الوطن الذي يسترد قراره لا يحتاج إلى وصاية أحد

هوامش السيادة
بقلم/ أبوذر عوض الكريم أحمد
ثمة رسائل لا تحتاج إلى بيانات طويلة حتى تُفهم. يكفي أن تظهر مسيّرة على تخوم البلاد، فتُسقطها المضادات، ثم تبدأ الأسئلة الكبرى: من أين جاءت؟ من يملك قرار تشغيلها؟ وما الذي يريده صاحبها من إرسالها إلى سماءٍ تعرف جيداً أن حدودها لا تُدار بالصدفة؟
*إسقاط مسيّرة في منطقة دندرو، وفق ما أعلنه الجيش، ليس تفصيلاً عسكرياً معزولاً عن المشهد.*
المعركة تجاوزت خطوط الاشتباك التقليدية. السلاح صار يحمل رسائل سياسية، والحدود تحولت إلى مساحة اختبار للإرادات، وكل حركة على الأطراف يمكن أن تكون جزءاً من حساب أكبر من الجغرافيا نفسها.
*هنا تظهر قيمة الدولة.*
الدولة لا تُقاس بعدد البيانات التي تصدرها مؤسساتها، ولا بكثرة التصريحات التي تتحدث عن السيادة. السيادة تُقاس بقدرة الدولة على معرفة ما يدخل مجالها، ومن يقف خلفه، وكيف ترد، ثم كيف تضع الرد داخل مسار سياسي ودبلوماسي يحفظ مصالحها.
لهذا تبدو التحركات الخارجية جزءاً من المعركة ذاتها. وزارة الخارجية أعلنت أخيراً مساراً لتنسيق التحرك الإقليمي والدولي وتعزيز موقف البلاد أمام الأمم المتحدة، مع متابعة الملفات المطروحة أمام المؤسسات الدولية.
*وهذه نقطة تستحق الانتباه.*
الميدان وحده لا يصنع دولة منتصرة، كما أن الدبلوماسية وحدها لا تحمي دولة محاصرة. القوة العسكرية تحتاج إلى ظهر سياسي، والقرار السياسي يحتاج إلى قوة تحمي حدوده، والدبلوماسية الناجحة تعرف كيف تحول الحقائق الميدانية إلى مواقف قانونية وسياسية قابلة للدفاع عنها.
*ذلك هو الامتحان الحقيقي للمرحلة المقبلة.*
الحديث عن نهاية الحرب صار أكثر حضوراً، لكن الطريق إلى السلام لا يمر عبر تسوية تُبقي أسباب الانهيار حية. المطلوب مسار واضح يعيد تأسيس الدولة، ويضع السلاح خارج المعادلة السياسية، ويمنح المؤسسات الوطنية حقها الكامل في إدارة البلاد.
الخطاب الذي يساوي بين الدولة والمليشيا يظلم الحقيقة قبل أن يظلم الدولة. فالمشكلة الجوهرية لا تتعلق بأسماء الأطراف وحدها، بل بمبدأ أكبر: من يملك حق استخدام القوة؟ ومن يقرر الحرب والسلام؟ ومن يحتكر القرار السيادي؟
*تلك أسئلة لا تحتمل الرمادية.*
وقد كان لافتاً كذلك حديث رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان عن استمرار المعركة حتى إنهاء التمرد، في ظل عمليات عسكرية تستهدف خطوط الإمداد.
الرسالة هنا واضحة: المعركة لم تعد بحثاً عن مكسب تكتيكي محدود، بل صراعاً على شكل الدولة نفسها.
ومن هذه الزاوية، يصبح التعامل مع الحدود، والمسيّرات، والإمداد الخارجي، والتحركات الإقليمية، والملف الأممي، أجزاء من لوحة واحدة.
البلاد تحتاج إلى عقل دولة كامل؛ عقل يرى الجبهة العسكرية والاقتصاد والدبلوماسية والإدارة والخدمة العامة باعتبارها خطوطاً متصلة في معركة واحدة.
*فالسيادة لا تُكتب على الورق.*
السيادة قرار يُحمى، وحدود تُصان، ومؤسسات تعمل، واقتصاد يستعيد عافيته، ودبلوماسية تعرف مصالح البلاد ولا تستعير مواقفها من أحد.
ومن يظن أن الحرب تنتهي بمجرد توقف إطلاق النار، قد يكتشف أن أصعب المعارك تبدأ بعد صمت المدافع: معركة إعادة بناء الدولة، واسترداد القرار، وترميم الاقتصاد، وإغلاق أبواب التدخل الخارجي.
هناك، تحديداً، تُختبر قيمة الانتصار.
لكن المشهد يحمل سؤالاً آخر، ربما هو الأهم: من يكتب الصفحة التالية؟
ثلاث سنوات من الحرب كانت كافية لتكشف أشياء كثيرة. كشفت هشاشة المؤسسات، وكشفت شهية الخارج تجاه الجغرافيا السودانية، وكشفت كذلك أن بعض الأصوات التي ارتفعت باسم السلام كانت تبحث عن مكان لها على مائدة السياسة أكثر مما تبحث عن طريق آمن للبلاد.
وهذه صفحة لا ينبغي أن تُطوى سريعاً.
السلام الذي يستحق اسمه لا يحتاج إلى وسطاء يتحدثون نيابة عن السودانيين، ولا إلى غرف مغلقة تُرسم فيها الخرائط السياسية ثم تُرسل إلى الداخل جاهزة للتوقيع.
الحوار الوطني الذي طُرحت فكرته أخيراً يمكن أن يكون باباً مهماً، إذا دخلته القوى السياسية بعقل الدولة لا بعقل الغنيمة. فقد أعلن البرهان موافقته على توفير الضمانات اللازمة لحوار سوداني شامل، مع التأكيد على استقلال الحوار عن الدولة وعدم تدخلها في أجندته أو مخرجاته.
*وهنا مربط الفرس.*
السودانيون لا يحتاجون إلى نسخة جديدة من صراعات النخب، ولا إلى حفلة سياسية أخرى يتبادل فيها السياسيون المقاعد والمواقع، بينما المواطن يبحث عن مدرسة مفتوحة، ومستشفى يعمل، وطريق آمن، وجنيه يحتفظ ببعض قيمته.
الوطن أكبر من الحكومة، وأبقى من الحزب، وأعز من الكرسي.
ولذلك فإن أي حوار قادم ينبغي أن يبدأ من سؤال المواطن، لا من سؤال السياسي: ماذا فعلت الحرب بهذا البلد؟ وكيف نعيد إليه عافيته؟ وكيف نمنع تكرار الكارثة؟
أما الخارج، فله مصالحه، وهذه طبيعة السياسة. الدول لا تتحرك بالصداقات وحدها، ولا بالمجاملات. تتحرك وفق حساباتها ومصالحها وأمنها القومي.
والدولة الذكية تعرف ذلك جيداً.
تستقبل الصديق باحترام، وتستمع إلى الوسيط، وتتعامل مع المجتمع الدولي، لكنها لا تسلم مفتاح بيتها لأحد.
وهنا تحديداً تصبح السيادة أكثر من شعار.
هي أن تعرف الدولة حدود الصداقة، وحدود الوساطة، وحدود النصيحة، وحدود الضغط.
مجلس السلم والأمن الأفريقي أكد أخيراً احترام سيادة السودان ووحدة أراضيه ورفض التدخل الخارجي ومحاولات إنشاء كيانات أو حكومات موازية.
هذا الموقف، مهما اختلفت القراءات حول الاتحاد الأفريقي، يجب أن يُستثمر سياسياً. فالسيادة التي تجد اعترافاً إقليمياً تحتاج إلى دبلوماسية تحول الاعتراف إلى موقف دائم، وإلى عمل مؤسسي يجعل وحدة البلاد حقيقة سياسية وقانونية لا مجرد عبارة جميلة في البيانات.
والأجمل من ذلك كله أن يفهم السودانيون أنفسهم معنى هذه السيادة.
فالبلاد لا تُحفظ بالشعارات وحدها.
تحفظها مؤسساتها، وجيشها، وقضاؤها، واقتصادها، وإعلامها، ومدارسها، وموانئها، وحدودها، ووعي مواطنيها.
وحين يستقيم هذا البناء، يصبح التدخل الخارجي أصعب، وتصبح محاولات صناعة الوكلاء أكثر كلفة، وتصبح طاولة التفاوض مكاناً لتبادل المصالح لا مكاناً لتوزيع الوطن.
نحن أمام لحظة تحتاج إلى هدوء العقل أكثر من ارتفاع الصوت.
لحظة تحتاج إلى رجال دولة يعرفون أن التاريخ لا يسأل كثيراً عن عدد المؤتمرات التي عُقدت، بل يسأل: ماذا بقي من الدولة بعد العاصفة؟
والإجابة لا تُكتب في قاعات الفنادق.
تُكتب على الأرض.
تُكتب في عودة النازح إلى داره، وفي عودة الطالب إلى مدرسته، والطبيب إلى مستشفاه، والمزارع إلى حقله، والموظف إلى مكتبه، والتاجر إلى سوقه، والجندي إلى ثكنته بعد أن يؤدي واجبه.
تلك هي صورة الدولة التي نريد.
دولة لا تُدار بالمليشيات، ولا تُختطف بالأحزاب، ولا تُرتهن للخارج، ولا تتحول إلى جائزة يتقاسمها المتخاصمون.
دولة تعرف أصدقاءها، وتحترم جيرانها، وتحمي حدودها، وتفاوض من موقع الندية، وتختلف مع الآخرين دون أن تفقد بوصلتها.
فالسيادة في نهاية المطاف ليست كلمة تُقال في خطاب؛ السيادة أن يكون للبلاد صاحب قرار.
وإذا كان للحرب درس كبير، فهو أن الأوطان التي تضعف مؤسساتها تصبح مطمعاً لكل طامع، وأن الفراغ لا يبقى فارغاً طويلاً؛ يأتي من يملؤه.
لهذا فإن معركة الدولة بعد الحرب لن تكون أقل أهمية من معركة السلاح.
قد تكون أصعب.
لأن بناء الدولة يحتاج صبراً، وصدقاً، ورجالاً لا يبحثون عن نصيبهم من الخراب، بل عن نصيب الوطن من المستقبل.
*هوامش السيادة*
الدولة التي تعرف ماذا تريد، يصعب أن يُرسم مستقبلها على طاولة الآخرين.
والوطن الذي يسترد قراره، لا يحتاج إلى وصاية أحد.



