المواقف لا تُقاس بعد انتهاء الخطر

هذا قولي
بقلم/ هيثم حسن السوباط
في خضم الحروب والأزمات، تظهر معادن الناس، وتتضح مواقفهم بصورة ربما لا تحتاج إلى كثير من الشرح أو التبرير. فالحرب لا تختبر شجاعة المقاتلين وحدهم، وإنما تختبر كذلك مواقف المدنيين والإعلاميين والمثقفين والفنانين ورجال الأعمال وكل من وجد نفسه أمام واقع جديد فرض عليه أن يحدد موقعه، ولو بالصمت.
ومن بين المواقف التي تستحق التوقف عندها، موقف الفنانة ندى القلعة في بواكير الحرب، حين أعلنت موقفًا داعمًا للجيش، في وقت كانت فيه الخرطوم تعيش حالة من الاضطراب والخوف، وكانت الصورة بالنسبة لكثيرين غير واضحة، ولم يكن أحد يعرف إلى أين ستتجه الأحداث.
هذا الموقف، بحسب ما هو متداول، جعلها هدفًا للاستهداف من جانب قوات الدعم السريع، حيث تعرض مركزها ومنزلها للحرق، في رسالة قاسية لمن يعلن موقفًا مخالفًا للمليشيا في ذلك الوقت.
وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع ندى القلعة كفنانة، وبغض النظر عن تقييم تجربتها الفنية أو شخصيتها العامة، فإن الموقف السياسي والوطني في لحظة الخطر ينبغي أن يُناقش بمعزل عن الشخص نفسه. فالاختلاف مع الفنان لا يلغي موقفه، كما أن الإعجاب بفنان آخر لا يمنحه حصانة من النقد.
المفارقة أن كثيرًا ممن ينتقدون ندى اليوم كانوا، في بدايات الحرب، يتصرفون بطريقة مختلفة تمامًا. بعض التجار وأصحاب الأعمال والصحفيين وشيوخ الدين وغيرهم كانوا يسعون إلى إخراج سياراتهم ومقتنياتهم وأموالهم من الخرطوم، مستعينين بوساطات وعلاقات مع ضباط وقادة في المليشيا. وبعضهم اختار الصمت، ليس بالضرورة اقتناعًا بالمليشيا، وإنما خوفًا على نفسه وأسرته وممتلكاته.
ولا يمكن تجاهل أن الخوف في زمن الحرب مفهوم، وأن الإنسان قد يضطر إلى الصمت حفاظًا على حياته. لذلك لا ينبغي محاكمة كل من صمت بالمعيار نفسه؛ فالناس ليست سواء في قدرتها على مواجهة الخطر، وليس من السهل مطالبة المدني بأن يضع حياته وممتلكاته في مواجهة قوة مسلحة.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الصمت الذي فرضته ظروف الخوف إلى خطاب متعالٍ على الآخرين، أو عندما يُعاد تقييم المواقف القديمة وفق نتائج الحرب الحالية.
فبعض الأصوات التي كانت حذرة في البداية، أو اختارت الابتعاد عن المواجهة، أصبحت أكثر وضوحًا في دعم الجيش بعد أن تبدلت موازين القوى، وبعد أن تمكن الجيش من امتصاص صدمة البداية واستعادة زمام المبادرة في مناطق واسعة. وهنا يصبح من حق الناس أن تسأل: أين كان هذا الموقف عندما كان الإعلان عنه مكلفًا؟
المقصود ليس مطالبة الجميع بأن يكونوا أبطالًا، ولا التقليل من مخاوف من اختاروا حماية أنفسهم وأسرهم. وإنما المقصود هو أن نتعامل مع التاريخ بصدق، وأن نعرف أن المواقف التي اتخذها الناس في أصعب الأوقات لا ينبغي أن تُمحى بمجرد تغير الظروف.
الحرب ستنتهي يومًا، لكن الذاكرة ستبقى. وستظل مواقف الناس، سواء كانت شجاعة أو صمتًا أو انتهازية أو اضطرارًا، جزءًا من شهادتهم على تلك المرحلة.
لذلك فإن قضية ندى القلعة ليست قضية فنانة في مواجهة منتقديها، بقدر ما هي مثال على سؤال أكبر: هل نقيس المواقف بوقت اتخاذها، أم بنتائج الحرب بعد أن اتضحت الصورة؟
المواقف الحقيقية لا تُقاس عندما يصبح إعلانها آمنًا، وإنما تُعرف قيمتها عندما يكون ثمنها غاليًا.
ولهذا ستظل المواقف محفوظة، بغض النظر عن صاحبها، ومهنته، وشهرته، ومدى اتفاقنا أو اختلافنا معه.



