العتمة تخيم على الخرطوم .. قطوعات الكهرباء.. أزمة مفتوحة في انتظار الحل

 إصلاح مروي يحتاج أياماً والخرطوم تنتظر الفرج

وزارة الطاقة: الصيانة تحتاج إلى عدة أيام

المطابخ بلا نار.. والمياه تتوقف

خبير اقتصادي : الحرب عمّقت انهيار قطاع الكهرباء

الطاقة الشمسية.. المخرج المستدام من الأزمة

البحر الأحمر ونهر النيل ينتظران إصلاح مروي

تقرير – عماد النظيف 

لم يكن انقطاع التيار الكهربائي الذي اجتاح عدداً من الولايات السودانية خلال اليومين الماضيين مجرد عطل فني عابر، بل تحول إلى أزمة إنسانية ومعيشية واسعة ألقت بظلالها على ملايين المواطنين، بعد خروج محطة كهرباء سد مروي عن الخدمة إثر حريق أصاب الكوابل الرئيسية للمحطة. وبينما أعلنت وزارة الطاقة أن أعمال الإصلاح ستستغرق عدة أيام، دخلت الخرطوم ومدن أخرى مرحلة جديدة من المعاناة، حيث توقفت محطات المياه، وتعطلت الأنشطة التجارية، وازدادت الضغوط على الأسر التي تكافح أصلاً ظروفاً اقتصادية قاسية.

 

العاصمة تغرق في الظلام

 

منذ الساعات الأولى لانقطاع الكهرباء، خيم الظلام على أحياء واسعة في العاصمة الخرطوم، واختفت أصوات الأجهزة المنزلية التي اعتاد الناس عليها، لتبدأ معركة يومية مع غياب الخدمات الأساسية. فالكهرباء التي أصبحت الوسيلة الرئيسية للطهي وحفظ الأغذية وتشغيل مضخات المياه، غابت دفعة واحدة، لتكشف حجم هشاشة الحياة اليومية أمام أي توقف في منظومة الإمداد الكهربائي.

 

الطهي والمياه.. معاناة تتفاقم

 

باتت الأسر تواجه صعوبات متزايدة في إعداد الطعام، خاصة مع الارتفاع الكبير في أسعار أسطوانات الغاز التي تجاوز سعر الواحدة منها مائة ألف جنيه، وهو مبلغ يفوق قدرة كثير من العائلات. كما أدى انقطاع الكهرباء إلى توقف عدد من محطات ضخ المياه، لتدخل أحياء كاملة في أزمة عطش، في ظل ارتفاع درجات الحرارة واعتماد المواطنين على مصادر بديلة محدودة.

 

خسائر فادحة في الأسواق

 

في الأسواق، تكبد التجار خسائر كبيرة نتيجة تلف اللحوم والدواجن والألبان والمواد الغذائية المحفوظة داخل الثلاجات. ويقول محمد سليمان، أحد تجار اللحوم والدواجن بسوق أم درمان، إن ساعات قليلة من انقطاع الكهرباء كانت كافية لإتلاف كميات كبيرة من البضائع.

 

وأضاف: “خسائري مادية فادحة، آلاف البيض والدواجن فسدت بالكامل، ولا أملك القدرة على شراء منظومة طاقة شمسية أو مولد كهربائي، فتكلفتها أصبحت أعلى من رأس مال كثير من التجار.”

 

احتجاجات بسبب القطوعات

 

تتواصل برمجة قاسية لقطوعات الكهرباء في عدد من الولايات تمتد بين 12 و18 ساعة يومياً، خصوصاً في البحر الأحمر والشمالية ونهر النيل، وهو ما دفع مواطنين بمدينة جبيت إلى إغلاق الطريق القومي احتجاجاً على استمرار انقطاع التيار، مطالبين بإيجاد حلول عاجلة للأزمة.

 

وزارة الطاقة: الصيانة تحتاج إلى عدة أيام

 

وأوضحت وزارة الطاقة أن الحريق الذي اندلع في بعض كوابل محطة سد مروي تسبب في تلف كبير بالمغذيات الرئيسية لخطي النقل (مروي – المرخيات) و(مروي – عطبرة)، مؤكدة أن الفحص الفني أظهر أن أعمال الصيانة ستستغرق عدة أيام قبل إعادة التيار الكهربائي إلى الولايات المتأثرة.

 

وأضافت الوزارة أن وزير الطاقة المهندس المستشار المعتصم إبراهيم أحمد وصل إلى موقع الحادث مباشرة، ووجّه بتوفير جميع قطع الغيار المطلوبة، والإسراع في تنفيذ أعمال الصيانة، إلى جانب تشغيل تغذيات بديلة من المحطات الأخرى وربط الشبكات لإدارة الطاقة المتاحة بكفاءة وعدالة، فيما لا تزال التحقيقات جارية لمعرفة أسباب الحريق.

 

جهود لإعادة الكهرباء إلى الخرطوم عبر كوستي

 

وفي تطور جديد، كشفت مصادر مطلعة عن محاولات فنية جادة لإعادة التيار الكهربائي إلى ولاية الخرطوم عبر الربط الإسعافي بمحطة كوستي الحرارية، في خطوة تستهدف تخفيف آثار خروج محطة سد مروي عن الخدمة.

 

وبحسب المصادر، فإن الفرق الفنية تعمل بصورة متواصلة لإنجاز عمليات الربط، وسط توقعات بإمكانية عودة التيار الكهربائي إلى ولاية الخرطوم خلال الساعات القليلة المقبلة، إذا تكللت هذه الجهود بالنجاح.

 

وأشارت المصادر إلى أن هذا الحل يقتصر حالياً على ولاية الخرطوم، بينما يختلف الوضع في ولايتي البحر الأحمر ونهر النيل، إذ تظل عودة الكهرباء فيهما مرهونة بإكمال أعمال إصلاح العطل الكبير الذي أصاب محطة سد مروي جراء الحريق الذي ألحق أضراراً بالكابلات والمغذيات الرئيسية لخطوط النقل.

 

خبير: الحرب عمّقت أزمة الكهرباء

 

ويرى الخبير الاقتصادي كمال كرار، في حديثه لـ”العودة”، أن أزمة الكهرباء الحالية ليست سوى انعكاس مباشر للأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد، والتي تفاقمت بصورة كبيرة بسبب الحرب، مؤكداً أن التدهور الذي أصاب القطاعات الإنتاجية والخدمية امتد بطبيعة الحال إلى قطاع الكهرباء.

 

وقال كرار إن القطاع كان يعاني من مشكلات هيكلية حتى قبل الحرب، من بينها عدم كفاية الإنتاج لتغطية الطلب، وارتفاع تكاليف التوليد، وضعف شبكات النقل والتوزيع، ومحدودية عمليات الصيانة والتأهيل، إلى جانب التخبط في إدارة ملف الكهرباء.

 

وأضاف أن الحرب فاقمت الأزمة بعدما تحولت محطات الكهرباء إلى أهداف للصراع، فيما تعرضت محولات وخطوط نقل عديدة للتدمير أو السرقة، مشيراً إلى أن توقف الإمداد الكهربائي من إثيوبيا بسبب الخلافات السياسية، واستمرار مشكلات كهرباء شرق السودان، يؤكدان أن الحلول المؤقتة أو الاعتماد على المصادر الخارجية لن يكونا كافيين.

 

وأكد أن الخروج من الأزمة يتطلب إنهاء الحرب، وإعادة بناء قطاع الكهرباء وفق خطة استراتيجية شاملة، مع التوسع في مشروعات الطاقة الشمسية والطاقة المتجددة باعتبارها أحد أهم الحلول المستدامة لتأمين الإمداد الكهربائي في المستقبل.

 

أزمة مفتوحة

 

وبينما تتواصل أعمال الصيانة، يعيش ملايين السودانيين أياماً صعبة في مواجهة انقطاع الكهرباء والمياه وتعطل الأنشطة الاقتصادية، في انتظار نجاح الجهود الرامية لإعادة التيار إلى الخرطوم، واستكمال إصلاح محطة سد مروي لإعادة الإمداد إلى بقية الولايات المتأثرة، في واحدة من أكبر أزمات الكهرباء التي تشهدها البلاد خلال الفترة الأخيرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى