هل إنتهى دور حميدتي.. أم أن تصريحاته الأخيرة تكشف عزلة عن الواقع وتمهد لمرحلة ما بعد آل دقلو؟..

ما وراء الخبر / علم الدين عمر

طالبهم بعدم النوم والوضوء لمواجهة الموت القادم.. تمهيداً للعودة للخرطوم !!

من الذي غيّب القائد عن حقيقة المشهد؟..

بالتزامن مع إعلان قيادة القوات المسلحة إكتمال الترتيبات الفنية والعسكرية لما عرف بعملية مسك الختام للقضاء التام علي تمرد مليشيا الدعم السريع لم تعد القضية في التصريحات الأخيرة لقائد المليشيا المتمردة تقتصر على حديثه المتكرر عن العودة إلى الخرطوم..أو وعوده بما أسماه “تحرير” السودان من جيشه القومي ودولته.. إنما تجاوزت ذلك إلى سؤال أكثر عمقاً يتعلق بطبيعة الرجل نفسه.. وموقعه الحقيقي داخل المشروع الذي يقوده..فهل ما زال يمسك بخيوط القرار والمعلومات؟.. أم أن المشهد قد تجاوزه بالكامل..

وتقود هذه الملاحظة إلى فرضية سياسية تستحق التأمل كقراءة لما يطرحه الواقع من مؤشرات.. هل بدأت بالفعل ترتيبات غير معلنة لمرحلة قد لا يكون فيها آل دقلو في صدارة المشهد؟ وهل أصبح حميدتي..بقصد أو بغير قصد..معزولاً عن حقيقة التطورات العسكرية والسياسية والمجتمعية..حتى بات يخاطب السودانيين بلغة لا تجد صداها إلا داخل الدائرة المغلقة التي تصنع له المشهد؟..

التاريخ السياسي والعسكري يعلمنا أن التنظيمات المسلحة..عندما تدخل مرحلة التراجع والإستنزاف كثيراً ما تعيد ترتيب مراكز القيادة.. ويصبح القائد الذي ارتبط اسمه بالمشروع عبئاً على بقائه أكثر من كونه ضمانة لإستمراره.. وعندها تبدأ عمليات العزل الهادئة.. حجب للمعلومات.. وإحاطة بدائرة لا تنقل إلا ما يرغب القائد في سماعه.. حتى يبدو أمام الرأي العام متخبطاً.. يكرر وعوداً لا يسندها الواقع.. ويطلق خطابات تكشف حجم الفجوة بين الميدان وما يصله من تقارير..

 

خطاب يتحدث إلى سودان لا وجود له..

 

عند قراءة التصريحات الأخيرة لقائد المليشيا..كما هو الحال في أحاديث عدد من قادتها الميدانيين ومنصاتها الإعلامية.. يلاحظ وجود خطاب واحد يكاد يتكرر بالنص والمعنى..حديث عن العودة الوشيكة.. وانتصارات قادمة.. وشعب ينتظرهم ليخلصوه من جيشه ومؤسساته ودولته..

ليتصدر السؤال الجوهري المشهد..أي سودان يقصد هذا الخطاب؟..

هل هو السودان الذي عاش الحرب بكل تفاصيلها؟ أم السودان الذي رسمته تقارير الدعاية الداخلية؟

الخطاب يبدو وكأنه يخاطب مجتمعاً بلا ذاكرة..بينما الحقيقة أن الحرب تركت آثاراً إنسانية وإجتماعية وإقتصادية عميقة.. يصعب إفتراض أن المجتمع تجاوزها بمجرد خطاب تعبوي أو وعد سياسي..وقد أدت كل هذه الخطوط المتقاطعة علي طاولة الحرب والإعتداء الذي تم علي الشعب السوداني لإلتفافه بالكلية وراء معركته الوحيدة المتمثلة في محو عدو وحيد من الوجود في التراب والوجدان السوداني..

 

هل مُحيت ذاكرة السودانيين؟

 

ربما يكون أكثر ما يثير الإنتباه هو الإفتراض الضمني الذي تحمله تلك التصريحات..وكأن السودانيين قد نسوا ما عاشوه خلال الحرب..

هل يعتقد قادة المليشيا فعلاً أن مشاهد النهب.. والقتل..والنزوح.. وتدمير الأحياء السكنية،.. والإعتداء الممنهج على الممتلكات العامة والخاصة.. والإنتهاكات التي وثقتها تقارير وطنية ودولية.. استناداً لتوثيق جنود المليشيا أنفسهم..أصبحت مجرد أحداث عابرة يمكن تجاوزها؟..

وهل يتصورون أن الأسر التي فقدت أبناءها أو منازلها أو مصادر رزقها ستتعامل مع كل ذلك بإعتباره صفحة أُغلقت دون أثر؟..

معلوم أن الذاكرة الجمعية تتشكل بالتجارب..وما عاشه السودانيون خلال هذه الحرب أصبح جزءاً من الوعي الوطني البعيد تماماً عن الجدل السياسي..

 

من الذي يصنع صورة الميدان؟..

 

إذا كانت التصريحات لا تنسجم مع المزاج العام ولا مع إدراك قطاعات واسعة من المجتمع لما جرى.. فإن السؤال ينتقل إلى داخل غرفة القرار..

من الذي ينقل الصورة إلى القائد؟

هل تصل إليه الوقائع كما هي؟

أم أن هناك دائرة مغلقة لا تسمح إلا بمرور الأخبار التي ترفع المعنويات وتؤجل مواجهة الحقيقة؟..

في العلوم السياسية..تُعد العزلة المعلوماتية من أخطر ما يواجه القيادات عند الأزمات لأن القائد يبدأ في اتخاذ قراراته على أساس صورة ذهنية لا على أساس لها في الواقع الفعلي..

وهنا يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً..

من الذي غيّب القائد عن حقيقة المشهد؟

وهل إنتهى المشروع؟

بعيداً عن الأشخاص.. فإن أي مشروع سياسي أو عسكري قادر علي البقاء والمحاولة بقدرته على المحافظة على حواضنه..وموارده.. وشرعيته..وصورته العامة..

وهنا تبرز أسئلة يصعب تجاوزها..

ماذا تبقى من الحاضنة الإجتماعية التي كان المشروع يراهن عليها؟..

وماذا تبقى من الموارد العسكرية والمالية بعد سنوات من الإستنزاف؟..

وماذا تبقى من الصورة الأخلاقية بعد حرب تركت آثاراً عميقة في وجدان قطاعات واسعة من السودانيين؟..

الإجابة علي هذه الأسئلة تفسر مباشرة لماذا تتزايد التكهنات حول إحتمالات إعادة تشكيل مراكز القرار داخل المشروع نفسه.. والبحث عن صيغ جديدة للتعامل مع واقع مختلف تماماً عن بدايات الحرب..

 

بين الخطاب والواقع..

 

لا يكفي أن يعلن حميدتي أن النصر قريب حتى يصبح قريباً..

فالخطاب السياسي مهما بلغت قوته.. لا يستطيع أن يعيد تشكيل ذاكرة مجتمع عاش التجربة بنفسه..

ولهذا فإن تكرار الحديث عن “تحرير السودان من جيشه”..أو “العودة لتحرير الخرطوم”.. يفتح الباب أمام تساؤلات أكثر مما يقدم إجابات..لأن الدولة ليست مجرد مواقع عسكرية أو مباني حكومية.. الدولة عبارة عن منظومة مؤسسات تشكل الإطار الذي تنتظم داخله حياة المواطنين..

ومن هنا تبدو المفارقة واضحة.. فبينما يتحدث الخطاب عن إسقاط الدولة..ينظر قطاع واسع من السودانيين إلى إستعادة مؤسساتها باعتبارها المدخل الأساسي لأي إستقرار سياسي أو إقتصادي أو إجتماعي..

 

لغة تكشف أكثر مما تخفي..

 

في العموم..ووفق نظريات الإتصال السياسي لا يمكن قراءة التصريحات من ظاهرها فقط..لابد من النظر المتكرر لتوقيتها.. وسياقها..وما تحاول تعويضه..

فكلما أرتفع سقف الوعود في توقيت معقد..عسكرياً وسياسياً ..اتجهت القراءة التحليلية إلى البحث عما إذا كانت تلك الوعود تستهدف رفع الروح المعنوية داخل الصفوف.. أو طمأنة الحلفاء..أو الحد من تأثير التطورات الميدانية..

ولهذا فإن الخطاب الأخير يبدو..في كثير من جوانبه.. أقرب إلى محاولة لترميم المعنويات منه إلى تقديم قراءة واقعية للمشهد..

 

ما وراء الخبر..

 

قد لا يكون السؤال الحقيقي هو..ماذا قال حميدتي؟

بل..لماذا قاله الآن؟..

ولماذا بدا الخطاب بعيداً إلى هذا الحد عن الواقع الميداني والسياسي والمجتمعي؟..

وهل أصبح الرجل يتحدث من داخل دائرة مغلقة..لا تنقل إليه إلا ما يريد البعض أن يسمعه؟..

ومن هو هذا البعض؟!!

أم أن ما يجري ليس سوى آخر علامات الإنتقال الصامت داخل مراكز القرار.. تمهيداً لمرحلة جديدة..قد تختلف فيها الوجوه كما تختلف الحسابات؟..

تبقى هذه الأسئلة مفتوحة.. لكن المؤكد أن أي مشروع يفقد القدرة على قراءة المجتمع كما هو..ويستبدل الواقع بالتقارير.. والحقائق بالإدعاءات يدخل مرحلة يصبح فيها الخطر الحقيقي من داخله قبل أن يأتيه من الخارج..

فيما يبدو..ومع إستمرار عملية مسك الختام والزحف القوي للجيش والقوات المساندة من كل المحاور فإن الهزائم المتواترة للمليشيا لم تبدأ من داخل صندوق القتال.. الهزائم بدأت عندما أنقطعت الصلة بين القيادة والواقع.. وأصبح القائد آخر من يعلم حقيقة المشهد الذي يتحدث عنه..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى