الخبير القانوني دكتور محمد الزين في إفادات قانونية جرئية

توثيق الانتهاكات خطوة أساسية لملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية
جرائم الحرب في السودان لا تسقط بالتقادم ومسارات العدالة الدولية مفتوحة
الجرائم الدولية لا تُمحى بالتسويات ولا تسقط بمرور الزمن
الجنائية تلاحق مرتكبي جرائم الحرب في السودان مهما طال الزمن
الخرطوم – العودة
أكد الخبير القانوني الدكتور محمد الزين أن الجرائم التي ارتُكبت خلال الحرب في السودان منذ 15 أبريل 2023 تندرج ضمن نطاق الجرائم الدولية التي تختلف في طبيعتها وتكييفها القانوني عن الجرائم الجنائية العادية، مشيراً إلى أن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية لا تسقط بالتقادم ولا يمكن تجاوزها بالعفو أو التسويات.
وقال الزين خلال مؤتمر تنويري نظمته وكالة السودان للأنباء بالمركز الثقافي السوداني حول جرائم الحرب والإبادة الجماعية والقضاء الدولي، إن السودان أصبح يمتلك بعد إدخال الجرائم الدولية في القانون الجنائي عام 2009 إطاراً قانونياً يسمح بالتعامل مع الانتهاكات الجسيمة التي تقع أثناء النزاعات المسلحة وفق المعايير الدولية.
وأوضح أن المجتمع السوداني ظل يعرف الجرائم التقليدية مثل القتل والسرقة والاعتداء باعتبارها جرائم فردية، إلا أن الجرائم التي تقع في سياق الحرب تأخذ وضعاً قانونياً مختلفاً، لأنها غالباً تكون مرتبطة بمنهج أو خطة تستهدف المدنيين ومؤسسات الدولة والأعيان المحمية بموجب القانون الدولي الإنساني.
وأضاف أن جرائم الحرب لا تعني مجرد وقوع جريمة عادية أثناء النزاع، وإنما ترتبط بوجود أعمال منظمة تنفذها جماعات مسلحة ضد السكان المدنيين، مثل النهب واسع النطاق، والاعتداءات المنظمة، والاستيلاء على الممتلكات، واستهداف المستشفيات ومرافق المياه والكهرباء ودور العبادة وغيرها من الأعيان المدنية.
وأشار إلى أن ما حدث في السودان منذ اندلاع الحرب يمثل، من وجهة نظر قانونية، استهدافاً واسعاً طال الدولة السودانية ومؤسساتها ومواردها وهويتها التاريخية، مؤكداً أن القانون الدولي ينظر إلى طبيعة الفعل ونطاقه والمنهج الذي ارتُكب به، وليس فقط إلى الحوادث المنفردة.
من جرائم الحرب إلى الإبادة الجماعية
وبيّن الزين أن جرائم الإبادة الجماعية تختلف عن جرائم الحرب، إذ تقوم عندما يكون هناك استهداف ممنهج لجماعة محددة على أساس عرقي أو ديني أو قومي أو جهوي بهدف تدميرها كلياً أو جزئياً.
وأوضح أن أحداث المساليت وما تعرضت له بعض المجموعات السكانية في دارفور،من قبل مليشيا الدعم السريع إلى جانب ما وصفه بالحصار المفروض على الفاشر، تحتاج إلى دراسة وتحقيقات قانونية معمقة، باعتبار أن الإبادة الجماعية تقوم على وجود سياسة منظمة وليست مجرد أفعال فردية.
وأكد أن التوثيق القانوني يمثل الأساس لأي عملية عدالة مستقبلية، مشدداً على ضرورة جمع الإفادات والشهادات والأدلة المادية المتعلقة بالانتهاكات التي تعرض لها المدنيون.
الفرق بين محكمة العدل الدولية والجنائية الدولية
وفي حديثه عن مسارات العدالة الدولية، أوضح الدكتور محمد الزين أن هناك فرقاً جوهرياً بين محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية.
وقال إن محكمة العدل الدولية تختص بالنظر في النزاعات بين الدول، بينما تختص المحكمة الجنائية الدولية بملاحقة الأشخاص المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.
وأضاف أن الهدف الأساسي من إنشاء المحكمة الجنائية الدولية هو منع إفلات الأفراد من العقاب، باعتبار أن المسؤولية الجنائية الدولية تقع على الأشخاص الذين يخططون أو ينفذون أو يساهمون في ارتكاب الجرائم.
وكشف عن تقديم شكوى إلى المحكمة الجنائية الدولية في يناير 2024 ضد عدد من المتهمين من بينهم قائد المليشيا حميدتي ، مشيراً إلى أن فريقاً قانونياً عمل على جمع إفادات الضحايا من مناطق مختلفة داخل السودان، بينها الخرطوم والشمالية والبحر الأحمر وكسلا والقضارف وسنار.
وأوضح أن عملية جمع المعلومات شملت لقاء النازحين والمتضررين والاستماع إلى شهاداتهم حول الانتهاكات التي تعرضوا لها، مؤكداً أن هذه الإفادات تمثل جزءاً مهماً من ملف التقاضي الدولي.
السودان ومسار محكمة العدل الدولية
وأشار الزين إلى أن السودان سلك أيضاً مسار محكمة العدل الدولية، مستنداً إلى اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، مبيناً أن الاتفاقية تمنح الدول الأطراف حق اللجوء إلى المحكمة عند حدوث خلاف يتعلق بتفسير أو تطبيق بنودها.
وأكد أن العدالة الدولية لا تقوم على ملف واحد فقط، وإنما يمكن تحريك عدد من المسارات القانونية وفق الاتفاقيات الدولية المختلفة، بما فيها الاتفاقيات المتعلقة بمنع التمييز العنصري والجرائم العابرة للحدود وغيرها.
وقال إن العمل القانوني الدولي يحتاج إلى وقت وصبر، لأن السياسة الدولية والمصالح بين الدول تتداخل أحياناً مع المسارات القانونية، إلا أن فتح الملفات وتوثيق الانتهاكات يمثل خطوة مهمة لحفظ حقوق الضحايا.
الجرائم الدولية لا تسقط بالتقادم
وشدد الخبير القانوني على أن جرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها جرائم عادية يمكن تجاوزها بالتصالح أو التنازل.
وأوضح أن الجرائم الدولية تختلف لأنها تستهدف المجتمع الإنساني بأكمله، مشيراً إلى أن مرتكبي هذه الجرائم يمكن ملاحقتهم حتى بعد مرور سنوات طويلة متى ما توفرت الأدلة.
ودعا السودانيين الموجودين في الخارج إلى الاستفادة من قوانين الاختصاص القضائي العالمي في عدد من الدول الأوروبية، التي تسمح بمحاكمة مرتكبي الجرائم الدولية أمام محاكمها الوطنية.
وقال إن الضحايا وأسرهم يمكنهم التحرك قانونياً وتقديم البلاغات والشهادات في الدول التي تسمح قوانينها بذلك، خاصة في ظل وجود بعض المتهمين أو المرتبطين بالانتهاكات خارج السودان.
دعوة للتوثيق وحفظ الأدلة
وحذر الزين من ضياع الأدلة المرتبطة بالانتهاكات، داعياً المواطنين الذين تعرضت منازلهم أو ممتلكاتهم للنهب أو الاستخدام العسكري إلى فتح بلاغات رسمية وتوثيق الأضرار.
وأشار إلى أن بعض المواقع التي شهدت انتهاكات قد تحتوي على وثائق أو مستندات أو أدلة يمكن أن تساعد الجهات العدلية في تحديد المسؤوليات، مؤكداً أن أي معلومة مهما بدت بسيطة قد تصبح ذات قيمة كبيرة في التحقيقات.
وأضاف أن المواطن والإعلام ومنظمات المجتمع المدني ومؤسسات الدولة يجب أن يعملوا ضمن منظومة واحدة لحماية الأدلة وتوثيق الجرائم.
دور الإعلام في المعركة القانونية
وأكد الدكتور محمد الزين أن الإعلام السوداني أمامه دور كبير في تقديم القضية السودانية للرأي العام الدولي بصورة تستند إلى الوقائع والقانون، وليس فقط إلى الخطاب السياسي.
وقال إن الصحفيين يمثلون جزءاً مهماً من عملية بناء الوعي، لأن صياغة الأخبار والمصطلحات المستخدمة تؤثر في فهم المجتمع الدولي لطبيعة الأحداث.
وأضاف أن الربط بين التوثيق القانوني والتغطية الإعلامية المهنية يمكن أن يساعد في ترسيخ صورة واضحة حول الانتهاكات التي وقعت، ودعم جهود الوصول إلى العدالة.
وختم بالتأكيد على أن السودان يمتلك فرصاً قانونية متعددة، وأن مسار العدالة الدولية يحتاج إلى الاستمرار في جمع الأدلة، وتحريك الملفات، وعدم التخلي عن حقوق الضحايا.




