“يولدون بلا ذنب… ويموتون بلا اسم”

“يولدون بلا ذنب… ويموتون بلا اسم”

 

المحامي عثمان العاقب يكشف لـ “العودة” ثغرات القانون ومأساة الأطفال مجهولي الأبوين بين الوصمة والهوية الضائعة

لم تتوقف الحالات منذ نشر تحقيق «العودة» عن أطفال القمامة باتت حالات الأطفال الملقى بهم في الشوارع ومكبات النفايات تتوالى بصورة شبه يومية، كاشفةً عن ظاهرة أعمق مما تبدو عليه. فخلف كل طفل يُعثر عليه محروقاً أو مخنوقاً أو فريسةً للكلاب الضالة، تقبع منظومة قانونية متشققة عجزت عن حماية الطرفين: الأم التي يسحقها الخوف، والطفل الذي يدفع وحده ثمن ذلك الخوف.

في هذا الحوار، يضع المحامي عثمان العاقب إصبعه على حقيقة الأزمة:

 ليست غياب النصوص القانونية بل غياب المنظومة المتكاملة التي تربط الوقاية بالإبلاغ والرعاية وإثبات الهوية وإعادة الإدماج وهو ما يجعل كل طفل يُولد في الظل عرضةً للضياع في الشارع.

عثمان العاقب المحامي : 

“حين تتكرر المأساة… يصبح الإجهاض ملفاً يستحق الدراسة التشريعية”

“الطفل لا ذنب له في الطريقة التي جاء بها إلى الحياة”

“كل طفل مجهول الأبوين يجب ألا يبقى مجهول الهوية”

“الطفل يحتاج إلى منظومة تحمي وجوده لا مجرد أوراق تثبت وجوده.”

“أزمتنا ليست غياب النصوص القانونية بل غياب منظومة متكاملة تمنع سقوط الطفل بين الخوف والشارع.”

“الهدف ليس إلغاء المسؤولية… بل منع أن يتحول طفل بريء إلى ضحية لخوف المجتمع.”

حاورته : نشوة أحمد الطيب 

س. منذ نشر تحقيق «العودة»، باتت حالات الأطفال الملقى بهم في الشوارع تظهر بصورة شبه يومية من منظوركم القانوني، ما الأسباب الحقيقية وراء تنامي هذه الظاهرة؟

ج. الظاهرة ليست وليدة اليوم لكنها باتت أكثر ظهوراً لأن الحرب كشفت ما كان مخفياً. الأسباب متشعبة لكن في مقدمتها الخوف المزدوج الذي تعيشه المرأة: الخوف من الملاحقة الجنائية بموجب المادة 146 والخوف من الوصمة الاجتماعية التي تلاحقها وتلاحق أسرتها. هذان الخوفان يجعلان التخلي عن الطفل في مكان مظلم خياراً يبدو لها أهون من المواجهة وهو في الحقيقة أشد وطأةً على الطفل البريء الذي يدفع الثمن وحده.

س. هل القانون السوداني الحالي قادر على التعامل مع هذه الظاهرة بالشكل الكافي، أم أن ثمة فراغاً تشريعياً حقيقياً؟

ج. القانون السوداني يتضمن نصوصاً متفرقة بين القانون الجنائي وقانون الطفل تتعلق بحماية الطفل وإجراءات الرعاية إلا أنه لا يقدم إطاراً تشريعياً متكاملاً للتعامل مع الأطفال مجهولي الأبوين و المشكلة ليست غياب النصوص فقط وإنما عدم وجود منظومة قانونية وإدارية متكاملة تنظم الوقاية والإبلاغ والرعاية وإثبات الهوية وإعادة الإدماج.

س. المادة 146 المتعلقة بالزنا تُشكّل عائقاً أمام إبلاغ الأمهات عن أطفالهن هل ترون ضرورة لمراجعتها في هذا السياق تحديداً؟

ج. بكل تأكيد الخوف من الملاحقة الجنائية والعقوبة وما يترتب عليها من وصمة اجتماعية يدفع الأمهات إلى الإحجام عن طلب المساعدة الطبية أو تسليم الطفل للجهات المختصة، وهو الدافع الحقيقي لرمي الطفل في الأماكن المظلمة خُفيةً مما يعرّض حياته للخطر. وللأسف يكون هذا الطفل في كثير من الأحيان فريسةً للكلاب الضالة والقطط.

س. ما التعديلات القانونية التي تقترحونها لحماية هؤلاء الأطفال؟

ج. الحل في تقديري لا يكمن في الإعفاء من المسؤولية الجنائية، لأن إسقاط المادة 146 معناه المساهمة في نشر الفاحشة. لكنني أُعوّل دائماً على المادة 135 التي تُجيز إنهاء الحمل في حالات استثنائية، وأرى أن الأمر يستحق دراسة تشريعية أوسع تراعي أحكام الشريعة الإسلامية والدستور والمصلحة الاجتماعية. فضلاً عن ذلك، الحل الأعمق يكمن في التربية الأسرية وتخفيف أعباء الزواج أي معالجة الظاهرة اجتماعياً قبل معالجتها قانونياً.

س. هل يمكن إنشاء آلية قانونية تتيح للأم التخلي عن طفلها بصورة آمنة دون تعريض نفسها للملاحقة الجنائية، على غرار تجارب دول أخرى؟

ج. هذا الأمر فيه تعارض حقيقي يصعب تجاوزه. المرأة ارتكبت جُرماً نتج عنه طفل، وهي حين ترمي طفلها في الشارع إنما تحاول التحرر من المسؤولية لا إيذاءه. لكن لو أسقطنا عنها المساءلة الجنائية فمعنى ذلك أننا أجزنا ارتكاب جريمة الزنا، وهو أمر مستحيل قانونياً وشرعياً. الآلية الوحيدة الممكنة هي تسهيل تسليم الطفل مباشرةً لدار الرعاية دون اشتراط المرور بالشرطة أولاً، لكن حتى هذا الحل لن يُفلت من المساءلة في نهاية المطاف، لأن السؤال سيظل قائماً: من أين جئت بهذا الطفل؟

س. كيف يمكن توظيف تقنية الحمض النووي DNA قانونياً لإثبات نسب هؤلاء الأطفال وضمان حقوقهم المدنية؟

ج. هذه مناشدة حقيقية أوجّهها. كل طفل مجهول الأبوين يجب أن تأخذ منه الجهة المختصة عينة الحمض النووي فور وصوله. لكن هذه العينة لن تكون ذات جدوى إلا إذا ارتبطت بقاعدة بيانات وطنية شاملة يُسجَّل فيها الحمض النووي لكل مواطن مرتبطاً برقمه الوطني، بحيث يُكتشف والدا الطفل تلقائياً عند المطابقة. هذه هي المنظومة الكاملة التي يجب أن تتحقق.

س. ما الوضع القانوني للطفل مجهول الأبوين من حيث الهوية والأوراق الثبوتية؟

ج. حقوقه مكفولة قانوناً. مجرد دخول الطفل إلى دار الرعاية يُمنح اسماً ورقماً وطنياً، سواء في زمن الحرب أو السلم. غير أن هذه هوية مُفتعلة لا تعكس نسباً حقيقياً. والخطر الحقيقي يكمن في الأطفال الذين يتربون خارج إطار دور الرعاية، إذ يفقدون هذه الهوية المؤقتة ويجدون أنفسهم عُزلاً من كل شيء.

س. هل غياب الهوية القانونية يعرّض هؤلاء الأطفال لمخاطر مستقبلية كالاتجار بالبشر أو الاستغلال؟

ج. بكل تأكيد. غياب الهوية القانونية لا يعرّضهم للاتجار بالبشر والاستغلال فحسب، بل يحرمهم من التعليم والرعاية الصحية وكل خدمة تستلزم إثبات الهوية. الطفل الذي لا رقم وطني له لن يُقبل في مدرسة، ولن يحصل على علاج، ولن يكون له وجود قانوني في أي مؤسسة. هذا الحرمان المتراكم هو الذي يجعله عرضةً لكل أشكال الاستغلال.

س. ما المسؤولية القانونية للمواطن الذي يعثر على طفل ولا يُبلّغ عنه؟

من يعثر على طفل مجهول الأبوين في أي موقع يعرّض حياته للخطر أو الموت، يقع عليه واجب أخلاقي وديني وقانوني بإبلاغ الشرطة أو النيابة أو الجهات المختصة، وعدم تركه في مكانه حتى يتم إنقاذه والحفاظ على سلامته وحياته.

س. ما رسالتكم للجهات المختصة بسنّ القوانين في السودان لمعالجة هذه الظاهرة؟

معالجة ظاهرة الأطفال مجهولي الأبوين لا تقتصر على العقوبات أو دور الرعاية، وإنما تبدأ بمعالجة أسبابها الاجتماعية الأسرية ثم القانونية. وإذا كان المشرع السوداني قد أجاز في المادة 135 من القانون الجنائي إنهاء الحمل الناشئ عن جريمة الاغتصاب قبل بلوغ الجنين تسعين يوماً مراعاةً للظروف الاستثنائية، فإن الأمر يستحق دراسة تشريعية أوسع للنظر فيما إذا كانت هناك حالات استثنائية أخرى يقتضي فيها تحقيق المصلحة العامة وحماية الطفل والمرأة إعادةَ النظر في النص، وفق ضوابط دقيقة تراعي أحكام الشريعة الإسلامية والدستور والمصلحة الاجتماعية، حتى لا تتحول هذه الظاهرة إلى مأساة إنسانية متكررة. كما تقع على الدولة مسؤولية تسهيل إجراءات الزواج الشرعي وتعزيز دور الأسرة والتربية في الوقاية من هذه الظاهرة قبل وقوعها.

كلمة أخيرة أستاذ عثمان العاقب ؟

رسالتي لكل امرأة أن تحافظ على دينها وشرفها وأخلاقها، وأن تبتعد عن كل علاقة غير مشروعة لما يترتب عليها من آثار تمس الفرد والأسرة والمجتمع. وإن وقع الإنسان في الخطأ، فلا ينبغي أن يكون الطفل هو من يدفع الثمن، فهو نفس بريئة لا ذنب لها في ظروف ميلادها. فحماية حياة الطفل واجب ديني وأخلاقي وقانوني، واللجوء إلى الجهات المختصة لحمايته خير ألف مرة من تركه يواجه الموت أو الضياع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى