البرهان.. الجيش لا يحكم بالوكالة ولا يتراجع عن الدولة

هوامش السيادة

بقلم/ أبوذر عوض الكريم أحمد

 

لم يكن خطاب البرهان في عيد القوات المسلحة الثاني والسبعين خطاب مناسبة عابرة، ولا كلمات احتفال تُقال ثم تُطوى؛ كان خطاباً يحمل رسائل متعددة، بعضها للداخل، وبعضها للخارج، وبعضها للذين ما زالوا يراهنون على أن السودان يمكن أن يُدار من خلف الستار.

 

أول الرسائل وأكثرها وضوحاً: *الجيش باقٍ في موقعه الوطني، والحرب لم تنتهِ سياسياً لمجرد أن صوت البنادق قد يهدأ في بعض الجبهات.*

 

البرهان قالها صريحة: *المضي في استكمال تطهير أرض السودان من مليشيا آل دقلو، وأن المليشيا وداعميها إلى زوال.*

 

لكن الأهم أنه لم يغلق باب السلام.

*وهنا تكمن قوة الخطاب.*

سلام نعم… ولكن ليس سلاماً يعيد المليشيا إلى السلطة، ولا سلاماً يكافئ من حمل السلاح على الدولة، ولا سلاماً يُعاد فيه إنتاج الأزمة بالوجوه ذاتها والأدوات ذاتها.

 

ثم انتقل البرهان إلى الملف السياسي، وهنا ظهرت الرسالة التي تستحق التوقف طويلاً.

 

الدولة، بحسب الخطاب، لا تريد أن تكون صاحبة الحوار، ولا أن تفرض أجندته، ولا أن تتحكم في مخرجاته.

 

*حوار سوداني… من الداخل… للسودانيين.*

وهذه في حد ذاتها رسالة إلى أولئك الذين اعتادوا حمل قضايا السودان إلى عواصم الخارج، ثم العودة بوصفات جاهزة وكأن الشعب السوداني مجرد متلقٍ لقرارات الآخرين.

السودان يقول اليوم: كفى وصاية.

واللافت أيضاً أن البرهان تحدث عن القوى الوطنية والفئوية التي ساندت الدولة ووقفت إلى جانب القوات المسلحة، وأعلن البدء في إشراكها في استكمال مؤسسات الحكم، بما في ذلك المجلس التشريعي.

هذه ليست جملة عابرة.

إنها إعادة تعريف للمعادلة السياسية على أساس الموقف من الدولة، لا على أساس رضا العواصم الخارجية، ولا على أساس التصنيفات الأيديولوجية التي استُهلكت حتى فقدت معناها.

 

من وقف مع السودان في محنته لا يمكن أن يُعامل كأنه كان خارج المشهد، ومن اختار الاصطفاف مع مشروع تفكيك الدولة لا يمكن أن يطالب بمكافأة سياسية بعد الحرب.

 

والأهم من ذلك كله أن البرهان تحدث عن الحريات، وعن حوار مفتوح لا يُخنق فيه الرأي، ولا تتحول فيه المشاركة إلى فخ قانوني.

 

وهنا تظهر صورة الدولة التي يريدها الخطاب:

جيش يحميها، وشعب يشارك في بنائها، وحوار يحدد مستقبلها، لا بندقية تفرضه ولا عاصمة أجنبية تمليه.

 

أما الرسالة إلى الخارج فهي أكثر وضوحاً:

*السودان لن يكون مشروعاً سياسياً لأحد.*

 

لا أبوظبي ترسم مستقبله، ولا عواصم أخرى تكتب له دستوراً، ولا جماعات مسلحة تفرض نفسها على الدولة بقوة السلاح.

*السودان للسودانيين.*

وإذا كان الجيش قد حمل عبء الحرب، فإن المرحلة المقبلة تفرض عليه أن يحمل أيضاً عبء بناء الدولة الحديثة؛ جيشاً أكثر قوة، وأكثر احترافاً، وأكثر قدرة على حماية الحدود والسيادة ومواجهة تحديات المستقبل، كما أكد البرهان في خطابه. ويتوافق ذلك مع حديثه السابق عن إعادة بناء القوات المسلحة بعد الحرب على أسس مختلفة في الكفاءة والتجهيز والتنظيم.

 

ومن هنا نفهم لماذا كان حديثه عن مثلث الاستقرار بالغ الأهمية:

*الجيش… الشعب… النخب.*

فالجيش وحده لا يبني دولة، والسياسة وحدها لا تحمي دولة، والشعب وحده لا يستطيع أن يحمل كل أثقال الدولة.

 

لكن حين تلتقي هذه المكونات تحت راية واحدة، يصبح السودان أقرب إلى استعادة عافيته.

 

والرسالة الأعمق في خطاب البرهان أن معركة السودان لم تعد فقط مع مليشيا تحمل السلاح؛ بل مع فكرة الدولة المختطفة، ومع الوصاية الخارجية، ومع إعادة إنتاج السودان القديم بأدوات جديدة.

 

لذلك فإن المرحلة القادمة ليست مرحلة توزيع الغنائم السياسية.

إنها مرحلة إعادة تأسيس الدولة.

ومن ظن أن انتهاء الحرب يعني بداية موسم المحاصصة، فقد أخطأ قراءة اللحظة.

 

السودانيون الذين دفعوا الدم والمال والنزوح لا يريدون أن تنتهي الحرب لتبدأ حرب أخرى على الكراسي.

*يريدون دولة.*

يريدون أمناً. يريدون جيشاً وطنياً قوياً ..

ويريدون سياسة لا تُدار من السفارات.

وهنا بالضبط يصبح خطاب البرهان أكثر من خطاب قائد عام في عيد الجيش؛ يصبح إعلاناً عن قاعدة المرحلة المقبلة:

لا عودة للمليشيا إلى السلطة، ولا وصاية على السودان، ولا إقصاء لمن وقف مع الدولة، ولا تفويض مفتوح لمن يريد اختطاف الحوار.

أما الجيش، فمهمته التي أكدها البرهان بوضوح، أن يبقى جيش السودان؛ لا حزباً، ولا جماعة، ولا أداة في يد جهة.

 

جيش السودان… يحمي الدولة، ولا يُباع.

يحمي الشعب، ولا يُستبدل.

ويحرس السيادة، ولا يسمح لأحد أن يرسم حدودها نيابةً عن السودانيين.

*هوامش السيادة*

السودان الخارج من هذه الحرب لن يكون هو السودان الذي دخلها.

والذين لم يفهموا ذلك بعد… عليهم أن يعيدوا قراءة خطاب البرهان مرة أخرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى