الاتحاد الأفريقي.. منبرٌ أفريقي أم غرفة انتظار للقوى العابرة للقارات؟

هوامش السيادة
بقلم/ ابوذر عوض الكريم احمد
من يحرّك قطع الشطرنج في أديس أبابا؟
ومن يملك اليد الخفية فوق رقعة القرار الأفريقي؟ ومن الذي يحرّك الاتحاد الأفريقي؟ ومن الذي وضعه على رقعة الشطرنج؟
فقد صار الاتحاد، في بعض مواقفه، مثل قطع الشطرنج؛ تتحرك القطعة من أديس أبابا، لكن اليد التي تدفعها ليست دائماً أفريقية! والسودان يعرف اللعبة. يعرف كيف يصرخ الاتحاد عند انفجار القذيفة، ثم يبتلع لسانه أمام رحلة السلاح.
كيف يستنفر عند ارتداد النار، ثم يتلعثم أمام من أوقدها.. كيف تتحول السيادة إلى نشيد رسمي حين يكون المطلوب تأنيب السودان، ثم تصبح كلمة مهجورة حين تُفتح الممرات والحدود والمطارات أمام الإمداد والسلاح والمرتزقة. الاتحاد الأفريقي الذي انشغل بقصف متحرك المليشيا داخل تشاد، يعرف تماماً أن السودان ظل يطرح سؤال الحدود منذ سنوات: من أين دخلت الأسلحة؟ وكيف تحولت مليشيا إلى جيش عابر للحدود؟ ومن الذي فتح لها أبواب السماء والأرض؟السؤال لا يحتاج إلى مزيد من الدبلوماسية يحتاج إلى ضمير. والضمير، على ما يبدو، أصبح سلعة نادرة في أروقة الاتحاد الأفريقي. كيف يستنكر الاتحاد الأفريقي قصف متحرك لمليشيا ارتكبت أبشع الجرائم والإبادات العرقية في دارفور، بينما ظل صامتاً طوال أعوام عن فتح الأراضي والممرات أمام الإمدادات التي أبقت آلة الحرب تعمل؟ أين كان صوتكم؟ أين كانت بياناتكم النارية؟ أين كانت لجانكم ؟ أين كانت آلياتكم التي لا تتعب من إنتاج المؤتمرات ولا تنجح في إنتاج موقف؟
أم أن بعض الحدود تستحق الحراسة لأنها حدود دول بعينها، بينما حدود السودان مجرد ممر مفتوح للمغامرين والسماسرة ومهندسي الفوضى؟ هل المشكلة في القذيفة التي سقطت؟ أم في الحقيقة التي سقطت معها؟
هل السيادة مقدسة في تشاد، ومؤجلة في السودان؟ هل حدود الآخرين خط أحمر، وحدود السودان مجرد خطوط بالقلم الرصاص؟
إن كان الاتحاد الأفريقي صادقاً في دفاعه عن سيادة الدول، فليكن صادقاً مع السودان. السيادة لا تتجزأ. والحدود لا تكون مقدسة في بيان، ثم تصبح مباحة في ملف آخر. أما دويلة الإمارات، فقد تجاوزت مرحلة التلميح. لم يعد الأمر مجرد نفوذ اقتصادي، ولا مجرد استثمارات، ولا مجرد علاقات دبلوماسية. هناك مشروع نفوذ يزحف في القارة مواني وذهب وشركات وسواحل وقواعد وشبكات مصالح ومرتزقة .. وخرائط تُعاد قراءتها بأقلام ليست أفريقية. والمشكلة ليست في أن الإمارات دولة صغيرة. المشكلة في أن بعض صغار الخرائط يحاولون إنتاج كبار في النفوذ فوق دماء الآخرين! تريدون أن تبدوا عمالقة؟ ابنوا ما تشاؤون في بلدكم. ارفعوا ناطحات السحاب حتى تعانق الغيوم. لكن لا تجعلوا جماجم السودانيين طوابق إضافية في برج النفوذ.. لا تجعلوا دارفور فاتورة توسع. لا تجعلوا السودان حقل تجارب للمليشيات والسماسرة ومقاولي الدم. ولا تظنوا أن صغر المساحة يمنحكم حق التمدد فوق خرائط الآخرين. السودان ليس شركة معروضة للبيع ، ولا مزاداً ولا صفقة .. ولا بنداً سرياً في اجتماع مغلق. ولا خريطة قابلة للتعديل وفق شهية من يدفع أكثر. كيف تستضيف مؤسسة أفريقية الإمارات عضواً مراقباً ؟! بينما تمد مليشيا آل دقلو مليشيا تمزق دولة أفريقية مؤسسة للاتحاد نفسه؟!! كيف يجلس المتهم في غرفة المراقبة، بينما يُترك صاحب الدم خارج الحساب ومن يملك المال، هل يملك الحق في شراء الصمت أيضاً؟ لقد صار السؤال مشروعاً: هل الاتحاد الأفريقي مؤسسة مستقلة؟ أم مجرد رقعة شطرنج كبيرة، تتحرك عليها القطع وفق حسابات من يملك المال والنفوذ؟ مؤسسة كان ينبغي أن تكون الحارس الأخير لاستقلال أفريقيا، فإذا بها في لحظات كثيرة تبدو كأنها حارس بوابة؛ يفتحها للقوي ويغلقها في وجه الضعيف.؟! والمفارقة أن الاتحاد الذي أُنشئ على أنقاض الاستعمار، يبدو في بعض مواقفه وكأنه نسي أن الاستعمار لا يعود دائماً بالبوارج. أحياناً يعود بطائرة شحن، أحياناً يعود بعقد استثمار ! أحياناً يعود بشركة واجهة ، وأحياناً يعود بمليشيا .! وأحياناً يعود إلى أفريقيا وهو يرتدي قناع «الشريك»! أما دويلة إثيوبيا….!! فهنا تسقط الأقنعة أكثر. إثيوبيا التي قررت أن تفتح أبواب أديس أبابا لاستقبال حميدتي. استقبلته صافحته وجلست معه ومنحته الصورة والمنصة .. وهو قائد مليشيا اُرْتُكِبَتِ الموبقات وأفظع الجرائم ضد شعبنا .. أي رسالة أراد آبي أحمد أن يرسلها إلى السودان؟ وأي استقرار يبحث عنه مع رجل كانت ميليشياته تحرق المدن والقرى وتدفع ملايين السودانيين إلى النزوح؟ وأي «سلام» يمكن أن يبدأ من يد رجلٍ ملطخة بالدماء؟ أيها الإثيوبيون… لا تختبروا صبر السودان. صبر السودانيين ليس ضعفاً. وهدوء السودان ليس عجزاً. والصمت السوداني ليس جهلاً بما يدور حوله.. نحن نري ونسمع ونسجل ونعرف من فتح الباب ومن مد الحبل ، ومن أضاء الطريق ومن جلس على المائدة مع من يعبث بأمن السودان.!! والذين يراهنون على أن القوات المسلحة وحدها ستخوض المعركة، لم يفهموا السودان. الشعب السوداني نفسه قوة. الشعب الذي يصنع الجيوش قادر على حماية جيشه. والشعب الذي صبر على المليشيا والمؤامرات والجوع والنزوح، ليس شعباً تخيفه الصور الدبلوماسية ولا الموائد السياسية. فلا يظن آبي أحمد أن السودان سيظل متفرجاً إلى الأبد بينما تستباح مصالحه وتُستفز مشاعره الوطنية. لا أحد يدعو إلى حرب عبثية مع الشعب الإثيوبي. الشعوب ليست العدو. لكن من يقرر استخدام أمن السودان ورقة في صراعاته، ومن يفتح الأبواب أمام من يستهدف السودان، يجب أن يعرف أن للصبر حدوداً وللصمت نهاية. وإذا كان آبي أحمد يعتقد أن اللعب على حافة النار سيكسبه شيئاً، فعليه أن يتذكر أن النار لا تعرف جواز السفر. ومن يعبث باستقرار السودان لا يملك ضمانة أن تبقى حدود بلاده بعيدة عن ارتدادات الفوضى. هذه ليست دعوة للفوضى ، هذه حقيقة التاريخ ..! من يزرع النار على حدود الآخرين لا يحق له أن يطلب من الريح أن تختار الاتجاه.. والشعب السوداني، إذا أراد الدفاع عن مصالحه، يملك خيارات كثيرة. ولا أحد يستطيع أن يمنع شعباً حراً من البحث عن كل الوسائل المشروعة لحماية وطنه ومواجهة من يهدد أمنه.. والرسالة التي يجب أن تصل إلى أديس أبابا واضحة: كفى اختباراً لصبر السودان. لقد دخلتم خط النار سياسياً ، وبإرادتكم … فلا تتفاجأوا إذا تغيرت لغة السودان.
السودان لم يعد يتحدث بلغة الاستجداء.
ولا ينتظر شهادة حسن سلوك من أحد.
ولا يطلب من أحد إذناً للدفاع عن أرضه.
ومن يفتح على السودان باب الفوضى، عليه أن يتذكر أن الفوضى لا تعرف عنواناً واحداً..!!؟
ومن يراهن على تمزيق السودان، فليقرأ تاريخ المنطقة جيداً.
لا أحد يستطيع أن يصنع انهياراً في الخرطوم ويضمن أن الخرائط من حوله ستبقى ثابتة.
وحين تضيق الخيارات، لا يعود السؤال:
كيف نرضي الاتحاد الأفريقي؟
ولا: كيف نقنع دويلة الإمارات ؟ ولا :
كيف نطلب من إثيوبيا أن تحسن الجوار؟
السؤال يصبح: كيف نحمي السودان ؟ وبأي قوة ؟ وبأي قرار ؟ وبأي ثمن ؟ هنا فقط، يجب أن يفهم الجميع أن السودان ليس دولة تبحث عن شهادة حسن سلوك من أحد.. نحن لا نطلب إذناً للدفاع عن وطننا. ولا ننتظر مباركة مؤسسة مرتبكة.
ولا نحتاج إلى دروس في السيادة ممن تذكروا الحدود بعد أن صار السلاح على أبوابنا.. نحن نكون … أو لا نكون .. والاختيار حُسم منذ أن قررت المليشيا أن تفتح أبواب الجحيم.. سنكون ، بقواتنا المسلحة وبشعبنا وبمقاومتنا .. بأهل السودان في كل مدينة وقرية وحي. سنكون لأن البديل ليس مجرد هزيمة عسكرية.
البديل هو ذبح الدولة. والسودان الذي نعرفه لا يُذبح وهو واقف.
أما الاتحاد الأفريقي، فإن أراد أن ينقذ ما تبقى من احترامه، فليتوقف عن إدارة الأزمة من آخر مشهد. أوقفوا السلاح قبل أن تدينوا الرصاص. أغلقوا الممرات قبل أن تكتبوا بيانات القلق.
حاسبوا من يغذي المليشيا قبل أن تسألوا السودان لماذا يقاتل. واسألوا أنفسكم سؤالاً واحداً: هل أنتم اتحاد لأفريقيا؟ أم غرفة انتظار لمصالح من يملكون المال ويبحثون عن الخرائط؟
أما دويلة الإمارات… فالسودان ليس لقمة صغيرة في مشروع نفوذ كبير. وليس الذهب أغلى من الدم ، وليست المواني أهم من الأوطان .. والسودان الذي نُهبت موارده واغتيل أمنه، لن يسلّم مستقبله في عقد استثماري ولا في صفقة سياسية ولا على موائد السماسرة.
اما دويلة إثيوبيا : فليتوقف البعض عن اختبار صبر السودان. الصبر السوداني ليس ضعفاً ، والهدوء السوداني ليس عجزاً .. والسوداني الذي يصمت وهو يرى وطنه يُطعن، لا يعني أنه لا يعرف أين أتت الطعنة ومن يحمل السكين. لقد سجلنا ، وسجلنا جيداً ومن اختار أن يقف مع مشروع تمزيق السودان، فقد اختار أن يقف في الجانب الخطأ من التاريخ. والتاريخ… يا سادة لا ينسي ولا يجامل ولا يمنح صكوك البراءة للأقوياء وقد تدور الدوائر لكنها حين تدور لا تستأذن أحداً.



