حزب الأمة القومي… هل يستطيع الخروج من منطقة التردد؟

ما وراء الخبر / علم الدين عمر 

بين خطاب الدولة.. وانقسام القيادة.. لماذا أصبحت المواقف الرمادية أكثر كلفة؟

بعد غياب طويل عن ظهورها المعتاد في المشهد السياسي..أرسلت نائبة رئيس حزب الأمة القومي الدكتورة مريم الصادق المهدي..فجأة في كل صناديق البريد المتاحة لديها بياناً لا تبدو أهميته.. عقب لقاء اللجنة الخماسية في مضامينه المعلنة فقط..البيان يكشف في مضمونه عن تحولات صامتة داخل الحزب العتيق..وفي طبيعة التوازنات الجديدة التي تحكم الحركة السياسية السودانية بعد أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب..

من حيث اللغة السياسية البيان يتحدث عن وقف الحرب..وحماية المدنيين..وصناعة السلام..ورفض فرض الحلول الخارجية..والتمسك بالملكية السودانية للعملية السياسية..والقوامة عليها.. وهي عبارات تقترب كثيراً من الخطاب الوطني الذي أخذ يفرض نفسه على أغلب القوى السياسية خلال هذه الفترة..بعد أن أثبتت سنوات الحرب أن استمرار الصراع يهدد وجود الدولة نفسها قبل أن يهدد أي طرف سياسي..

غير أن السؤال الأهم لا يتعلق بما قاله البيان..السؤال الجوهري علي طاولة حزب الأمة هو من يمثل هذا البيان داخل تيارات الحزب ؟؟وهل أصبح يعبر فعلاً عن قيادة الحزب كهيكل واحد متماسك تنظيمياً أم عن أحد مراكزه القيادية المتعددة؟..

 

أزمة القيادة قبل أزمة الموقف..

 

منذ إندلاع الحرب دخل حزب الأمة القومي واحدة من أعقد مراحل تاريخه السياسي..

فبعد رحيل الإمام الصادق المهدي فقد الحزب الشخصية التي كانت قادرة.. بحكم رمزيتها التاريخية..على إدارة التوازنات الداخلية..واحتواء الخلافات.. والمحافظة على وحدة المؤسسة رغم اختلاف الرؤى..

ومع تطور الحرب وإفرازاتها المجتمعية والسياسية لم يعد الخلاف مجرد إختلاف في قراءة المشهد السياسي..فقد تحول إلى اختلاف حول تعريف الدولة.. وموقع المؤسسة العسكرية.. وكيفية التعامل مع مليشيا الدعم السريع..وتعريفها..وهو ما أدى إلى تباينات واضحة داخل القيادة..

في هذه المرحلة إكتشف الحزب الخطأ التاريخي المتمثل في تكليف فضل الله برمة ناصر..الذي ظل محل جدل واسع بسبب مواقفه السياسية التي اعتبرها كثيرون أقرب إلى الخطاب الذي تبنته القوى المتحالفة مع مليشيا الدعم السريع..قبل أن يتماهي تماماً معها.. الأمر الذي أحدث فجوة متزايدة بينه وبين قطاعات معتبرة من قواعد الحزب التاريخية..

وفي المقابل..بدأت قيادات أخرى تتحرك بخطاب مختلف..تتقدمه السيدة مريم الصادق المهدي.. التي ظهرت في هذا اللقاء ممثلة للحزب.. بعيداً عن برمة ورئاسته في وقت أصبح فيه المشهد التنظيمي أكثر تعقيداً من أي وقت مضى..

 

البحث عن إستعادة المركز..

 

اللافت أن البيان تجنب بصورة واضحة الدخول في تفاصيل الإستقطاب السياسي الذي ظل يهيمن على الساحة خلال الفترة الماضية..

فهو لم يتحدث عن ترتيبات السلطة.. ولم ينشغل..كما هي العادة بالفترة الإنتقالية..بل جعل وقف الحرب أولوية مطلقة..

وهذه ليست مجرد صياغة لغوية كما تبدو (حتي بعد إستعانتها الواضحة بتقنية الذكاء الإصطناعي)..فقد بدت كمحاولة لإعادة تموضع الحزب داخل المشهد الوطني..بعد أن دفعت الحرب معظم القوى السياسية إلى مراجعة خطابها السابق..

كما أن الحديث عن “الملكية السودانية للعملية السياسية” يعكس إدراكاً متزايداً بأن المبادرات الخارجية..مهما بلغت أهميتها..لا تستطيع إنتاج سلام مستدام إذا ظلت القوى السودانية نفسها عاجزة عن الإتفاق على مشروع وطني جامع..

 

أين يقف الحزب فعلياً؟

 

لكن البيان..رغم أهميته لم يجب عن السؤال الأصعب..

من يقود حزب الأمة اليوم؟

فالواقع السياسي يشير إلى وجود أكثر من مركز للقيادة والتأثير داخل الحزب..

هناك قيادة تنظيمية ما تزال تتمسك بشرعية فضل الله برمة ناصر.. رغم الجدل الكبير حول مواقفه..وعدم الأهلية الواضح في طرحه وظهوره وشخصيته..

وهناك قيادات تاريخية وتنفيذية تتحرك بصورة مختلفة.. وتحاول المحافظة على مساحة أقرب إلى الوسط..

في المقابل..ظهر الفريق عبد الرحمن الصادق المهدي كأحد أكثر الشخصيات قبولاً لدى قطاعات واسعة من قواعد الحزب..خصوصاً بعد تموضعه السياسي الأقرب إلى القوى التي ترفع شعار المحافظة على الدولة ومؤسساتها..وأنضمامه لتحالف الكتلة الديموقراطية.. ما جعل كثيرين داخل الحزب ينظرون إليه باعتباره مشروع قيادة مستقبلية يمكنها إعادة توحيد المؤسسة..

وفي الوقت نفسه.. إحتفظ بعض أبناء الإمام الصادق المهدي بعلاقاتهم السياسية مع تحالفات معارضة متشابهة وشبه متقاسمة للأدوار مثل “صمود”..وإنشطاراتها وهو ما يعكس إستمرار تعدد المرجعيات السياسية داخل الأسرة نفسها.. وبالتالي داخل الحزب..

 

الأحزاب التقليدية.. مأزق التردد..

 

هذه الأزمة لا تخص حزب الأمة وحده..

فكل الأحزاب التقليدية وجدت نفسها خلال الحرب عاجزة عن إتخاذ مواقف حاسمة.. خوفاً من خسارة مكتسباتها إضافة لعدم وجود مراكز دراسات وإستشعار حقيقية بداخلها تمكنها من إتخاذ القرار الحاسم والنهائي..

فبدلاً من إنتاج مشروع وطني واضح..فضلت بعض القوى السياسية إدارة التوازنات.. وانتظار مآلات الحرب والتفاوض وهو ما أفقدها جزءاً كبيراً من تأثيرها الجماهيري..

لكن الحرب غيرت قواعد اللعبة..

فالسودانيون لم يعودوا يقيمون الأحزاب بتاريخها وموروثها التراكمي..بل بقدرتها على اتخاذ مواقف واضحة تجاه وحدة الدولة.. واحتكار السلاح.. ومستقبل المؤسسات الوطنية.. وإدارة المرحلة المقبلة..

وأصبح الغموض السياسي الذي كان يمثل في السابق مساحة للمناورة.. يتحول تدريجياً إلى عبء سياسي وتنظيمي..

 

بداية مراجعة أم تكتيك سياسي؟

 

يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان البيان يمثل بداية مراجعة حقيقية داخل حزب الأمة القومي..أم مجرد محاولة لتحسين التموضع السياسي في ظل التحولات الإقليمية والدولية..

فالتحول الحقيقي بالنسبة لحزب الأمة القومي يتم بحسم الإزدواجية داخل القيادة..وتوحيد الخطاب السياسي.. وإعادة بناء العلاقة مع القواعد..

كما أن أي مراجعة جادة تحتاج إلى حسم الأسئلة المتعلقة بموقع الحزب من مشروع الدولة..والعلاقة بالمؤسسة العسكرية..وكيفية التعامل مع آثار الحرب..والموقف الواضح من مليشيا الدعم السريع ومستقبلها..بعيداً عن الحسابات التكتيكية قصيرة المدى..

 

ما بعد الحرب لن يشبه ما قبلها..

 

ربما يكون الدرس الأهم الذي فرضته الحرب أن الأحزاب التي تتأخر في مراجعة مواقفها قد تجد نفسها خارج معادلات المستقبل..

فالمجتمع السوداني يعيش تحولات عميقة.. وأولوياته تغيرت بصورة جذرية..

لم تعد الجماهير تبحث عن خطابات التوازن السياسي بقدر ما تبحث عن مشروع يعيد بناء الدولة..ويحفظ وحدتها..ويؤسس لسلام مستدام يقوم على سيادة القانون واحتكار السلاح بواسطة مؤسسات الدولة..

ومن هذه الزاوية.. فإن بيان حزب الأمة القومي يمكن إعتباره مؤشراً تكتيكياً على محاولة العودة إلى مركز الخطاب الوطني.. لكنه يظل بحاجة إلى ترجمة تنظيمية وسياسية واضحة حتى يكتسب مصداقية أكبر..

 

الخلاصة..

 

أزمة حزب الأمة القومي اليوم ليست أزمة بيان ولا أزمة لقاء مع اللجنة الخماسية..هي أزمة هوية سياسية وقيادة موحدة.. وإذا لم يحسم الحزب هذا التباين بين مراكز القرار المختلفة..فإن خطر إستمرار الإنقسام سيظل قائماً.. وسيبقى تأثيره السياسي أقل من وزنه التاريخي.. أما إذا نجح في توحيد رؤيته وبرنامجه على أساس مشروع وطني واضح..فقد يستعيد جانباً من دوره التقليدي في الحياة السياسية السودانية..لكن ذلك يتطلب وضوحاً في المواقف..واتساقاً بين القيادة والخطاب..وقدرة على تجاوز مرحلة التردد التي أضعفت كثيراً من الأحزاب التقليدية خلال سنوات الحرب..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى