتهم وأوغندا حيث تتدهور أوضاع المعسكرات.
صحيفة (العودة) وثقت مأساة آلاف السودانيين الذين رمت بهم نيران الحرب خارج حدود الوطن، ليواجهوا واقعًا قاسيًا من انعدام الحماية، وتدهور الخدمات، وانتظار طويل لعودة لم تتضح معالمها بعد. شهادات اللاجئين وتقارير المنظمات تكشف حجم المعاناة اليومية، وتفتح نافذة على حياتهم المحفوفة بالمخاطر، لتسائل القارئ: كيف يعيش الملايين على هامش النزاع بلا أفق واضح؟
“نعيش على حافة الاحتمال”
تجلس أمل (اسم مستعار حفاظًا على سلامة المتحدثة)، وهي لاجئة سودانية وأم لطفل واحد، على هامش الحياة في منطقة الزاوية وهي إحدى ضواحي العاصمة الليبية طرابلس، بعد ما يقارب عامين ونصف العام من النزوح القسري. خرجت من الخرطوم هرباً من الحرب، لتجد نفسها في واقع لا يقل قسوة، حيث يتداخل الفقر مع الخوف، ويصبح الأمن حلماً مؤجلاً، لا حقاً مكفولاً.
تقول أمل إنها تعيش مع زوجها على ما يجود به “رزق اليوم باليوم”، في منطقة تُعد من أفقر وأخطر المناطق، بينما تنتظر منذ أشهر نتيجة طلبها للعودة الطوعية عبر المفوضية، دون موعد واضح أو ضمانات.
“نحن ننتظر فقط أن يُفتح باب الرحلة… مهما كانت الظروف في السودان، فلا وطن أحنّ علينا منه” ، تضيف بصوتٍ مثقل بالإنهاك.
لكن أكثر ما ترك في ذاكرتها جرحاً عميقاً، حادثة عنف تعرضت لها أثناء عملها في خدمة منزلية لدى أسرة ليبية. كانت حاملاً في شهرها الثاني عندما تعرضت، بحسب روايتها، لإهانات عنصرية واعتداء جسدي مباشر من صاحبة المنزل، انتهى بسقوطها ونزيف حاد كلفها فقدان جنينها.
ورغم حالتها الصحية، رفضت الأسرة نقلها إلى المستشفى خشية “الفضيحة” والإدانة القانونية في حالة وتركتها عند باب منزلها، لتتكفل إحدى الجارات بنجدتها ونقلها للعلاج.
لم تبلغ فاطمة الجهات الرسمية عمّا حدث، وتبرر ذلك بكونها “أجنبية بلا حماية حقيقية”، وتقول إن الصمت في الغالب هو الخيار الأقل كلفة للاجئين.
“نبتلع الإهانة، لأننا نعلم أن الشكوى قد ترتد علينا” ، تشرح بمرارة.
ولا تقتصر المعاناة، بحسب حديثها، على النساء فقط فالتحرش وانعدام الأمان يطاولان الرجال والنساء على حد سواء، كما يطال الأطفال، الذين يُحرم كثير منهم من التعليم بسبب تعقيدات الإقامة، أو يتعرضون للعنصرية والتنمر داخل المدارس.
أما المساعدات الإنسانية، فتقول إنها محدودة وغير منتظمة، تصل إلى بعض الأسر دون غيرها، ولا تكفي في حال الأسر الكبيرة. وتشير إلى أن مكاتب المفوضية تشهد ازدحاماً شديداً، ما يضطر عائلات كاملة إلى المبيت أمام أبوابها أملاً في تسجيل شكواهم، فيما تكون الاستجابة – إن حدثت – ضعيفة ومتكررة في إجاباتها.

وفيما يخص الدور القنصلي، تؤكد فاطمة أن السفارة السودانية لا تقدم دعماً مباشراً من حيث المساعدات المادية أو التموينية، ويقتصر دورها على الإجراءات الإدارية، مثل شؤون الجوازات، الوفيات، التعليم، والعودة الطوعية، التي لا تزال – حتى الآن – مؤجلة.
“قبل أيام أعلنوا أن التأخير ليس بأيديهم، ونحن ما زلنا ننتظر” ، تقول.
لا تقف معاناة أمل عند حدود تجربة شخصية مع العنف أو الفقر أو الانتظار الطويل، بل تفتح نافذة أوسع على واقع يعيشه آلاف اللاجئين السودانيين في ليبيا، حيث تتشابه التفاصيل، وتختلف الأسماء فقط.
من الفاشر إلى تاجوراء
إيمان (اسم مستعار)، لاجئة سودانية من مدينة الفاشر بإقليم دارفور، تقول إن أسرتها لم تغادر السودان بحثًا عن حياة أفضل، بل هربًا من الموت. (فقدنا أفرادًا من عائلتنا خلال الحرب، وتعرّض بعضنا للتعذيب والقتل قبل أن نغادر الفاشر. خرجنا عبر الصحراء الليبية في رحلة قاسية، اعتقدنا أنها ستقودنا إلى الأمان، لكنها انتهت بنا في لجوء أشد قسوة). تقيم إيمان اليوم مع أكثر من 200 لاجئ سوداني داخل مخزن (هنجر) غير مهيأ للسكن في منطقة تاجوراء شرق طرابلس، يضم نحو 39 أسرة، أغلبهم من دارفور. (نعيش بلا تدفئة، والبرد شديد في الشتاء. الأطفال يمرضون باستمرار، ولا نملك سوى بطاطين قليلة وملابس مستعملة نحصل عليها أحيانًا من محسنين. المكان غير صالح للحياة؛ في الشتاء صقيع، وفي الصيف حرارة خانقة).

صحة بلا حماية
تصف إيمان الوضع الصحي بالحرج، خاصة بالنسبة للنساء: (النساء الحوامل يواجهن صعوبات كبيرة في الحصول على الرعاية الصحية. بعض المستشفيات ترفض استقبالنا لأننا أجانب، واضطرت نساء للولادة في السيارات أو في الطريق. هناك حالات نزيف حاد بعد الولادة، وتأخر في تقديم العلاج) كما تؤكد انتشار الأمراض الجلدية بين الأطفال والنساء بسبب الاكتظاظ وسوء الصرف الصحي.
تعليم هش وطفولة معلّقة
(نحو 50 طفلًا يتلقون تعليمًا بدائيًا داخل المخيم، بلا كتب أو أدوات مدرسية. عند هطول الأمطار تتسرب المياه فوق رؤوسهم، ومع ذلك نحاول الاستمرار حتى لا تضيع طفولتهم بالكامل).
معيشة قاسية وانتظار بلا أفق
اقتصاديًا، تقول إيمان إن فرص العمل شبه معدومة: (الرجال يذهبون يوميًا بحثًا عن عمل، لكن العمل نادر، والنساء غالبًا يُرفضن في الخدمة المنزلية. ورغم تسجيلنا لدى مفوضية اللاجئين، تمر أشهر دون تلقي أي مساعدات تذكر). وتضيف:(لا يوجد تواصل فعلي مع السفارة السودانية، ونشعر بأننا منسيون).
وتختم إيمان شهادتها بالإشارة إلى مبادرات محلية محدودة: (جمعية ليبية واحدة فقط أرسلت عيادة متنقلة وأطباء للكشف على النساء والأطفال. لولا هذه المبادرات، لكانت أوضاعنا أسوأ). (خرجنا من السودان هربًا من الحرب، وما نطلبه اليوم هو الحماية والكرامة، أو طريقًا واضحًا للعودة).
السودانيين بمعسكر كرياندونغو – أوغندا
يقول المهندس حسين هاشم رئيس مجتمع اللاجئين السودانيين في معسكر كرياندونغو الأوغندي في حديثة إلى صحيفة (العودة)، إن المعسكر، الواقع على بُعد نحو 300 كيلومتر شمال العاصمة كمبالا، أصبح أحد أكبر مراكز استقرار السودانيين الفارين من حرب 15 أبريل، بعد اتفاق بين الحكومة الأوغندية والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين على استقبالهم بكامل أسرهم.
ويؤكد حسين أن عدد الأسر السودانية المسجلة تجاوز 80 ألف أسرة، بينما اختار جزء من اللاجئين، بعد استكمال إجراءات التسجيل والحصول على المستندات الرسمية، الانتقال للعيش في مدن مثل كمبالا وجولو وماسيندي، حيث استأجروا مساكن وبدأوا ممارسة أعمال بسيطة.
وضع قانوني متقدم… وخدمات غائبة
يشيد حسين بالتعامل الرسمي للحكومة الأوغندية، موضحًا أن اللاجئين يحصلون على بطاقة تسجيل مزدوجة، تمنحهم وضعًا قانونيًا يساويهم بالمواطن الأوغندي في معظم الحقوق الأساسية، بما في ذلك رسوم التعليم والعلاج وممارسة التجارة، باستثناء حق التصويت.

كما تُمنح كل أسرة قطعة أرض بمساحة 15×25 مترًا داخل المعسكر. غير أن طمان يشير إلى أن هذه الأراضي كانت، عند الوصول، مجرد غابات كثيفة ومزارع قديمة، دون أي خدمات أساسية، ما اضطر اللاجئين لتنظيفها بأيديهم ونصب خيامهم في بيئة منعدمة المقومات: لا مياه، لا اتصالات، ولا بنية تحتية.
معسكر متعدد الجنسيات وتدفّق متأخر
يضم معسكر كرياندونغو أكثر من سبع جنسيات، من بينها لاجئو جنوب السودان، الكونغو، كينيا، رواندا، بوروندي، إثيوبيا، إريتريا، إلى جانب السودانيين، الذين بدأ تدفقهم الكثيف بين منتصف ونهاية 2023، ثم في أبريل 2024.
وبحسب الإفادة، أمضى غالبية السودانيين فترات طويلة في مراكز العبور وصلت إلى خمسة أشهر، قبل نقلهم للمعسكر بحجة عدم جاهزيته.
تنظيم ذاتي في مواجهة الفراغ
أمام غياب الخدمات، نظم السودانيون انتخابات داخلية، بإشراف حكومي وأممي، لاختيار قيادة مجتمعية تُنسق مع الجهات الرسمية والمنظمات. وأسفر ذلك عن إنشاء هيكل إداري يضم مكاتب متخصصة في الصحة والتعليم والخدمات والأمن والحماية القانونية، إضافة إلى المرأة والطفل والشباب وكبار السن.

جوع مقنّن وتمويل منقطع
يكشف حسين أن نظام الدعم الغذائي تحوّل من مساعدات عينية إلى نقدية، بمبلغ لا يتجاوز 14 ألف شلن أوغندي للفرد كل شهرين، أي أقل من ثلاث دولارات. وبعد تقليص التمويل الدولي بنسبة تقارب 60%، توقفت المساعدات عن غالبية اللاجئين، وتقلصت حصص آخرين، ما أدى إلى ظهور حالات سوء تغذية، خاصة بين الأمهات المرضعات.
مبادرات البقاء: الماء والطعام
في ظل هذا الواقع، اعتمد المجتمع السوداني على مبادرات ذاتية، أبرزها حفر آبار مياه بالتعاون مع اليونيسيف وجمعيات خيرية، وإطلاق مطابخ جماعية (التكايا) تعتمد على التكافل. وانتشرت هذه المطابخ في 17 تجمعًا داخل المعسكر، مع خطط لتوسيعها خلال شهر رمضان.
إيواء هش وأمن مهدَّد
يصف حسين وضع الإيواء بأنه “كارثي”، حيث تعيش الأسر تحت مشمعات مهترئة تجاوز عمرها الافتراضي ولا تقي من الأمطار والرياح. ورغم رفع شكاوى متكررة للمفوضية ومكاتبها الإقليمية والدولية، فإن الرد المتكرر كان غياب التمويل.
أمنيًا، يشير إلى أن المعسكر شهد هجومًا مسلحًا نفذته مجموعة من شباب قبيلة النوير، أسفر عن مقتل أحد اللاجئين وإصابة العشرات، بعضهم بإصابات خطيرة، إضافة إلى حالات صدمة نفسية حادة. ورغم تحسّن الوضع نسبيًا، لا يزال الخوف مسيطرًا على السكان.
صحة متدهورة وتعليم مكتظ
توقفت أغلب المنظمات الدولية عن تقديم الخدمات الصحية، ما دفع أطباء سودانيين ومنظمات محلية لتنظيم مخيمات علاجية ونقل الحالات الحرجة إلى كمبالا. وتُسجل ارتفاعات في معدلات الوفيات، وانتشار أمراض مزمنة وإصابات حرب لم تُجرَ لها عمليات جراحية.
أما التعليم، فيعاني من اكتظاظ شديد واعتماد المنهج الأوغندي، مع مبادرات سودانية محدودة للإسناد الأكاديمي بالمنهج السوداني، في ظل عجز كثير من الطلاب عن سداد رسوم الامتحانات.

العودة الطوعية: رغبة بلا إطار أممي
يوضح طمان أن ما يُسمّى حاليًا بالعودة الطوعية هو مبادرة إنسانية قادتها السفارة السودانية استجابة لمطالب لاجئين لا يملكون كلفة العودة، لكنها لا ترقى إلى برامج العودة المعتمدة أمميًا، لغياب التعويضات والحماية وبرامج الدمج. وتم الاتفاق مع الحكومة الأوغندية والمفوضية على آلية تسجيل إلكتروني لمن يرغبون في التنازل عن اللجوء والعودة.
تحديد المسؤوليات ورسائل مفتوحة
يحمّل حسين الحكومة الأوغندية مسؤولية الأمن والعدالة، فيما يرى أن المفوضية والمنظمات الإنسانية قصّرت في تلبية الاحتياجات الأساسية. ويشيد في المقابل بالمجتمع الأوغندي، واصفًا إياه بالمسالم والمتسامح، داعيًا السودانيين إلى احترام هذا الاحتضان.
ويختتم حسين إفادته بنداءات متزامنة: للسودانيين بالتماسك والإنتاج بدل الانتظار، وللمنظمات بالتحرك الميداني بدل الاكتفاء بالتقارير، وللمؤسسات الخيرية بالتدخل العاجل، خصوصًا مع اقتراب شهر رمضان، حيث توجد أسر “لا تملك ما تفطر عليه”.
تشاد: لجوء بلا خدمات كافية
يصف آدم موسى أوباما المدير التنفيذي لمنظمة مناصرة ضحايا دارفور في حديثه إلى صحيفة (العودة) أوضاع اللاجئين السودانيين في تشاد بأنها “بالغة الصعوبة”، مشيرًا إلى نقص حاد في الخدمات الأساسية، على رأسها الرعاية الصحية، التعليم، الغذاء، ومياه الشرب. ويؤكد أن الاحتياجات اليومية للاجئين تفوق بكثير ما هو متاح على الأرض، ما يترك آلاف الأسر في دائرة هشاشة مستمرة.
ويضيف أن منظمته تعمل بالشراكة مع منظمة الأمل والملاذ للاجئين، حيث جرى إنشاء عيادة واحدة فقط في منطقة “أدري”، وهي العيادة الصحية الوحيدة التي تخدم اللاجئين هناك، رغم أنها تستقبل أكثر من 300 مريض أسبوعيًا بإمكانات شديدة المحدودية.

ورغم توجيه الشكر للحكومة التشادية على استضافتها للاجئين وتسهيل بقائهم، يشدد أوباما على أن الدعم الحالي لا يزال غير كافٍ، وينعكس بشكل مباشر على حياة اللاجئين ومستقبلهم.
ليبيا: نصف مليون سوداني في مواجهة التهريب والخطر
في ليبيا، يقدر أوباما عدد السودانيين بأكثر من نصف مليون شخص موزعين بين الشرق والغرب، ويصف أوضاعهم بأنها من بين الأصعب إقليميًا. ويؤكد أن اللاجئين هناك يواجهون مخاطر جسيمة، أبرزها شبكات التهريب والاتجار بالبشر، التي أودت بحياة عشرات السودانيين خلال محاولات العبور أو الاحتجاز غير القانوني.
وأشار إلى أن الاضطرابات الأمنية في ليبيا انعكست سلبًا على التعليم والصحة وحركة اللاجئين اليومية، مضيفًا أن هناك حالات اعتقال واحتجاز، دون تسجيل حالات ترحيل قسري حتى الآن.
وفي هذا السياق، انتقد أوباما بشدة دور السفارة السودانية، واصفًا إياه بأنه “ضعيف وسلبي”، ولا يرقى لمستوى الأزمة، في مقابل إشادته بدور الحكومة والمجتمع الليبي في تقديم الحماية وتسهيل سبل العيش، رغم تعقيدات الواقع الأمني.
كما وثقت مصادر ميدانية حالات اختفاء في صفوف اللاجئين، إلى جانب ضبط أكثر من 20 شخصًا متورطين في شبكات الاتجار بالبشر، وتحرير عشرات الضحايا على يد السلطات الليبية، إلا أن بعض اللاجئين ما زالوا يفقدون حياتهم في الصحراء بسبب العطش وطول الرحلة.
جنوب السودان: الجوع يحصد الأرواح داخل المعسكرات
عن أوضاع اللاجئين في جنوب السودان، يتحدث أوباما عن معاناة قاسية داخل معسكرات النزوح، خصوصًا في معسكر “ود ويل”، حيث تنتشر حالات سوء التغذية على نطاق واسع.
ويوثق المتحدث حالتي وفاة لامرأتين نتيجة نقص الغذاء وسوء ظروف اللجوء، في ظل بيئة أمنية غير مستقرة في جوبا ومناطق أخرى. ورغم ذلك، يثمن أوباما جهود حكومة جنوب السودان وشعبها في تسهيل إجراءات الدخول، وتوفير الإيواء، واصفًا هذه الجهود بأنها “مقدَّرة ومشكورة” قياسًا بحجم التحديات.

أوغندا: تدخلات محدودة أمام احتياجات متسعة
في أوغندا، نفذت منظمة مناصرة ضحايا دارفور ما بين 7 إلى 8 أنشطة إنسانية، شملت توزيع سلال غذائية، وتقديم دعم نفسي واجتماعي للنساء والأطفال، والتوعية بقوانين اللجوء، ورفع قدرات الشباب داخل المعسكرات.
ويشير أوباما إلى أن هذه التدخلات، رغم أهميتها، تظل محدودة قياسًا باتساع الاحتياجات وتراجع التمويل.
الانتهاكات والحماية: فجوة تتسع
يوضح أوباما أن أبرز الانتهاكات التي تطال اللاجئين السودانيين تتمثل في الاتجار بالبشر، خاصة في ليبيا، إضافة إلى حوادث قتل ونهب يتعرض لها اللاجئون أثناء تنقلهم بين السودان وتشاد.
ويؤكد أن منظومة الحماية الحالية تحتاج إلى تنسيق أكبر وجهود مكثفة بين المفوضية السامية لشؤون اللاجئين والمنظمات الإنسانية، لا سيما في تشاد وليبيا وجنوب السودان.
التمويل والضغوط: أزمة تتجاوز الميدان
يعزو أوباما تفاقم الأزمة الإنسانية إلى النقص الحاد في التمويل، خاصة بعد قرارات الإدارة الأمريكية المتعلقة بتقليص دعم الوكالة الأمريكية للتنمية (USAID)، ما أدى إلى تراجع خدمات الغذاء، الصحة، والتعليم بشكل مباشر.
كما أشار إلى أن المنظمة تواجه ضغوطًا ميدانية كبيرة داخل السودان، خصوصًا في مناطق سيطرة الجيش، مما يحد من قدرة الفرق على العمل والوصول الآمن.
يختتم أوباما إفادته بالتأكيد على أن المجتمع الدولي مطالب بتحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية تجاه المدنيين السودانيين، داعيًا إلى ممارسة ضغوط حقيقية على أطراف النزاع كافة من أجل الوصول إلى اتفاق سلام يضع حدًا لمعاناة ملايين المتضررين داخل السودان وخارجه.

رد المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في مصر | حق الرد
في ردها الرسمي لصحيفة العودة على أسئلة التحقيق، أكدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر التزامها بمبادئ الحماية الدولية، والعمل بالتنسيق مع السلطات المصرية والشركاء المعنيين لضمان احترام حقوق اللاجئين وطالبي اللجوء، بما يشمل إجراءات التسجيل، وتحديد الاحتياجات، وتقديم الدعم الإنساني ضمن الموارد المتاحة ووفق القوانين الوطنية.
وأقرت المفوضية بأن اللاجئين السودانيين يعيشون حالة قلق متزايد، في ظل تدفق أعداد كبيرة خلال فترة زمنية قصيرة، نتيجة الحرب في السودان، وهو ما شكّل ضغطًا غير مسبوق تجاوز القدرات التشغيلية لأي منظومة إنسانية على الاستجابة الفورية والكاملة.
وأوضحت أن الإطار القانوني المنظم للعمل في مصر يحدد أدوار كل جهة، حيث تبقى إجراءات الإقامة من الاختصاص السيادي للدولة المصرية، بينما يقتصر دور المفوضية على التسجيل وتقديم الحماية والمساعدة الإنسانية، بما يتوافق مع القوانين المحلية والمعايير الدولية.

وفيما يتعلق بالتأخير في المواعيد والإجراءات، أوضحت المفوضية أن ذلك لا يعكس غياب البعد الإنساني، بل يعود إلى فجوة كبيرة بين حجم الاحتياجات المتصاعد والتمويل والقدرات التشغيلية المتاحة. وأشارت إلى أنها اضطرت، في فترات الضغط الشديد، إلى اعتماد نظام الأولويات، مع التركيز على الفئات الأكثر هشاشة، مثل كبار السن، وذوي الإعاقة، والناجين من العنف، باعتباره إجراءً مؤقتًا لإدارة المخاطر.
(مخاوف اللاجئين مشروعة)
أقرت المفوضية بأن طول فترات الانتظار يخلق تحديات حقيقية ويزيد من شعور عدم اليقين لدى اللاجئين، مؤكدة أن هذه المخاوف مشروعة، وأنها تعمل على تحسين قنوات التواصل، وتعزيز تدفق المعلومات، وتوسيع القدرة الاستيعابية كلما توفرت الموارد والدعم الدولي اللازم.
وفي جانب الحماية، أفادت المفوضية بأنها تواصل رصد المخاطر التي قد يتعرض لها اللاجئون، لا سيما النساء والأطفال والأسر التي تعيلها نساء، وتعمل مع شركائها على تقديم خدمات الحماية والدعم النفسي والاجتماعي والمساعدة القانونية، رغم التحديات المرتبطة بالسياق الحالي.
وأكدت أن آليات الشكاوى متاحة أمام جميع اللاجئين، ويمكن اللجوء إليها دون أي تأثير سلبي على الملفات، مشيرة إلى أن الشكاوى تُعالج وفق إجراءات داخلية تهدف إلى تحسين الأداء.
ورداً على ما أُثير بشأن وجود تمييز، شددت المفوضية على أن معاييرها تُطبق على جميع الجنسيات دون تفرقة، وأن تفاوت سرعة الخدمات يرتبط بحجم التدفق ودرجة الاحتياج وتعقيد الحالات، لافتة إلى أن الملف السوداني يُعد حالياً من أكبر وأكثر ملفات اللجوء تعقيداً في مصر.
واختتمت المفوضية ردها بالتأكيد على التزامها بالعمل المشترك مع الحكومة المصرية والشركاء والمجتمع الدولي لتحسين الاستجابة وتعزيز الحماية، مع الإقرار بأن حجم الأزمة يتطلب حلولاً جماعية ومسؤولية دولية تتجاوز قدرات أي جهة منفردة.
الإطار القانوني وحماية اللاجئين
يضمن القانون الدولي، وبموجب اتفاقية جنيف لعام 1951، جملة من الحقوق الأساسية للاجئين، أبرزها الحماية من الإعادة القسرية، والحق في الأمن، والغذاء، والمأوى، والرعاية الصحية، والتعليم، والعمل، والحصول على العدالة دون تمييز، وتُلزم هذه المواثيق الدول المضيفة بتوفير بيئة تحفظ كرامة اللاجئين وتمنع تعرضهم للانتهاكات.
غير أن الواقع الذي يعيشه آلاف اللاجئين السودانيين يكشف فجوة واسعة بين هذه النصوص والتطبيق الفعلي. وفي هذا السياق يشير مزمل الغالي محامي ومدافع عن حقوق الإنسان في حديثه لصحيفة (العودة) إلى أن الانتهاكات تبدأ غالبًا بشكل غير مباشر، عبر تقليص الخدمات وغياب الحماية، قبل أن تتطور إلى أوضاع أكثر قسوة، في مخالفة صريحة للمعايير الدولية التي يفترض أن تكفل للاجئ حياة آمنة وكريمة.
ويرصد الغالي المشهد القانوني والإنساني للاجئين السودانيين في جمهورية أوغندا، في أعقاب حرب 15 أبريل 2023، كان عدد اللاجئين السودانيين لا يتجاوز 50 ألف لاجئ قبل الحرب ، مؤكداً أن الأزمة الراهنة لا تكمن في غياب الإطار التشريعي، بل في الفجوة الواسعة بين النص القانوني والتطبيق العملي.

ويشير الغالي إلى أن ملف اللجوء السوداني شهد تحولاً غير مسبوق بعد اندلاع الحرب، إذ لم يكن عدد اللاجئين السودانيين قبلها يتجاوز خمسين ألف لاجئ تُدار ملفاتهم بصورة فردية وإجراءات معقدة. غير أن التدفق الكبير عقب الحرب دفع السلطات الأوغندية إلى منح السودانيين صفة اللجوء الجماعي عبر «إعلان الدولة»، باعتبارهم فارّين من نزاع مسلح واسع النطاق.
قانونياً، تستند أوغندا إلى منظومة متقدمة نسبياً، تشمل اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، وقانون اللاجئين الأوغندي لسنة 2006، والذي يمنح اللاجئ حقوقاً أساسية واسعة، من بينها حرية الحركة والسكن خارج المعسكرات، والحق في العمل والتملك الزراعي والسكني، والالتحاق بالتعليم، إضافة إلى حق التقاضي أمام المحاكم الأوغندية المدنية والجنائية، والمعاملة على قدم المساواة مع المواطنين في الإجراءات القضائية.
تنافس اللاجئين على الأراضي والموارد
لكن، وعلى الرغم من هذا الإطار القانوني المتقدم، يكشف الواقع الميداني – بحسب الغالي – عن جملة من الانتهاكات والتحديات الخطيرة. فقد تم توثيق نزاعات دموية داخل بعض المعسكرات، على خلفيات تتعلق بالتنافس على الأراضي والموارد خاصة وأن المعسكرات تضم لاجئين من دولة جنوب السودان والكونغو وكان أخطرها حادثة وقعت في يونيو 2025، وأسفرت عن مقتل اللاجئ السوداني كباشي إدريس كافي، وإصابة عشرات آخرين نتيجة اعتداءات باستخدام الأسلحة البيضاء بين لاجئين سودانيين ولاجئين جنوب سودانيين
كما يلفت الغالي إلى تعرض عدد من اللاجئين لتوقيفات تعسفية وابتزازات مالية، تُمارس أحياناً من قبل أفراد شرطة أو أشخاص ينتحلون صفات رسمية، مستغلين عدم حمل اللاجئ لبطاقته التعريفية أو اكتمال أوراقه الثبوتية. ويضاف إلى ذلك انتشار عمليات الاحتيال في عقود الإيجار، حيث يقع لاجئون سودانيون ضحية لخداع بعض المؤجرين، نتيجة حاجز اللغة وضعف الإلمام بالنظام القانوني المحلي.
إدارياً، تعاني ملفات اللاجئين من تأخيرات طويلة في استخراج بطاقات اللجوء وشهادات التسجيل العائلي، بفعل التكدس الكبير ونقص الموارد التشغيلية، وهو ما ينعكس مباشرة على إمكانية حصولهم على الخدمات الأساسية والحماية.

وفيما يتعلق بسبل الانتصاف، يؤكد الغالي أن القانون الأوغندي يتيح مسارات واضحة للتعامل مع هذه الانتهاكات، تبدأ بالطعن في أي احتجاز تعسفي والمطالبة بالإفراج الفوري، استناداً إلى مبدأ عدم الإعادة القسرية المكفول دولياً ومحلياً. كما يشير إلى دور مكتب رئيس الوزراء الأوغندي، بوصفه الجهة الحكومية المسؤولة عن شؤون اللاجئين، إلى جانب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في تلقي الشكاوى والتدخل عند الحاجة.
وعلى مستوى المعسكرات، تلعب القيادات المجتمعية واللجان المحلية دوراً محورياً في احتواء النزاعات البسيطة والتنسيق مع الشرطة، وقد أُنشئت عقب موجات العنف الأخيرة لجان أمنية مشتركة لتعزيز الحماية، لا سيما خلال الفترات الليلية. كما تنشط منظمات حقوقية سودانية ودولية في تقديم العون القانوني، وتوثيق الانتهاكات، ورفع المذكرات والشكاوى الرسمية.
ويختتم الغالي إفادته بجملة من التوصيات الوقائية، داعياً اللاجئين السودانيين إلى الحرص على حمل بطاقات اللجوء ووثائقهم الثبوتية بصورة دائمة، والإبلاغ الفوري عن فقدانها، وتجنب اللجوء إلى العنف مهما كانت الاستفزازات، لما لذلك من تبعات قانونية تفضي إلى فقدان الحقوق. كما شدد على أهمية التوثيق والتبليغ عبر القنوات القانونية والرسمية، باعتبارها الوسيلة الوحيدة لضمان الحماية وحفظ الحقوق في بيئة لجوء معقدة ومتغيرة.
وزيرة الرعاية: الاستجابة قُدمت بإمكانات محدودة وبلا رصد
تقول وزيرة الدولة بوزارة الرعاية الاجتماعية السودانية، د. سليمى إسحاق في حديثها لصحيفة “العودة” إن الوزارة اضطلعت بدور محوري في الاستجابة الأولى لتداعيات الحرب والنزوح، مؤكدة أن مسؤوليات الإيواء، وتنظيم مراكز الاستضافة، وتوزيع المساعدات الإنسانية، وقعت منذ الأيام الأولى على عاتق وزارتي الصحة والتنمية الاجتماعية، قبل أي جهة أخرى.
وتوضح الوزيرة أن جزءاً كبيراً من هذه الاستجابة اعتمد على الجهود الطوعية لمنسوبي الوزارتين، لا سيما الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين، الذين واصلوا العمل في ظروف بالغة القسوة، وفي ظل توقف صرف الرواتب خلال الشهرين الأولين من الحرب، مؤكدة أنها عايشت هذه الوقائع ميدانياً وتشهد بها.
وتشير إلى أن الموظفين أنفسهم كانوا جزءاً من الأزمة الإنسانية، إذ استضاف كثير منهم نازحين داخل منازلهم، إلى جانب امتلاء مراكز الإيواء، ما ضاعف الأعباء الاجتماعية والنفسية عليهم، مؤكدة أن هذه الجهود شكّلت العمود الفقري للاستجابة المجتمعية في مرحلة الانهيار الأولى، وهي “شهادة حق يجب توثيقها”.

ملف اللجوء خارج السودان لا يدار حالياً ككيان مستقل داخل الوزارة
وفيما يتعلق بتحديات العمل المؤسسي، تقرّ الوزيرة بأن أنظمة الحماية الاجتماعية لم تعمل في بدايات الحرب بالكفاءة المطلوبة، نتيجة انهيار النظام المالي وتوقف المصارف، وفقدان المواطنين لوثائقهم الرسمية، وتنقلهم القسري بين المدن دون وجود مسارات واضحة للحصول على الخدمات الأساسية.
وبخصوص ملف اللجوء خارج السودان، توضح د. سليمى إسحاق أن هذا الملف لا يُدار حالياً ككيان مستقل بذاته داخل الوزارة، بل يتقاطع مع اختصاصات وزارة الخارجية، ولجان قائمة منذ ما قبل الحرب، إضافة إلى الشركاء الدوليين. ومع ذلك، تؤكد أن الوزارة نفذت تدخلات جزئية في حدود الإمكانات المتاحة.
وتكشف في هذا السياق عن مساعٍ جارية، بالتنسيق مع هيئة التأمين الصحي، لتوفير تغطية علاجية للسودانيين في مصر، لا سيما أصحاب الأمراض المزمنة، عبر بطاقات علاجية خاصة، معتبرة أن فتح “نافذة علاجية” يُعد من أكثر التدخلات إلحاحاً في واقع اللجوء.
كما تشير إلى استمرار التنسيق مع المنظمات الدولية، نظراً لصعوبة التدخل الحكومي المباشر، إضافة إلى جهود دبلوماسية لمعالجة قضايا ملحة، من بينها التعليم والعلاج في دول الجوار، مع الإقرار بأن طبيعة الاستجابة تظل، في كثير من الأحيان، ظرفية ومرهونة بالسياق السياسي والاقتصادي في دول الاستضافة.
وتلفت الوزيرة إلى أن قدرة الدولة على التمويل حالياً تمثل أحد أكبر التحديات، في وقت لا يزال فيه السودان نفسه دولة مضيفة لأعداد كبيرة من اللاجئين، ما يضاعف الضغط على موارده المحدودة.
وفي تقييمها لأوضاع اللاجئين السودانيين خارج البلاد، تقرّ د. سليمى إسحاق بضعف الرصد الرسمي للانتهاكات التي يتعرضون لها، مؤكدة عدم وجود آلية وطنية فاعلة لتوثيق هذه الانتهاكات، باستثناء الحالات التي يتم فيها تدخل مباشر من السفارات أو مبادرات محدودة عبر الجاليات.
وتخلص الوزيرة إلى أن الدولة “ليست غائبة بالكامل”، لكنها تعاني ضعفاً في القدرة على التحرك والتوجيه خارج حدودها. وترى أن التركيز على تسهيل الخدمات القنصلية، خاصة عبر زيادة مكاتب الجوازات، يشكل أحد أكثر التدخلات تأثيراً في تخفيف معاناة اللاجئين، باعتبار أن فقدان أو تعقيد استخراج الأوراق الثبوتية يمثل العبء الأكبر الذي يواجههم في بلدان اللجوء.



