مشروع الجزيرة.. هل تنجح مساعي الحكومة لإنقاذ الموسم؟

مخاوف متزايدة من فشل الموسم وسط شح التمويل
ارتفاع تكاليف الأسمدة والوقود يهدد القدرة التشغيلية للمزارعين
أزمة القسم الجنوبي تكشف عيوب الصيانة وتأخر تطهير الترع
تأكيدات حكومية برصد خطط عاجلة لتوفير مدخلات الإنتاج
نداءات لتدخل الدولة ودعم المزارع لمنع موجة عزوف واسعة
تساؤلات مشروعة حول قدرة التدخلات الرسمية على حسم الأزمات
تقرير :رمضان محجوب

هل تنجح التحركات الرسمية حقاً في إنقاذ مشروع الجزيرة وإعادته إلى درب الإنتاج؟ هذا هو الهاجس الأكبر الذي يلتصق بذهن كل مزارع ومتابع لحال الزراعة في السودان اليوم. ففي الوقت الذي تتسابق فيه الجهات الحكومية والمصرفية لطرح حزم الطوارئ والإسعاف الميداني، ترتفع نبرة القلق بين المزارعين وسط مصاعب يومية لا تخطئها العين. فتلاقي الرغبة السياسية مع نداءات الحقل يضع الجميع أمام اختبار دقيق يتحدد على ضوئه مصير الموسم الصيفي القادم وعافية الاقتصاد بأكمله عبر بوابته الزراعية الأولى.
■ تساؤلات ملحة
تتجه الأنظار باهتمام بالغ نحو مشروع الجزيرة مع إطلالة الموسم الزراعي الصيفي، وسط تساؤلات مركزية مشروعة حول مدى قدرة الجهود والمساعي الحكومية الجارية على تجاوز العراقيل المزمنة وتحقيق النجاح المنشود. يأتي هذا التساؤل الافتتاحي ليترجم نبض الشارع الزراعي وحالة القلق السائدة بين جموع المزارعين الذين يواجهون واقعاً معقداً وتحديات غير مسبوقة تهدد تحضيراتهم وتضعهم أمام مفترق طرق حقيقي. ومع تعدد الوعود الرسمية وتصاعد الشكاوى الميدانية، يصبح لزاماً تفكيك المشهد برمته لرصد حقيقة التداخل بين خطط الدولة ومخاوف الحقل.

■ مخاوف مشروعة
تعلو أصوات المزارعين في مختلف الأقسام والمكاتب محذرة من مغبة التمادي في التجاهل الحكومي لواقع التحضيرات الفعلية على الأرض، وسط مخاوف حقيقية من ضياع الموسم جراء البطء الإداري والهندسي. وتتجسد هذه المخاوف بشكل صارخ في غياب أعمال الصيانة الدورية للكباري الوسيطة، وتأخر تطهير الترع الرئيسية والفرعية، وانعدام الآليات المتحركة اللازمة لتأمين انسياب المياه. إن استمرار هذا التجاهل لمتطلبات البداية المبكرة يضع إنجاز الموسم الزراعي على محك خطير، ويجعل المزارع وحده يتحمل تبعات انهيار المنظومة الإنتاجية في غياب المظلات الوقائية.
■ استجابة عليا
في مقابل مخاوف المزارعين، تحركت دوائر صنع القرار في الدولة على أعلى المستويات للتعامل الاستباقي مع الأزمة، حيث ترأس رئيس الوزراء بروفيسور كامل إدريس اجتماعاً موسعاً ضم كافة الوزراء والجهات ذات الصلة لبحث سبل إنقاذ الموسم. وقد أفرز هذا التحرك توجيهات رئاسية واضحة وحاسمة تقضي باتخاذ إجراءات عاجلة وفورية لضمان توفير كافة مدخلات الإنتاج، وعلى راسها توفير الوقود اللازم لعمليات الري والتحضير. تعكس هذه الاستجابة الرسمية السريعة إدراكاً عميقاً لخطورة الموقف وحرصاً سياسياً على حماية العصب الحقيقي للاقتصاد القومي من شبح الفشل.

■ التزام مالي
تجسدت ترجمة التوجيهات الرسمية في إعلان وزارة المالية وبنك السودان المركزي استعدادهما التام لتنفيذ خطة عاجلة ومدروسة للعبور بالموسم الزراعي الصيفي وتوفير السيولة والمطلوبات المالية اللازمة لتشغيل المشروع. وقد أكد محافظ مشروع الجزيرة، المهندس إبراهيم مصطفى، أن هذه التدخلات التمويلية تستهدف معالجة العقبات التي تواجه عمليات التحضير ودعم إدارة المشروع في تأهيل منظومة الري وسد الثغرات التشغيلية. ورغم ضخامة التعهدات المالية، إلا أن العبرة الحقيقية تظل مرتبطة بمدى سرعة وصول هذه الأموال والمدخلات إلى مستحقيها الفعليين في الحقول قبل فوات الأوان.
■ أزمة الميدان
كشفت الجولات والشهادات الحية من داخل الحقول، لا سيما في القسم الجنوبي لمشروع الجزيرة، عن هوة واسعة بين التقارير المكتبية والواقع الميداني المتردي الذي يعاني منه أصحاب المصلحة الحقيقيون. فبينما تتركز زيارات الوفود الرسمية غالباً على المناطق النموذجية التي تتمتع بالري الانسيابي والتمويل الخارجي، ترزح مناطق أخرى تحت وطأة تعطل البيارات والترسبات الطينية الكثيفة التي تعيق وصول المياه. إن هذا التباين الميداني يعكس اختلالاً واضحاً في أولويات الرقابة والتقييم، ويؤكد أن نجاح مساعي الحكومة يتطلب النزول الحقيقي للميدان ومواجهة المشاكل بعين الشفافية.
■ جحيم التكلفة
يصطدم المزارعون هذا الموسم بجدار عالي النبرة من الارتفاع الجنوني لتكاليف الإنتاج ومستلزماته الضرورية، وعلى رأسها الأسعار الفلكية للأسمدة والوقود التي فاقت كل التوقعات والقدرات المالية المتاحة. فقد قفز سعر جوال اليوريا إلى أربعة أضعاف أسعاره السابقة، مما جعل اقتناء الحصة المقررة أمراً شبه مستحيل لغالبية المزارعين الذين فقدوا قدرتهم الشرائية تماماً جراء ظروف الحرب والنزوح. هذا العائق الاقتصادي الضخم ينسف من الأساس جدوى أي خطط حكومية ما لم يصاحبها دعم مباشر ومقنن يخفض هذه التكاليف ويزيل الأعباء الكاهلة عن كاهل المنتج.
■ شبح العزوف
تحت وطأة تكاليف الإنتاج الباهظة وغياب التدخلات الإسعافية الفاعلة، يبرز شبح العزوف الجماعي للمزارعين عن الدخول في دائرة العمليات الزراعية لهذا الموسم، كتهديد وجودي حقيقي يواجه مشروع الجزيرة. ويحذر الخبراء وأصحاب المصلحة من أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى خروج مساحات واسعة من الدورة الزراعية، مما يعرض الأمن الغذائي القومي لكارثة محققة ويفرغ أي خطط رسمية من مضمونها. إن حماية المزارع وتشجيعه على البقاء في أرضه باتت ضرورة قصوى تتقدم على كل الاعتبارات الاقتصادية الأخرى لضمان عدم توقف عجلة الإنتاج.
■ معضلة المياه
تظل قضية انسياب المياه وتطهير الترع والميادرات المعضلة الكبرى التي تؤرق المزارعين وتعطل كافة محاولاتهم الفردية والجماعية للتحضير المبكر للموسم الصيفي المرتقب. وتشير الشواهد الميدانية إلى أن تراكم الأطماء وانتشار الحشائش والأعشاب الضارة، إلى جانب تعطل الطلمبات في بعض البيارات، يحول دون وصول مياه الري إلى نهايات الترع ويهدد ببوار المساحات المزروعة. إن معالجة هذه المعضلة الهندسية تتطلب تدخلاً عاجلاً بالآليات الحفارة وتطهير المجاري المائية، وهو ما ينتظر المزارعون ترجمته العملية من قبل إدارات المشروع والجهات المختصة.

■ شراكة مفقودة
تتطلب الإجابة على السؤال الافتتاحي حول نجاح المساعي الحكومية إعادة نظر جذرية في طبيعة العلاقة والشراكة بين إدارة المشروع، والجهات الرسمية، والمزارعين أنفسهم باعتبارهم أصحاب المصلحة الحقيقيين والركيزة الأساسية للعملية الإنتاجية. لقد أثبت الواقع أن تهميش صوت المزارع البسيط والاعتماد على التقارير الشكلية لا يقودان إلا إلى مزيد من الإخفاقات وتراكم الأزمات. إن بناء جسور الثقة وإشراك المزارعين في صنع القرار وتلمس احتياجاتهم الفعلية هو الممر الإجباري لأي نجاح حقيقي ومستدام يضمن استعادة المشروع لعافيته وريادته التاريخية.
■ محك النجاح
عموما، يتوقف نجاح المساعي الحكومية لإنقاذ الموسم الزراعي الصيفي بمشروع الجزيرة على مدى القدرة على تحويل الوعود والقرارات الفوقية إلى أفعال ميدانية ملموسة تلامس هموم المزارع البسيط بصورة مباشرة. إن تضافر الجهود لخفض تكاليف الإنتاج، وتوفير الوقود والسماد في ميقاتها، وحل مشاكل الري والصيانة، وتأمين الدعم المالي اللازم، كلها شروط لا غنى عنها لعبور هذا الاختبار المصيرى. ومع توفر الإرادة الرسمية وصمود المزارع السوداني، تبقى الآمال معقودة على تدارك الأخطاء والعبور بالبلاد نحو بر الأمان وتحقيق الأمن الغذائي المنشود.




