منى ابوزيد تكتب : جرعة مفقودة..!

هناك فرق..
“النجاح يبدأ من الاعتراف بأن هنالك مشكلة أصلاً”.. الكاتبة..!
إذا كنت مسئولاً إدارياً في أحد المستشفيات، ودخلت على مديرك فوجدته منتفشاً كمصيبة في أطوارها الأولى، ومشرئباً بانتظار أن تجد حلاً لمشكلة تأخر مواعيد العمليات، فما الذي ستفعله يا ترى؟. سوف تعمل عقلك للخروج بحل يرضي مديرك، والأطباء، والمرضى المسجلين في قوائم الانتظار، وزوجتك التي تترقب نزول الحافز لشراء خاتم البوبار مخروطي الشكل إياه..!
بدأتم بالسؤال الأول، لماذا تتأخر مواعيد العمليات؟. لأن المريض بعد خروجه من غرفة العمليات يمكث في العناية الوسيطة مدة أطول من اللازم، فيتأخر خروجُه، ويتأخر معه دخول المريض التالي. لكنكم لم تكتفوا بالإجابة الأولى، بل واصلتم الحفر. لماذا يتأخر خروجه؟. لأن حالته الطبية لا تستقر سريعاً. ولماذا لا تستقر؟. لأن الألم يلازمه. ولماذا يستمر الألم؟. هل لعدم إعطائه مسكناً أم لعدم استجابته له؟. وبعد ساعات من البحث اكتشفتم أن المشكلة ليست في الدواء، بل في جرعته، فالطبيب يتجاهل شكوى المريض من أن الجرعة غير كافية، فتستمر معاناته، ويتعطل كل ما بعدها..!
عندها لم تعد المشكلة هي تأخر العمليات، ولا بطء العناية الوسيطة، ولا حتى الألم نفسه، بل أصبحت المشكلة هي الجرعة المفقودة. بمجرد الوصول إلى هذا الجذر، صار الحل بسيطاً “إلزام الأطباء بعدم تجاهل شكوى المريض من عدم كفاية جرعة المسكن”، عندها ينتظم خروج المرضى من العناية الوسيطة، وتنتظم مواعيد العمليات، ويرضى المدير عنك، ويأتي الحافز في موعده، وتحصل زوجتك على خاتمها، وتستمر غيرة صاحباتها من حسن تدليلك لها..!
هكذا تعمل إحدى نظريات إدارة الأزمات، أو ما يعرف بتحليل جذر المشكلة. فهي لا تنشغل بالأعراض، بل تواصل الحفر حتى تصل إلى النقطة التي إن عولجت، انفرجت العقدة كلها. فالمشكلات الكبرى لا تختلف كثيراً عن المشكلات الصغيرة. كلاهما يخفي السبب الحقيقي تحت طبقات من النتائج..!
ولعل أزمة الغلاء التي تطحن المواطن السوداني، هي أكثر ما يحتاج إلى هذا النوع من الحفر. فالسؤال ليس “لماذا ارتفعت الأسعار” ولا “كيف نخفضها”؟. بل “ما الذي جعل التاجر يملك القدرة على رفعها كلما شاء”..!
فالجشع التجاري ليس جذر المشكلة، وإنما أحد فروعها. أما الجذر الحقيقي فهو أن الدولة قد حضرت عند التاجر جابياً أكثر منها حكماً، تمد يدها لتحصيل الرسوم والجبايات والضرائب، لكنها لا تمدها بالقدر نفسه لتنظيم الأسواق، وضبط المنافسة، وحماية المستهلك. لذلك صار التاجر ينقل كل تكلفة جديدة إلى المواطن، بينما تكتفي الحكومة بملاحقة الأسعار بعد أن تكون قد انفلتت. تماماً كما لو أنها تعالج الألم بعدما تجاهلت الجرعة التي كان ينبغي أن تمنعه من الأساس..!
ليس أمضى ولا أجدى من مواجهة الأصل، ومن العمل على تعديل المتن، عوضاً عن تبديد الوقت والجهد في منازلة الصور ومجادلة الحواشي. فالحكومة التي لا تكترث بالحفر حتى تصل إلى جذر الأزمة، ستظل تعلن الحرب على الغلاء وهي تقاتل ظله، وتستنكر الجشع بينما تُبقي البيئة التي تُنتجه كما هي..!
أما المواطن فلا يشتري البيانات الرسمية، وإنما يشتري رغيفاً ودواءً واحتياجاتٍ يومية باتت تتجاوز قدرته يوماً بعد يوم. وحين يصبح الحصول على أساسيات الحياة معركةً يومية، فلن تكون الأزمة في الأسعار وحدها، بل في الجرعة المفقودة من الدولة نفسها “جرعة التنظيم قبل الجباية، والحماية قبل التحصيل، والحكم قبل السلطة”!.
munaabuzaid2@gmail.com



