الكهرباء ومعادلة التعافي المفقودة

جعفر النجيب: الربط الإقليمي مع إثيوبيا ومصر مخرجنا من الأزمة
د. أبوبكر النور: “البرمجة” ترفع كلفة الإنتاج وتطرد المنتج المحلي
تقرير: أمين محمد الأمين
لم تعد أزمة الكهرباء في السودان مجرد تفاصيل يومية لجدولة قطوعات طارئة، بل تحولت إلى عقبة هيكلية قائمة تُهدد بشلل كامل لما تبقى من شرايين الإنتاج الصناعي والزراعي. وبين تداعيات الحرب التي طالت البنية التحتية، وتعقد سلاسل إمداد الوقود، وغياب الرؤية الموحدة لإدارة المتاح من الطاقة، يجد الاقتصاد القومي نفسه أمام فاتورة باهظة تُسدد من رصيد القدرة التنافسية للسلع المحلية، وتعمق من معانات المواطنين ومؤسسات الدولة الخدمية على حد سواء.

الواقع الميداني
أكد الصحفي والخبير الاقتصادي، جعفر النجيب، أن قطاع الكهرباء يمثل أكثر القطاعات الاقتصادية والخدمية تضرراً بشكل مباشر جراء الحرب المستمرة، موضحاً أن المرفق تعرض لإفقار وتدمير ممنهجين شمل نهب المخازن واستهداف محطات التوليد الحراري عبر المسيرات، مما خلق أزمة حادة في التوليد وإعادة التأهيل الهيكلي.
تراجع الإمداد
وأوضح النجيب أن إنتاج وتوزيع الطاقة يشهد تعقيدات ميدانية وفنية بالغة، أبرزها خروج الخط الناقل للكهرباء من إثيوبيا عن الخدمة، إلى جانب عمل معظم المحطات الحرارية بأقل من طاقتها التشغيلية القصوى. ولفت إلى أن هذا الانحسار ألحق أضراراً بالغة بالقطاعات الإنتاجية (الزراعية والصناعية) ناهيك عن القطاع السكني الذي يعاني من انقطاعات متواصلة للتيار.
نزيف التكاليف
من جانبه، شدد الباحث بمركز ركائز المعرفة، الدكتور أبوبكر النور، على أنه على الرغم من أن الكهرباء لا تمثل دائماً أعلى بند في هيكل التكاليف، إلا أن تأثيرها يصبح حاسماً ومباشراً على الربحية عند عدم استقرارها. وأوضح أن هذا الواقع أجبر المنتجين على الاعتماد على مصادر طاقة بديلة لضمان استمرار العمل، مما أدى إلى ارتفاع الكلفة التشغيلية، وتراجع جودة الإنتاج وكفاءة العمالة، فضلاً عن زيادة أعطال المعدات وتقليل عمرها الافتراضي ورفع تكاليف الصيانة. ونبّه النور إلى أن الانقطاعات المتكررة تتسبب في خسائر غير مباشرة يصعب حصرها، مثل تلف المواد الأولية، وإعادة تشغيل خطوط الإنتاج، وضياع الوقت، مما يرجئ مواعيد التسليم ويهدد بفقدان العملاء لا سيما في عقود التصدير، وهو ما انعكس جلياً في قفزات أسعار مواد البناء.

تأثير مبرمج
وأوضح الباحث الاقتصادي، د. أبوبكر النور، أن جدولة قطوعات الكهرباء (البرمجة) تؤثر بشكل مباشر وطردي على زيادة تكاليف الإنتاج الصناعي والزراعي، وتفرض أعباءً تُضعف القدرة التنافسية للقطاعين. وعلى صعيد الصناعة، يتسبب عدم انتظام التيار في ارتفاع كلفة الطاقة البديلة عبر المولدات، وهدر المواد الخام بالخطوط المستمرة، وانخفاض الكفاءة الإنتاجية جراء وقت إعادة التشغيل، إلى جانب ارتفاع تكاليف صيانة المحركات الحساسة وتحمل أجور العمالة غير المستغلة خلال ساعات التوقف.
استنزاف زراعي
ولفت النور إلى أن القطاع الزراعي يتأثر بصورة حادة نتيجة اضطراب جداول الري الذي يسبب جفاف المحاصيل وتراجع جودتها، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف تشغيل المضخات بالديزل مقارنة بالشبكة العامة. وأشار إلى أن تراجع كفاءة غرف التبريد والمسالخ يهدد بتلف المنتجات الحيوانية كاللحوم والألبان والخضار الموجهة للتصدير أو الاستهلاك المحلي، فضلاً عن المخاطر الجسيمة التي تواجه مزارع الدواجن والإنتاج الحيواني جراء انقطاع التكييف والإضاءة مما يؤدي لنفوقها، وهو ما يدفع بالنتيجة بعض المصانع والمزارع للإغلاق وتراجُع قدرة المنتج المحلي أمام المستورد.
ضغط الجيوسياسة
وفي سياق المحركات الخارجية للأزمة، نبّه جعفر النجيب إلى أن أزمة الطاقة اقترنت بتعقيدات التوتر الجيوسياسي والدولي، حيث أثرت المواجهات الإقليمية وتوترات الممرات المائية في باب المندب ومضيق هرمز على سلاسل إمداد وقود المحطات الحرارية. وفي المقابل، أشار إلى أن التفاهمات الأخيرة مع حكومة جنوب السودان بشأن إعادة انسياب النفط عبر الأنابيب السودانية تشكل خطوة جوهرية لتوفير الوقود وتخفيف الضغط التشغيلي.
معادلة التسعير
وعن هيكل التمويل، نوه د. أبوبكر النور إلى غياب الإحصاءات الدقيقة المساندة للتحليل العميق، مشيراً إلى أن المؤشرات الكلية تؤكد أن التعرفة الحالية لم تصل بعد إلى نقطة التعادل الاقتصادي التي تغطي التكلفة الفعلية للتوليد والنقل. وأضاف أن المنظومة الحكومية ما زالت تسعى للتوازن بين تقليل العجز المالي لحماية الموازنة، وتجنب تفاقم الضغوط التضخمية على المواطنين والصناعات الوطنية، مما يجعل إدارة القطاع محصورة في التعامل مع الأزمات بدلاً من توجيه الاستثمارات لتطوير البنية التحتية. وفي السياق ذاته، أكد جعفر النجيب أن العائدات والمتحصلات المالية من الفواتير المنزلية لا تكفي لمعالجة الفجوة الهيكلية أو تغطية تكلفة إعادة التوليد.
تقاطعات وأداء
وعلى الصعيد التنفيذي، رصد النجيب وجود تقاطعات وتنازع في الاختصاصات داخل أجهزة السلطة ألقى بظلاله على سرعة الاستجابة لمعاناة المواطنين وضياع المصلحة العليا. وأشار إلى أن الأداء الحكومي يواجه انتقادات وضغوطاً متزايدة جراء الانشغال بالتجاذبات الإدارية وملفات الشبهات المالية التي تثار في وسائل الإعلام، بدلاً من التركيز الكامل على القضايا الخدمية وتأهيل البنية التحتية.
تحفيز ذكي
ولمواجهة الاختناقات اليومية، دعا د. أبوبكر النور إلى أهمية الانتقال من الحلول القسرية كالقطع البرمجي إلى سياسات تحفيزية تشكل سلوك المستهلك وتجعل الترشيد خياراً مالياً ذكياً. وحث على تطبيق التسعير الديناميكي والشرائح المرنة برفع الأسعار في ساعات الذروة وتخفيضها أوقات الانخفاض، مع منح مكافآت عكسية للموفرين، وتحويل الدعم الحكومي نحو الأجهزة الموفرة للكهرباء والعزل الحراري، إلى جانب التوسع في العدادات الذكية مسبقة الدفع التي تمنح المستهلك رؤية لحظية لاستهلاكه وتحفز ثقافة الترشيد المستدامة.
ربط إقليمي
وعلى المستوى الاستراتيجي، دعا النجيب الدولة إلى التوجه نحو حلول جذرية تشمل التوسع في الطاقة البديلة للقطاعين الإنتاجيين، وتفعيل التنسيق الخارجي لربط الشبكة القومية مع مصر وإثيوبيا؛ لافتاً إلى أن أديس أبابا باتت تنتج كميات ضخمة من الطاقة عبر سد النهضة يمكن الاستفادة منها وتجاوز تداعيات خروج الخط الناقل السابق.
تحول شجاع
تظل أزمة الكهرباء حجر الزاوية في معادلة النهوض الاقتصادي؛ فدوران عجلة الإنتاج وتراجع تكاليف السلع مرهونان بوجود شبكة طاقة مستقرة. والتحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في تحسين جداول القطوعات، بل في شجاعة اتخاذ قرارات استراتيجية تجمع بين الإصلاح الإداري، وتفعيل الربط الإقليمي، والتحول الشجاع نحو الطاقة البديلة.




