السجل المدني بسنار.. اشتعال النار

“قبلة الولايات” المخنوقة بلهيب الهجير وثمن الصمود المنسي
صرخة من قلب الطوابير..
مواطنون من 4 ولايات يتزاحمون في مركز سنار
ندفع رسوماً باهظة لندخل صالة بلا كراسي ولا مراوح ولا مياه!
تقرير: مصطفى احمد عبدالله
لم يعد مكتب السجل المدني والجوازات في مدينة سنار مجرد مركز محلي لإكمال المعاملات الروتينية؛ بل تحوّل بفعل الظروف الراهنة إلى ملاذ إقليمي سيادي يستقبل يومياً مئات المواطنين الوافدين من ولايات ومناطق شتى.
ورغم هذه الأهمية الاستراتيجية الكبيرة، كشفت جولة ميدانية عن تدهور كامل في البيئة الخدمية داخل المركز، مما حوّل الإجراءات الرسمية إلى رحلة شاقة يمتزج فيها لهيب الصيف بمرارة الاستغلال وغياب الكرامة الإنسانية، وسط مجهودات رسمية أولية لا تزال دون حجم التحدي المطلوب ومناشدات عاجلة للقيادة العليا بالولاية.
زحام خانق.. السجل المدني “قبلة الولايات”
داخل صالات الانتظار المكتظة، تجد المئات من المواطنين يبحثون عن إنجاز معاملاتهم الثبوتية؛ فلم يعد هذا المكتب ملكاً للمدينة وحكراً على أهل سنار وحدهم.
يشهد المركز تدفقات بشرية هائلة تأتي من ولاية النيل الأبيض، وحتى المواطنين القادمين من تخوم ولاية القضارف.
أما سكان مناطق جنوب الجزيرة، فقد أصبح مكتب سنار هو الملاذ والملجأ الجغرافي الأساسي لهم، بحكم القرب اللصيق ولارتباط مصالحهم وحياتهم اليومية وأعمالهم التجارية بمدينة سنار.
هذا الضغط الإقليمي الهائل حوّل الصالات إلى طوابير بشرية لا تنتهي.
بيئة طاردة: الصمود في مواجهة الإهمال والظلام
حتى في هذه الأماكن التي يُفترض أن توفر الحد الأدنى من الأمان والخدمة للمواطن الذي دفع الرسوم كاملة، يقف المراجعون في صفوف طويلة لانتظار دورهم.
وعند الدخول إلى الصالة، تفاجأ ببيئة طاردة للغاية:
مراوح معطلة تماماً ومكيفات متوقفة ليزيد التكدس البشري من خنق الأنفاس.
غياب تام للمقاعد والكراسي، مما يضطر كبار السن، والنساء، والمرضى لافتراش الأرض والتراب نتيجة التعب والإرهاق.
انعدام صبارات المياه أو أي وسيلة لترطيب لظى الجفاف والحرارة المرتفعة.
غياب الحمامات ودورات المياه المخصصة للجمهور، مما يضع المراجعين في مواقف صحية وإنسانية حرجّة للغاية.
وتتفاقم هذه الأزمة الكارثية مع الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي؛ حيث يفتقر المركز تماماً إلى وجود منظومة طاقة كافية لتشغيل أجهزة التهوية أو الحواسيب بشكل مستدام، ويتسبب هذا في شلل تام للمعاملات عند انقطاع الشبكة، ليقضي المواطن المسافر يومه كاملاً تحت وهج الشمس دون إنجاز تذكرته، مما يكبده تكاليف سفر وإقامة إضافية فوق طاقته.

استطلاعات حية
شهادات بطعم المعاناة والخذلان
خلال الجولة الميدانية داخل الصالة وخارجها، التقت الصحيفة بعدد من المواطنين والمواطنات الذين عبّروا بمرارة عن واقع الحال:
المواطن (حاج التوم. أ) – قادم من جنوب الجزيرة (68 عاماً):
“أنا رجل مسن ومصاب بآلام الغضروف، قطعت مسافة طويلة لأن مكتب سنار هو الأقرب والوحيد المتاح لإنهاء معاملتي بحكم ارتباط أعمالنا هنا.
وقفت لأكثر من أربع ساعات متواصلة لعدم وجود كرسي واحد لأرتاح عليه، واضطررت أخيراً لافتراش التراب خارج الصالة.
ندفع رسوماً باهظة ومبالغ طائلة، وأقل واجب أن يُحترم شيبنا بكراسي مريحة وظل يقينا الهجير”.
المواطنة (آمنة. م) – وافدة من ولاية النيل الأبيض:”الوضع داخل الصالة قطيعة رحم مع الإنسانية.
النساء والحوامل يقفن في زحام خانق وسط حرارة مرعبة والمراوح متوقفة كأننا في فرن.
الطامة الكبرى أنه لا توجد دورة مياه واحدة صالحة للاستخدام للجمهور، مما يضعنا كنساء في حرج بالغ ويجبرنا على قطع المعاملة والبحث في السوق المجاور عن حمام، لنفقد دورنا في الصف ونبدأ المعاناة من جديد”.
المواطن الشاب (أحمد. ع) – من سكان تخوم ولاية القضارف:”جئنا إلى هنا لأننا نثق في سنار ومؤسساتها، لكننا صُدمنا.
الكهرباء تقطع لساعات، وتتوقف معها الشبكة والحواسيب تماماً، لنقضي اليوم بطوله تحت وهج الشمس دون أي إنجاز. غياب برادات أو صبارات المياه وسط هذا الحر يجعل الانتظار تعذيباً حقيقياً.
نضطر لشراء مياه الشرب بأسعار مرتفعة من الباعة الجائلين، وتكلفة السفر والإقامة الإضافية أنهكت قوانا” .
تحركات خجولة ومجهودات دون الطموح
على الجانب الإداري، بدأت تلوح في الأفق بعض التحركات؛ حيث تبرعت المحلية بمبلغ 10 ملايين جنيه لدعم ملف الطاقة بالمركز، ويتزامن ذلك مع اجتهادات واضحة يبذلها مدير السجل المدني الجديد لمحاولة حلحلة مشاكل المكتب وإصلاح منظومة الكهرباء وصيانة الطابعات وتوفير وسائل العمل.
ورغم أهمية هذه الخطوة وتقدير المواطنين لها، إلا أنها تبقى مجهودات قليلة جداً ولا ترقى إطلاقاً لحجم التحدي الكبير الماثل على الأرض، ولا تلبي طموح مئات المراجعين اليوميين الذين يتكدسون في الصالات؛ فالأزمة أعمق بكثير من المسكنات الإدارية المؤقتة وتتطلب ثورة خدمية شاملة وتدخلاً حكومياً مركزياً يتناسب مع حجم العوائد التي يجنيها المركز.
تآكل الأمانة وصرخة الضمير الغائب
إن ما يجمع كل هذه التفاصيل ليس الصدفة، وكأن القاعدة السائدة أصبحت: “ادفع ولا تسأل”.
وهنا لا نتحدث عن مجرد خطأ إداري عابر، بل عن خلل يمس جوهر الحماية والرعاية الحكومية نفسها.
وفي ظل غياب جهاز فاعل لحماية المستهلك أو الرقابة الحقيقية في سنار، كان يُفترض أن يُقابل هذا الغياب حضورٌ للضمير الإنساني، لكن ما حدث هو العكس.
حين يرى الجميع أن الكل يربح، ويتغاضى، ويغمض العين دون محاسبة، تنتشر عدوى اللامبالاة، ويتحول استغلال المواطن البسيط إلى سلوك طبيعي لا يُستنكر في المعاملات اليومية، والاتصالات، والأنشطة الاقتصادية.
دفعٌ بلا طمأنينة.. والخذلان المستمر
الأخطر من الغلاء وضيق العيش وضياع الخدمات هو الأثر النفسي والوجودي الذي يتركه هذا الواقع على الإنسان السناري؛ أن تعيش في مدينتك وتشعر أنك مستغل في كل لحظة، تضطر أن تدفع رسوماً باهظة ومبالغ طائلة دون أن تشعر بالاطمئنان، وتضع ثقتك في المؤسسات وأنت تتوقع الخذلان مسبقاً.
إن هذه الصرخة ليست دعوة للتشهير أو الإساءة لأي جهة، بل هي محاولة صادقة لقول ما يجب أن يُقال علناً ووطنياً.
هذه المدينة العريقة ليست سوقاً عشوائيًا يُباح فيه الجشع والإهمال؛ سنار أمانة ثقيلة جداً في أعناق الجميع.
إنها المدينة الصامدة التي وقفت بشموخ في وجه التتار الجدد، ودحرت مليشيا آل دقلو، ووأدت حلمهم في حكم السودان وخرابه.
بناءً على هذا التاريخ الناصع، لا يجوز بأي حال من الأحوال الاختباء خلف شعارات الصمود، أو الدعم المحلي، أو ظروف الحرب الحالية لتبرير ممارسات إدارية وإنسانية تناقض هذه القيم في تفاصيل الحياة اليومية؛ لأن الدعم الحقيقي هو علاقة متبادلة تقوم على الاحترام المتبادل للمواطن مثلما تقوم على انتمائه وتضحيته.
مناشدة ومطالب عاجلة مرفوعة للقيادة
مناشدة الوالي
أمام هذا الوضع المأساوي، أطلق ناشطون ومراجعون باسم مواطني ولاية سنار والولايات المجاورة مناشدة عاجلة ومباشرة إلى السيد اللواء ركن (م) الزبير حسن السيد الجبرة – والي ولاية سنار السيد اللواء شرطة حقوقي/ طارق الريح – مدير عام الإدارة العامة للسجل المدني واللواء شرطة عبداللطيف بلام مدير شرطة الولاية لاعتماد ميزانية إسعافية تكميلية تتجاوز تبرع المحلية الحالي (10 ملايين)، وتخصيص جزء من عوائد الرسوم لتركيب منظومة طاقة شمسية كاملة لضمان استمرار تشغيل الحواسيب والمكيفات والمراوح بشكل مستدام.
توفير كراسي ومقاعد كافية ومظلات واقية لجمهور المراجعين فوراً لإنهاء مأساة الجلوس وافتراش الأرض والتراب من قِبل المسنين والنساء.صيانة وتأهيل دورات المياه بالمركز فوراً وتوفير برادات مياه شرب نظيفة وصبارات داخل الصالة كأبسط حقوق الكرامة الإنسانية للمواطن الصامد.إن مواطني الإقليم على ثقة تامة بأن صوتهم المبحوح سيجد لدى القيادة الرشيدة وعزيمتها المعهودة آذاناً صاغية وخطوات عملية تعيد للمواطن كرامته وطمأنينته في مؤسسات دولته.
ونداء عاجل وهام إلى كافة مواطني وأبناء ولاية سنار الأوفياء في الداخل والخارج وإلى اللجان المجتمعية والخدمية والخيرية وكافة الحادبين على مصلحة هذه المدينة الصامدة للمساهمة في تغيير هذا الصرح الحيوي الكبير.




