بروف بوب يُفكك أزمة الكهرباء ويضع خريطة لإنقاذ “كلانييب”

حوكمة قطاع الكهرباء هي البوابة الأولى للاستقرار

خفض تكلفة الطاقة مجرد “ضمادة” على جرح نازف

قطاع الكهرباء يحتاج إصلاحاً جذرياً لا مسكّنات تكتيكية

تعثر “كلانييب” مرآة لغياب الشراكة والتمويل الهيكلي

حاوره ــ أمين محمد الأمين 

تتصاعد أزمة الإمداد الكهربائي في السودان لتشكل إحدى أعقد العقبات الهيكلية التي تضغط على مجمل القطاعات الإنتاجية والحيوية، متسببةً في خسائر اقتصادية متتالية. وتأتي هذه التطورات في وقت أعلنت فيه وزارة الطاقة والنفط عن حزمة إجراءات تكتيكية شملت طرح عطاء عالمي نجح في تخفيض تكلفة شراء الطاقة، إلى جانب استعادة جزء من القدرات التوليدية للشبكة القومية.

​غير أن هذه الخطوات الرسمية أثارت جدلاً واسعاً بين الأوساط الأكاديمية والاقتصادية حول مدى نجاعتها في الحد من الأزمة المتفاقمة. وفي هذا السياق، يرى الأكاديمي والمتخصص في الاقتصاد، البروفيسور عصام عبد الوهاب بوب، أن المعالجات الحالية لا تعدو كونها مسكنات مؤقتة تصطدم بواقع مالي وفني مأزوم. وفي هذا الحوار، يقدم بروف بوب تشخيصاً عميقاً للأزمة، واضعاً خريطة طريق متكاملة لإصلاح القطاع وإعادة الاستقرار للشبكة القومية.

 

*​بروفيسور عصام.. كيف تقرأ إعلان وزارة الطاقة خفض سعر شراء الكهرباء؟*

​ بلا شك أن خفض سعر الكيلوواط/ساعة إلى 4.95 سنت، مع استعادة قدرات توليدية، يمثل مكسباً تشغيلياً جيداً يعكس تحسناً في القدرة التفاوضية للوزارة وتراجعاً في تكاليف التقنيات. لكنه في جوهره مجرد “ضمادة صغيرة على جرح نازف” ومسكن مؤقت؛ فالأزمة ليست أزمة أسعار أو نقص توليد طارئ، بل هي أزمة نموذج تنموي فاشل وحوكمة واختلال هيكلي عميق يعصف بمؤسسات الدولة.

 

*​لماذا لا ترون في هذا الخفض معالجة للفجوة المالية للشبكة؟*

​لأن الوفر الجزئي لا يغطي النزيف الداخلي لثلاثة أسباب رئيسية: أولاً، الفجوة الكمية الهائلة، حيث تتجاوز احتياجات البلاد 5000 ميغاواط، بينما المتاح لا يغطي سوى نسبة ضئيلة والعجز يفوق 85%. ثانياً، انهيار الإيرادات نتيجة توقف المصانع وتراجع القوة الشرائية للمواطنين، مما جعل الشركة عاجزة عن تغطية التكاليف وسداد ديون الوقود. ثالثاً، تضخم التكاليف غير المباشرة المتمثلة في نفقات الإصلاح الطارئة للشبكات المدمرة والخسائر الفنية المرتفعة، ناهيك عن توقف الربط الإثيوبي وانقطاع الغاز.

 

*​ما الأسباب الجوهرية وراء تعثر مشروع محطة “كلانييب” منذ 2018م؟*

​ تعثر هذا المشروع الاستراتيجي المصمم بوحدات “سيمنس” يكشف القاعدة الصلبة للأزمة الهيكلية. ويتلخص ذلك في تراجع الثقة المؤسسية وتعليق البنك الأفريقي للاستيراد والتصدير (Afreximbank) للتمويل بسبب غياب الضمانات السيادية والسياسات النقدية المستقرة، بالإضافة إلى تحويل ملف الكهرباء إلى أداة للضغط السياسي والتجاذب بدلاً من التعامل معه كخدمة استراتيجية، فضلاً عن الاعتماد العقيمي على التمويل السيادي المباشر وتجاهل الشراكة مع القطاع الخاص.

 

*​كيف يمكن استئناف التمويل وتجاوز تحفظات “Afreximbank” في ظل الظروف الراهنة؟*

​ نحتاج لمقاربات غير نمطية؛ في مقدمتها تحويل المشروع إلى نظام (BOOT) “البناء والتملك والتشغيل ثم النقل”، لتوفير التمويل لشركة “سيمنس” أو اتحاد شركات عالمية لاستكمال المحطة وتشغيلها بعقد طويل الأجل دون إرهاق الدولة بدين سيادي. الخيار الثاني هو تقديم المشروع كمنصة طاقة متجددة هجينة تدمج المحطة بمزارع شمسية لتقليل استهلاك الوقود بنسبة تصل إلى 40%، مما يجعله جذاباً لتمويلات المناخ الخضراء التي يشجعها البنك.

 

*​هل هناك خيارات أخرى لتوفير الضمانات المالية للمشروع؟*

​ نعم، يمكن التنسيق مع البنك الأفريقي للتنمية والاتحاد الأفريقي لتقديم “ضمانات جزئية” تغطي من 30% إلى 40% من قيمة القرض، بالنظر إلى أن استقرار الكهرباء في السودان يمس الأمن الإقليمي وملف الهجرة. كما يجب التفاوض مع “Afreximbank” لفصل تمويل “كلانييب” عن الديون السيادية الكلية، وجعله قرضاً تشغيلياً يُسدد مباشرة من عوائد المشروع أو التصدير المستقبلي للطاقة عبر شبكات الربط.

 

​أخيراً.. ما هي الإجراءات العاجلة لإصلاح القطاع وتفادي الانهيار الكامل؟

 

الحل يتطلب صياغة عقد اجتماعي جديد وإصلاحاً جذرياً يخرجنا من منطق الجباية وتجارية الخدمة إلى مفاهيم الدولة التنموية. يشمل ذلك إعادة هيكلة الديون المتراكمة للشركة القابضة عبر مفاوضات مع الدائنين، وتطبيق نظام تعرفة متدرجة يحمي الفئات الضعيفة ويضمن التحصيل الفعال من كبار المستهلكين، إلى جانب إنشاء هيئة مستقلة لتنظيم قطاع الكهرباء تفصل تماماً بين المُنظّم والمُنتِج والمُوزّع، وتضمن الشفافية والمحاسبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى