“الكاهن” القناص يطلق رصاصة واحدة لثلاثة أهداف متزامنة التأثير..

ما وراء الخبر / علم الدين عمر
حوار البرهان..ما الذي يتحرك تحت الطاولة؟!
دعوة أشعلت الساحة..ومواقف مضطربة تكشف أن شيئاً أكبر من التصريحات يجري ترتيبه..
الدولة تريد أن تعرف حدود المناورة..
والقوى السياسية تريد أن تعرف قواعد اللعبة الجديدة..
ربما ألتقطت الدوائر المتقاطعة حول المشهد السوداني دعوة رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبدالفتاح البرهان إلى حوار سوداني ـ سوداني.. وحديثه عن إستثناء المؤتمر الوطني وتأسيس والمليشيا.. في سياق الدعوات المتكررة للحوار وإنهاء الحرب.. فالرجل أطلق جملة سياسية واحدة.. لكنها سرعان ما فتحت أبواباً واسعة للنقاش..وأخرجت إلى السطح مواقف كانت تبدو حتى وقت قريب أكثر تحفظاً..وحركت دوائر سياسية وإعلامية باتجاهات متعددة..بعضها مؤيد وبعضها رافض وبعضها بدا وكأنه يبحث عن المعنى المخفي خلف الكلمات..ووراء الخبر..
اللافت أن ردود الفعل لم تكن مستقيمة أو متطابقة..بل بدت في بعض جوانبها مضطربة ومتداخلة ومتحفظة..الأمر الذي يطرح سؤالاً أكبر من الدعوة نفسها..هل كان حديث البرهان مجرد إعلان سياسي..أم أنه جزء من ترتيبات أوسع بدأت تتشكل تحت ضغط الراهن السياسي والمجتمعي والعسكري من الداخل والضغوط المتزايدة من الخارج ؟
وهنا تحديداً لابد من قراءة «ما وراء الخبر»..
الدولة من حقها أن تناور.. لكن لماذا الآن؟
من حيث المبدأ.. الدولة من حقها أن تعلن أي موقف تراه مناسباً للمرحلة.. خصوصاً عندما تكون في مواجهة حرب طويلة ومعقدة..وضغوط سياسية وإنسانية وإقتصادية متزايدة.. ومشهد إقليمي ودولي شديد التشابك..والتعقيد..
بل إن افتراض وجود مراكز قراءة داخل الدولة تدرس تداعيات المواقف التكتيكية والإستراتيجية ليس أمراً غريباً..وبالتالي فإن دعوة البرهان للحوار لا ينبغي أن تُقرأ كموقف سياسي تجاه القوى المختلفة..إنما باعتبارها- ربما جزءاً من إختبار سياسي واسع لردود أفعال الداخل والخارج..
لكن السؤال الأهم يظل قائماً..
ما الذي يمكن أن يقود الدولة إلى اختيار هذه الصيغة تحديداً في هذا التوقيت؟..
القضية ليست فقط في من تمت دعوته أو من تم استثناؤه..القضية الأساسية في الرسالة التي تحملها الدعوة..وفي محاولة إعادة ترتيب المجال السياسي السوداني على قاعدة جديدة بعد الحرب..
إذا كانت الدولة تريد حواراً سودانياً ـ سودانياً..فإنها بذلك تفتح الباب أمام إعادة تعريف من هو «السوداني» القادر على المشاركة في صناعة المرحلة المقبلة..ومن هو الذي أصبح وجوده السياسي مرتبطاً بمواقف لا يمكن تجاوزها بمجرد التسوية السياسية..
إستثناء المؤتمر الوطني وتأسيس والمليشيا..الرسالة الأكثر حساسية..
الحديث عن إستثناء المؤتمر الوطني وتأسيس والمليشيا من الحوار يحمل في ذاته دلالة سياسية كبيرة.. لأنه لا يضع كل الخصومات في سلة واحدة..
فثمة قوى سياسية قد تختلف مع الدولة..لكنها لم تحمل السلاح ضدها..وثمة قوى انخرطت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في مشروع عسكري أو سياسي استهدف مؤسسات الدولة..كما أن هناك قوى قاتلت إلى جانب القوات المسلحة والقوات المساندة لها.. وقدمت في سبيل ذلك رجالاً ومالاً ومواقف ووجوداً ميدانياً..
هنا تظهر واحدة من أكثر مناطق الإلتباس حساسية في الدعوة..
هل يمكن أن تبدأ عملية سياسية جديدة بإقصاء قوى وقفت مع الدولة ومؤسساتها وجيشها خلال الحرب..وفي الوقت ذاته تفتح الأبواب أمام قوى كانت في الضفة الأخرى من الصراع..حتى ولو تحت عنوان العفو أو التسوية؟..
السؤال ليس إتهاماً للدولة..بقدر ما هو محاولة لفهم منطق المرحلة..
فالحرب أعادت تشكيل السودان إجتماعياً وسياسياً وعسكرياً..ولم تعد الخريطة السياسية هي ذاتها التي كانت قبل الخامس عشر من أبريل..هناك قوى جديدة وُلدت من رحم الحرب.. وقوى أخرى فقدت وزنها..وثالثة إنتقلت من الهامش إلى قلب المشهد لأنها دفعت ثمناً مباشراً في معركة الدولة..
ولذلك فإن أي حوار جديد سيكون مضطراً..شاء أم أبى..إلى التعامل مع الشرعية التي صنعتها الحرب بقدر تعامله مع الشرعية السياسية التي سبقتها..
«عطاء من لا يملك»..
حين رفضت قوى صمود حتى فكرة العفو
أبرز ما حدث إزاء دعوة البرهان كان موقف قيادات مؤثرة في تجمع «صمود» وما حوله.. والتي رفضت فكرة عفو الرئيس باعتباره.. في تقديرها «عطاء من لا يملك»..
والأهم من مضمون الرفض نفسه هو الأساس الذي قام عليه..عدم الإعتراف أصلاً بشرعية الرجل أو الحكومة..
وهذا تطور سياسي مهم للغاية.. لأن من لا يعترف بشرعية الجهة التي تقدم العفو..لا يمكن ببساطة إغراؤه بالعفو أو إسقاط التهم أو المغازلة السياسية..
وبذلك فإن الدعوة.. بدلاً من أن تؤدي فوراً إلى تقليص مساحة الخصومة.. كشفت عن عمقها..
لقد بدا أن المشكلة ليست في التهم فقط..ولا في إجراءات قانونية يمكن إسقاطها بقرار الحوار..مشكلة هذا التيار في الموقف السياسي والفكري من بنية السلطة نفسها..
وهذا يعني أن محاولات المغازلة السياسية قد لا تكون كافية مع تيار يرى أن المعركة تتعلق بشرعية وجود الدولة القائمة وتركيبتها وليس فقط بأسماء الموجودين فيها..
ويمكن بذلك إستخلاص إحدى أهم نتائج الدعوة..التي لقد أعادت تعريف الخلاف بصورة أكثر وضوحاً..وأظهرت أن بعض القوى لا تزال تنظر إلى العلاقة مع الدولة باعتبارها علاقة خصومة على أصل الشرعية.. وليس مجرد إختلاف في إدارة المرحلة الإنتقالية..
الشارع يدخل المعادلة..والرفض الشعبي قد يكون أقوى من قرار الدولة..
أما المفاجأة الأهم..والأبرز فقد جاءت من الشارع السوداني في الداخل..
فقد إستغرب قطاع واسع من السودانيين دعوة البرهان إلى تقريب قوى يرى أنها تحمل مواقف مبدئية من وجوده وشرعيته.. بل أن بعضها قاتل أو تحرك سياسياً إلى جانب المتمردين على الدولة..بينما جرى في المقابل إستبعاد أو التضييق على قوى حملت السلاح إلى جانب الدولة ومؤسساتها وشرعيتها..
لا يمكن تجاهل حقيقة سياسية جديدة فرضتها الحرب..
الشارع لم يعد متفرجاً على عملية التسوية..
لقد دفع المواطن السوداني ثمن الحرب من دمه وبيته وماله وأمنه ومستقبله..ولذلك أصبح أكثر حساسية تجاه أي ترتيبات سياسية قد تعيد إنتاج الوجوه أو القوى التي يرى أنها كانت جزءاً من الأزمة..
والرسالة التي بدأت تتشكل في الداخل واضحة.. العفو السياسي لا يعني بالضرورة القبول الشعبي..
فالدولة تستطيع.. من حيث المبدأ..أن تصدر عفواً.. وأن تسقط إتهامات..وأن تفتح أبواب الحوار.. لكن المجتمع يستطيع في المقابل أن يرفض إعادة إنتاج هؤلاء في المجال العام..
ربما يكون البرهان قد أفلح ـ من حيث أراد أو لم يرد ـ في إجراء استفتاء وطني مباشر بلا صناديق إقتراع ولا كلفة سياسية أو مالية..
فمجرد طرح فكرة الحوار والعفو والإستثناءات أخرج المواقف الحقيقية إلى السطح..وأعطى الشارع فرصة ليقول بوضوح ما يريد وما لا يريد..
الرسالة التي خرجت من هذا الإستطلاع غير الرسمي تبدو شديدة الوضوح.. جزء كبير من الداخل السوداني لا يريد عودة من يعتبرهم مسؤولين عن الحرب أو متورطين في إستهداف الدولة والمجتمع..حتى لو شملهم عفو سياسي..
ما بين السطور.. هل يجري تجهيز السودان لمرحلة ما بعد الحرب؟..
السؤال أعلاه يوصلنا إلى الجزء الأكثر إثارة في المشهد..
ربما لا تكون القضية كلها في دعوة الحوار نفسها..إنما في ما ستأتي به بعد ذلك..
فالمواقف المتسارعة.. والبيانات المتداخلة.. والتحركات السياسية والإعلامية.. والضغوط الدولية.. والحديث المتزايد عن شكل الدولة والعملية السياسية المقبلة.. كلها تشير إلى أن السودان يقف أمام مرحلة إعادة تشكيل واسعة..
قد تكون هناك ترتيبات يجري إعدادها بعيداً عن الأضواء..ليس بالضرورة باعتبارها صفقة جاهزة..بل باعتبارها محاولاتى لاختبار الممكن السياسي قبل إنتهاء الحرب أو بالتزامن مع اقتراب نهايتها..
الدولة تريد أن تعرف حدود المناورة..
والقوى السياسية تريد أن تعرف قواعد اللعبة الجديدة..
والشارع يريد أن يعرف من سيعود ومن لن يعود..
والخارج يريد صيغة سياسية يمكن التعامل معها..
أما الجيش والقوى التي قاتلت معه.. فتريد أن تعرف إن كانت التضحيات التي قدمتها ستتحول إلى وزن سياسي في السودان الجديد أم ستختفي لحظة إنتهاء المعركة..
هذه هي العقدة الحقيقية…
الحوار المطلوب ليس مجرد جمع المتخاصمين..
السودان لا يحتاج فقط إلى مؤتمر يجلس فيه الجميع حول طاولة واحدة..السودان يحتاج إلى تعريف جديد لقواعد المشاركة السياسية بعد الحرب..
من يشارك؟
بأي صفة؟
وبأي سجل؟
ومن يمتلك حق التمثيل؟
ومن يتحمل مسؤولية ما حدث؟
وكيف يمكن التفريق بين الخصومة السياسية المشروعة وبين المشاركة في مشروع إستهدف الدولة ومؤسساتها؟
هذه الأسئلة لا يمكن دفنها تحت شعار الحوار..
فالحوار الذي لا يجيب عن سؤال العدالة..والشرعية.. والمسؤولية.. وتضحيات الحرب.. سيعيد إنتاج الأزمة بصورة أخرى.
وربما تكون دعوة البرهان..بكل ما أثارته من جدل قد حققت شيئاً مهماً للغاية..كشفت أن السودان لم يعد مستعداً للعودة ببساطة إلى ما قبل الخامس عشر من أبريل..
وهذه ربما تكون أهم رسالة خرجت من العاصفة السياسية التي أعقبت التصريحات..
فالسودان المقبل لن يكون نسخة من السودان السابق..
والمعادلة الجديدة لن تُكتب فقط في غرف السياسة ..ولا بيانات الأحزاب ولا في العواصم الخارجية..معادلة السودان القادم ستكتب أيضاً في وعي الشارع.. وفي موازين القوى التي صنعتها الحرب.. وفي سؤال جوهري لم يعد ممكناً الهروب منه..
من يملك حق صناعة السودان بعد أن دفع السودانيون كل هذا الثمن؟
وهنا تحديداً يصبح الحوار ضرورة..
لكن الحوار الذي يعيد بناء الدولة بعيداً عن تدوير الأزمة.




