شبح الفساد فى مؤسسات السودان.. هل فتحت استقالة مدير شركة الأقطان بابًا أكبر من مجرد الرحيل؟

من شركة السودان للأقطان إلى بقية المؤسسات الاقتصادية.. عندما تصبح الاستقالة سؤالًا عن الدولة لا عن الأشخاص

بقلم/ محمد فؤاد عيد

بعد خمسة أشهر فقط من توليه منصب المدير العام لشركة السودان للأقطان أعلن الفريق الركن د. نصر الدين عبد الفتاح استقالته المفاجئة في خطوة أثارت موجة من التساؤلات حيث اكتفى في خطابه بالإشارة إلى أن القرار جاء لأن ما رآه “يتعارض مع القيم التي يتبعها” دون الخوض في تفاصيل لكن مصادر مؤكدة ربطت ذلك باصطدامه منذ الأيام الأولى بملفات فساد وصفقات مشبوهة وشبكات مصالح متشابكة تعمل على استنزاف هذه المؤسسة العريقة التي كانت ولا تزال رمزاً للاقتصاد السوداني ولم تكن الاستقالة المفاجئة للفريق الركن د. نصر الدين عبد الفتاح من إدارة شركة السودان للأقطان المحدودة بعد أشهر قليلة من توليه المنصب حدثًا إداريًا عابرًا يمكن أن يمر في سطر صغير ضمن أخبار التعيينات والإعفاءات والاستقالات بل فتحت الباب أمام أسئلة أكبر وأكثر خطورة تتعلق بطريقة إدارة المؤسسات الاقتصادية في السودان وبمدى قدرة الدولة على حماية مواردها وممتلكاتها العامة في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ البلاد.

رجل القيم أمام جدران الشبهات :

 

لم يكن وصول الفريق نصر الدين إلى قيادة الشركة مجرد تكليف عابر بل جاء وسط توقعات واسعة ببدء مراجعات شاملة وتطهير لمفاصل المؤسسة التي عانت لسنوات من تجاوزات مالية وإدارية غابت فيها الميزانيات منذ عام 2021 وتكررت فيها وقائع تحويل أصول الدولة إلى ممتلكات خاصة وإبرام عقود بلا شفافية وإنشاء شركات خارجية بأسماء شخصية تحت ذرائع واهية ويبدو أن الرجل حين حاول تفعيل الرقابة وفتح ملفات المراجعة اصطدم بجدار من الضغوط والقيود جعلته يختار الانسحاب حفاظاً على ما يعتبره مبادئ لا مساومة عليها في موقف يعكس حجم الهوة بين من يأتي ليصلح وبين من تعود على استغلال الموقع لخدمة مصالحه الخاصة.

فحين يغادر مسؤول موقعًا اقتصاديًا مهمًا وسط حديث متداول عن ملفات فساد وشبهات صفقات وتجاوزات إدارية ومالية فإن السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند:

لماذا استقال الرجل؟

السؤال الأخطر هو ماذا وجد الرجل عندما دخل المؤسسة ؟

وماذا حاول أن يغيّر؟

وهل كانت استقالته نتيجة طبيعية لاختلاف إداري أم أن وراءها صراعًا أعمق بين إرادة الإصلاح وشبكات مصالح تراكم نفوذها داخل بعض مؤسسات الدول؟

ثم يأتي السؤال الذي ربما يكون أكثر إزعاجًا:

إذا كانت الشبهات قد طالت مؤسسة بحجم شركة السودان للأقطان فكم مؤسسة سودانية أخرى تعيش الظروف نفسها بعيدًا عن أعين الرأي العام ؟

ليست شركة الأقطان استثناءً في المشهد السوداني بل هي نموذج يتكرر في عشرات المؤسسات والهيئات والشركات العامة التي باتت عرضة لنهب منظم حيث تتداخل المصالح السياسية والاقتصادية وتغيب المساءلة وتتحول العقود والصفقات إلى أدوات لتحقيق أرباح شخصية على حساب المصلحة العامة فمن قطاع المعادن والذهب حيث تقدر الخسائر السنوية بمليارات الدولارات بسبب التهريب والصفقات غير الرسمية إلى قطاعات الزراعة والصناعة والنقل والطاقة مروراً بالمناقصات والمشتريات الحكومية ينتشر نمط من الفساد أصبح بنيوياً لا حالياً حيث تُعزل المؤسسات عن رقابة الشعب وتصبح أهدافها خادمة لأجندات فئوية لا لتنمية الوطن.

وفي حالة «الأقطان» تبرز الحقائق الصادمة ربما تحويل مبالغ طائلة إلى حسابات شخصية وتأسيس شركات تابعة في الخارج بأسماء مسؤولين وإبرام اتفاقيات تضر بمصالح المزارعين والخزينة العامة وكل تلك الاستنتاجات تأتى في ظل حرب مدمرة أنهكت البلاد حيث كان المفترض أن تضاعف الدولة حرصها على كل قرش من مواردها لا أن يُنهب بأسهل الطرق.

 

الفساد عدو خفي يدمّر الاقتصاد :

 

تداعيات هذا الوضع لا تقتصر على مؤسسة واحدة بل تمتد لتضرب في صميم الاقتصاد الوطني بأكمله وتتمثل فى عدد من النواحي حيث الخسائر الفادحة في الإيرادات حين تُسحب مليارات الجنيهات والدولارات من التداول الرسمي فتتضاءل قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية ودعم العملة المحلية باالاضافة لإنهيار الثقة الاستثمارية فحين ينتشر اليقين بأن العقود لا تُمنح للأكفأ بل للمقربين وبأن الأصول لا تُحفظ بل تُنهب ينسحب المستثمرون وتتوقف المشاريع التنموية ويحدث ذلك ضرر مباشر للمواطن والمزارع ففي قطاع القطن يتراجع سعر الشراء للمزارع وتتعطل سلسلة التسويق والتصدير وتضيع فرص التشغيل والصناعات المرتبطة به بينما ترتفع التكلفة على المستهلك اضف الى تعميق الانقسام والهشاشة لأن الفساد يغذي الفجوة بين السلطة والشعب ويجعل بناء السلام والاستقرار أكثر تعقيداً حيث يفقد المواطن ثقته في قدرة الدولة على حماية حقوقه وموارده.

 

استقالة تفتح أبواب الأسئلة :

 

المعلومات المتداولة حول فترة إدارة الفريق نصر الدين عبد الفتاح للشركة تشير إلى اهتمامه بملفات المراجعة ومحاولة فتح بعض الملفات المالية والإدارية وهي معلومات تحتاج بطبيعة الحال إلى تحقيق مؤسسي مستقل وشفاف قبل إصدار أي أحكام نهائية.

لكن مجرد ظهور هذه الملفات إلى السطح يجعل من الاستقالة قضية رأي عام خاصة أن شركة السودان للأقطان ليست مؤسسة هامشية في التاريخ الاقتصادي للبلاد.

فالقطن السوداني كان يومًا أحد أهم رموز الاقتصاد الوطني وارتبط اسمه بالمشروعات الزراعية الكبرى وبالصادرات والعملات الأجنبية وبآلاف المزارعين والأسر التي تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على القطاع الزراعي.

ومن هنا فإن أي خلل في إدارة مؤسسة استراتيجية مرتبطة بهذا القطاع لا يمثل خسارة لشركة وحدها وإنما يمكن أن يمتد أثره إلى سلسلة كاملة تبدأ بالمزارع ولا تنتهي عند خزينة الدولة.

ولهذا فإن المطلوب ليس محاكمة الرجل الذي استقال ولا تبرئة من سبقوه أو اتهامهم عبر الصحافة وإنما فتح الملفات نفسها.

ويبقى السؤال إذا كانت هناك مخالفات، فمن ارتكبها ؟

وإذا كانت هناك صفقات مشبوهة فمن أجازها ؟

وإذا كانت هناك أصول جرى التصرف فيها بطريقة تثير التساؤلات فمن اتخذ القرار ؟

وأين كانت أجهزة الرقابة والمراجعة ؟

والأهم: هل استقالة المسؤول الذي يفتح ملفات التجاوزات تعني إغلاق تلك الملفات أم أن الدولة ستواصل التحقيق فيها حتى النهاية ؟

 

عندما يصبح الفساد أقوى من المؤسسات :

 

المشكلة الكبرى في الدول التي تعاني ضعفًا مؤسسيًا ليست في وجود شخص فاسد هنا أو مسؤول متجاوز هناك فالفساد موجود بدرجات متفاوتة في معظم دول العالم وإنما تكمن الخطورة الحقيقية عندما يتحول الفساد من تصرف فردي إلى منظومة مصالح متشابكة ةعندها فقط يصبح للفساد حراس ومستفيدون وشبكات حماية.

وقد يجد المسؤول الجديد نفسه أمام منظومة تشكلت خلال سنوات طويلة تتداخل فيها المصالح الإدارية والاقتصادية والسياسية وربما يصبح الاقتراب من بعض الملفات أكثر تكلفة من تركها مغلقة.

وهنا تظهر المفارقة الخطيرة فقد يكون من السهل تغيير المدير لكن من الصعب تغيير النظام الذي أنتج الخلل.

ولهذا فإن قضية شركة الأقطان إذا ثبتت صحة ما يثار حول وجود تجاوزات داخلها ينبغي ألا تُختزل في اسم مدير استقال أو مسؤول غادر وإنما يجب أن تصبح مدخلًا لمراجعة شاملة لطريقة إدارة المال العام والشركات والمؤسسات التي تمتلك الدولة فيها نصيبًا أو نفوذًا.

كم «شركة أقطان» أخرى في السودان ؟ :

هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يقلق اهل ذلك الوطن وقياداتة

ماذا يحدث داخل المؤسسات الاقتصادية الأخرى ؟

ماذا عن الشركات الحكومية وشبه الحكومية؟

ماذا عن المؤسسات الزراعية ؟

ماذا عن شركات التعدين والذهب ؟

ماذا عن الموانئ والنقل والطيران ؟

ماذا عن الأراضي والعقارات الحكومية ؟

ماذا عن الشركات التي تعمل في قطاعات الاستيراد والتصدير؟

وماذا عن الأصول التي تغيرت قيمتها أو مواقعها أو طرق إدارتها خلال سنوات الحرب ؟

لا يعني طرح هذه الأسئلة اتهام هذه المؤسسات بالفساد ولكنه يعني أن السودان في مرحلته الحالية يحتاج إلى مستوى استثنائي من الشفافية والمراجعة.

فالحرب لا تدمر المباني والجسور والمصانع وحدها وإنما تخلق كذلك بيئة مثالية لنمو اقتصاد الظل والصفقات غير الشفافة واستغلال غياب المؤسسات وضعف الرقابة.

وفي زمن الحرب تصبح الدولة منشغلة بالبقاء بينما يمكن أن تتحرك شبكات المصالح في المساحات التي تتركها مؤسسات الرقابة خلفها وهنا يصبح الفساد حربًا أخرى تدور في الظلام.

السودان لا يحتمل حربين :

نعم السودان اليوم لا يملك رفاهية خسارة موارده.

بلد خرج اقتصاده مثقلًا بالأزمات ثم جاءت الحرب لتدمر المصانع والأسواق والبنية التحتية وتعطل الإنتاج وتدفع ملايين المواطنين إلى النزوح واللجوء لا يستطيع أن يسمح بتسرب ما تبقى من موارده عبر أبواب الفساد وسوء الإدارة.

فإذا كانت الحرب تأكل الاقتصاد من الخارج فإن الفساد يأكله من الداخل.

والمفارقة أن كليهما يقود إلى النتيجة نفسها:

دولة أضعف

ومواطن أفقر

وخدمات أقل

وعملة أكثر هشاشة

واستثمار أكثر خوفًا

ومستقبل اقتصادي أكثر غموضًا.

كل جنيه يضيع بسبب صفقة غير سليمة هو مال كان يمكن أن يذهب إلى مدرسة.

وكل أصل عام يباع بأقل من قيمته هو جزء من ثروة الأجيال القادمة.

وكل مؤسسة تنهار بسبب سوء الإدارة هي مجموعة جديدة من العاطلين عن العمل.

وكل مستثمر يهرب بسبب غياب الشفافية هو فرصة ضائعة لاقتصاد يحتاج إلى كل فرصة ممكنة للنهوض.

الفساد ليس سرقة المال فقط :

من أكبر الأخطاء اختزال الفساد في اختلاس الأموال.

فالفساد قد يكون تعيين شخص غير مؤهل في موقع حساس.

وقد يكون منح عقد دون منافسة عادلة.

وقد يكون بيع أصل عام بأقل من قيمته الحقيقية

وقد يكون احتكار المعلومات.

وقد يكون حماية مسؤول من المساءلة.

وقد يكون تعطيل تقرير للمراجع العام.

وقد يكون الضغط على مسؤول لأنه رفض تمرير قرار معين.

وقد يكون الصمت على المخالفات مقابل الحفاظ على المنصب.

لهذا فإن مكافحة الفساد لا تبدأ من القبض على الفاسدين فقط وإنما من بناء نظام يجعل الفساد صعبًا واكتشافه سهلًا وإخفاءه مستحيلًا ومحاسبة مرتكبيه أمرًا طبيعيًا لا استثنائيًا.

 

موقف نصر الدين.. الاستقالة ليست نهاية القصة :

 

إذا كان الفريق الركن د. نصر الدين عبد الفتاح قد واجه بالفعل تجاوزات خلال فترة إدارته فإن مسؤوليته الوطنية والأخلاقية لا ينبغي أن تنتهي بتقديم الاستقالة.

بل ربما تبدأ من هناك.

من حق الرأي العام أن يعرف أسباب الاستقالة الحقيقية ومن حق مؤسسات الدولة أن تتسلم أي ملفات أو مستندات تتعلق بمخالفات محتملة ومن واجب الجهات الرقابية والقضائية المختصة أن تحقق بصورة مستقلة في أي ادعاءات مدعومة بأدلة.

وفي المقابل فإن العدالة تقتضي أيضًا ألا تتحول الشبهات إلى أحكام جاهزة وألا تتحول مواقع التواصل الاجتماعي إلى محاكم تدين الأشخاص دون بينة المطلوب هو الحقيقة… الحقيقة وحدها هى التى سوف تسكت الافواة وتخرس التكهنات

فإن كانت هناك تجاوزات يجب كشفها ومحاسبة المسؤولين عنها واسترداد أي أموال أو أصول عامة جرى التصرف فيها بصورة غير قانونية وإن لم تكن هناك تجاوزات فمن حق من طالتهم الشبهات أن تظهر براءتهم أمام الرأي العام.

أما أن تستمر دورة الاتهامات والاستقالات والتعيينات الجديدة دون تحقيقات معلنة ونتائج واضحة فإن ذلك لا يفعل شيئًا سوى زيادة فقدان المواطنين للثقة في مؤسسات دولتهم.

من يراقب أموال إعادة الإعمار؟ :

لكن القضية تصبح أكثر خطورة عندما ننظر إلى المستقبل فالسودان عاجلًا أو آجلًا سيحتاج إلى أكبر عملية إعادة إعمار في تاريخه الحديث مليارات الدولارات قد تدخل البلاد لإعادة بناء الطرق والجسور والمطارات والمستشفيات والمدارس وشبكات الكهرباء والمياه والمصانع

وهنا يبرز السؤال المصيري إذا لم تُبنَ مؤسسات رقابية قوية اليوم فمن سيضمن ألا تتحول أموال إعادة الإعمار غدًا إلى أكبر سوق للفساد والصفقات المشبوهة في تاريخ السودان؟

إن الدول الخارجة من الحروب تكون شديدة الهشاشة أمام الفساد لأن الحاجة إلى البناء السريع قد تُستخدم ذريعة لتجاوز الإجراءات والرقابة والمنافسة العادلة.

ومن هنا فإن معركة السودان المقبلة ليست فقط معركة وقف الحرب وإنما معركة بناء دولة تستطيع حماية المال العام.

دولة يكون فيها المراجع العام أقوى من أصحاب النفوذ.

والقانون أقوى من المسؤول.

والمؤسسة أقوى من الفرد.

والمعلومة متاحة للرأي العام.

والعقود الحكومية خاضعة للرقابة.

والوظيفة العامة تكليفًا لا غنيمة.

الأقطان.. جرس إنذار لا قضية معزولة :

قد تكون استقالة مدير شركة السودان للأقطان مجرد خلاف إداري وقد تكشف التحقيقات مستقبلًا عن صورة مختلفة عما يتم تداوله اليوم لكن ما لا يمكن تجاهله هو أن الجدل الذي أحاط بها أعاد إلى الواجهة سؤالًا ظل يطارد الدولة السودانية لعقود وهو :

من يحرس المال العام ؟

ومن يحاسب المؤسسات ؟

ومن يملك الجرأة على فتح الملفات المغلقة ؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول الاستقالة إلى نهاية القضية.

يذهب مدير ويأتي آخر.

تتغير الأسماء.

وتبقى الملفات في الأدراج.

ثم تمضي السنوات ويكتشف السودانيون أنهم لم يخسروا شركة أو مشروعًا واحدًا بل خسروا بالتدريج مؤسسات كان يمكن أن تكون أساسًا لاقتصاد وطني قوي.

إن السودان الذي أنهكته الحرب لا يحتاج فقط إلى إسكات صوت البنادق بل يحتاج أيضًا إلى إغلاق منافذ الهدر والفساد.

فإعادة بناء الوطن تبدأ من إعادة بناء الثقة

والثقة لا تُبنى بالخطب.

بل بالشفافية والمحاسبة واستقلال القضاء وقوة أجهزة المراجعة وبإعلان الحقائق للناس مهما كانت مؤلمة ولهذا فإن السؤال الذي تتركه استقالة الفريق الركن د. نصر الدين عبد الفتاح ليس فقط: لماذا استقال؟

بل السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحًا أمام الدولة والرأي العام:

ماذا يوجد خلف أبواب المؤسسات الاقتصادية السودانية التي لم تُفتح ملفاتها بعد ؟

فربما تكون قضية الأقطان مجرد طرف خيط.

وإذا أرادت الدولة السودانية أن تؤسس لمرحلة ما بعد الحرب على قواعد مختلفة فعليها ألا تقطع ذلك الخيط بل أن تتبعه حتى النهاية.

لأن الدولة التي تخشى فتح ملفاتها لن تستطيع إصلاح مؤسساتها والدولة التي لا تحاسب الفساد اليوم قد تجد نفسها غدًا مطالبة بإعادة إعمار وطن دمرته الحرب بينما استنزف الفساد ما تبقى من موارده.

وما حدث في شركة الأقطان ليس مجرد استقالة موظف بل هو دليل آخر على أن الشبكات المتشابكة التي تتحكم في موارد السودان لا تزال قوية وأن الإرادة الفردية وحدها قد لا تكفي لمواجهتها دون دعم حقيقي من مؤسسات الرقابة والعدالة ودعم شعبي واسع يرفض استمرار هذا النهج.

لقد أكد الفريق نصر الدين بمغادرته أنه لا يمكن أن يعمل في بيئة تتناقض مع مبادئ النزاهة والأمانة لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة اليوم:

هل ستكون هذه الحادثة صرخة إنذار تُسمع فتُفتح التحقيقات المستقلة وتُحاسب المتورطون وتُعاد هيكلة المؤسسات لضمان الشفافية والفصل بين المصلحة العامة والخاصة ؟

أم ستستمر كغيرها من الوقائع وتمضى ليبقى شبح الفساد يمدد أنيابه في جسد السودان بينما يدفع المواطن ثمن ذلك أمناً واستقراراً ورغد عيش ؟

إن استعادة ثقة السودانيين في مؤسساتهم لا تُقام بالشعارات بل تُبنى بمحاسبة من أخطأ وحماية المال العام وجعل المصلحة العليا للوطن فوق كل اعتبار وحتى ذلك الحين ستظل كل استقالة لمن يرفض المشاركة في الفساد شهادة على وجود الأزمة وإن لم تكن وحدها الحل لها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى