انتهى زمن «قالوا»

هوامش السيادة
بقلم/ أبوذر عوض الكريم احمد
في غرفة التحقيق، لم تكن القضية تحتاج إلى كثير من البلاغة. خرائط مفتوحة، ومسارات جوية وبرية وبحرية، وصور، وشهادات، ثم تبدأ التفاصيل في التراكم: مدافع هاوتزر عيار 155 ملم، وأنظمة دفاع جوي، ورادارات، ومركبات مدرعة، وذخائر، وسيارات لاندكروزر، وأزياء عسكرية، وإمدادات لا تقطع كل هذه المسافات لتصل إلى ساحة الحرب سيراً على الأقدام.
الطريق يبدأ خارج السودان، ويمتد عبر بوصاصو في الصومال، وبنغازي والكفرة والجفرة في ليبيا، وتشاد، ثم ينتهي في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع. طريق طويل، تتوزع محطاته بين البر والجو والبحر، لكن رائحته لا تخطئها الأنوف. ومن قلب هذه الخرائط يخرج السؤال الأهم: من الذي يقف في الخلف؟ هنا انتهى زمن «قالوا». انتهى زمن: هذه اتهامات سودانية. وانتهى زمن: هذه رواية جيش. وانتهى زمن: هذا إعلام حكومة. لأن الذي يتحدث الآن هو تقرير أممي يستند إلى أدلة تحققت منها بعثة مستقلة.
بعثة أممية قالت إن الأدلة التي تحققت منها، بما في ذلك إفادات شهود ذوي معلومات مباشرة، تمنح أسباباً معقولة للاعتقاد بوجود شبكة عابرة للحدود سهّلت العمليات العسكرية للمليشيا، عبر طرق جوية وبرية وبحرية مترابطة تربط بين أفراد وكيانات في الإمارات وتشاد وجنوب شرق ليبيا وبونتلاند الصومالية.
هذه وثيقة أممية تتحدث عن سلاح، وشبكات، ومسارات، وأفراد، وكيانات، وشهود، وصور موثقة. والمثير للغثيان أن بعض أبناء جلدتنا ظلوا، حتى هذه اللحظة، يمارسون مهنتهم المفضلة: إنكار الحقيقة حتى وهي تضع أصبعها في عينهم.
كلما تحدث السودانيون عن الدعم الخارجي قالوا: أين الدليل؟ وكلما قال الجيش: هناك سلاح، ردوا: دعاية. ومع ظهور المسيّرات، ارتفع السؤال نفسه: أين الإثبات؟ ومع كل حديث عن طرق الإمداد، جاء الصراخ المعتاد: هذه أكاذيب الحرب… أما الآن ؟
ها هو الدليل الذي ظلوا يطالبون به.. ثقيل كمدفع الهاوتزر. واضح كصورة السلاح. وموثق في تقرير أممي.
لكن مشكلتهم لم تكن يوماً في غياب الدليل.
مشكلتهم أن الدليل لا يتماشى مع الراتب.
ولهذا ظلوا يحرسون الكذبة.
دويلة الخمارات تمارس دورها، هذا مفهوم في حسابات المصالح والمال والسلطة.
لكن المثير للاشمئزاز حقاً أن تجد بين أبناء السودان من يتطوع لحراسة تلك المصالح، بلسانه، ومنصته، وقلمه، ثم يحدثنا عن الوطنية!
يا سلام!
السلاح يأتي من الخارج، والدم سوداني، والخراب سوداني، والنازح سوداني، والمدينة المدمرة سودانية، ثم تجد سودانياً واقفاً في الصف الآخر، مهمته الوحيدة أن يقول:
«لا دليل!»
يا لهذا الخراب الذي يلبس وجهاً سودانياً!
يا لهذا الضمير الذي ينحني للدولار حتى يفقد القدرة على رؤية الدم!
فالتقرير لم يتحدث عن شحنة عابرة ضلت طريقها… بل تحدث عن شبكة ..
والشبكة تعني أن الأمر أكبر من طائرة.
وأكبر من سيارة.
وأكبر من رحلة ليلية مشبوهة.
شبكة تمتد عبر الحدود، تربط مسارات الإمداد الجوية والبرية والبحرية، وتنقل السلاح والأفراد والإمدادات العسكرية، وتعزز قدرة المليشيا على مواصلة عملياتها في دارفور وكردفان ومناطق أخرى.
بصريح العبارة: هذه حرب لا تديرها بندقية المليشيا وحدها.
هناك من يشتري ومن يمؤل ومن ينقل ومن يفتح الطريق ومن يؤمّن الممر . ومن يجهز المنصة ..
ثم يأتي بعض العملاء ليحدثونا عن «وسيط محايد»!
والله إن من يمسك عود الثقاب بيد، ويكتب بيان السلام باليد الأخرى، يحتاج إلى نوع خاص من الوقاحة.
أما دويلة الخمارات، فقد ظنت طويلاً أن المال قادر على شراء كل شيء. تشتري المنصات والذمم وتشتري الأصوات وتشتري الذباب الإلكتروني. وتشتري من يقف من أبناء السودان نفسه ليغسل وجهها من دم السودان. لكن ما لا يُشترى بالدولار هو الحقيقة. وما لا تمسحه بيانات العلاقات العامة هو أثر السلاح. وما لا يغيره المال أن مدافع وذخائر وأنظمة عسكرية وجدت طريقها إلى حرب دمّرت السودان، وأن بعثة أممية قالت ما قالت بعد أن تحققت من أدلتها. وهنا، تصبح مهمة عملاء أبوظبي أصعب. بماذا سيكذبون بعد اليوم هل سيقولون إن الشهود مخطئون؟ أم إن الصور كاذبة؟ أم إن الخرائط «فلول»؟ أم إن مدفع الهاوتزر نفسه كان في إجازة سياحية بالسودان؟ لا نستبعد شيئاً. فمن باع ضميره مرة يستطيع أن يبيع اللغة في اليوم التالي، ثم يبيع التاريخ نفسه إذا جاءه العرض مناسباً. لكن التاريخ لا ينسى. ولا يكتب أسماء العملاء بحبر الرواتب. يكتبها بدم المدن، وبأسماء القتلي .. وبدموع النازحين. وبصورة أم سودانية تبحث عن ابنها وسط الخراب.
وستبقى لعنة هذه الحرب في رقاب الذين موّلوها، وفي رقاب الذين سهّلوا وصول أدواتها، وفي رقاب كل سوداني عرف الحقيقة ثم اختار أن يصبح بوقاً لمن يمد يد الحرب إلى وطنه.
هذه المرة، لا تسألوا: أين الدليل؟ الدليل وصل.. لا على لسان صحفي سوداني. ولا في خطاب سياسي. ولا في بيان عاطفي. ولا على لسان كوز… يا علوج! الدليل وصل إلى الأمم المتحدة. فماذا ستقولون الآن؟
هل ستخرجون لتتهموا مدافع الهاوتزر بأنها «فلول»؟
هل ستقولون إن الصور «منشورات كيزان»؟
هل ستكتشفون فجأة أن الشهود أيضاً من فلول النظام؟
أم ستبحثون عن «خبير» مرتزق يشرح لنا أن السلاح دخل السودان من تلقاء نفسه، وأن الطرق الجوية والبرية والبحرية كانت مجرد صدفة جغرافية؟ يا علوج، انتهى زمن «قالوا». هذه المرة لم يقلها «كوز». قالتها الأدلة. ثم وضعتها الأمم المتحدة في تقريرها.
لقد انتهى زمن الإنكار المريح. انتهى زمن دفن الرأس في رمال الدولار.
والباقي كله سيكتبه التاريخ. وتذكروا جيداً: السلاح الذي قتل السودانيين قد يأتي من الخارج…
لكن الخيانة الحقيقية أن تجد من أبناء السودان من يقف على النافذة، ويرشد القاتل إلى البيت. وتلك يا سادة… ليست عمالة عابرة. تلك خيانة ستبقى عاراً، حتى لو دُفعت قيمتها بالدولار. فالدولار قد يشتري اللسان… لكنه لا يستطيع أن يشتري قبراً محترماً في ذاكرة وطن.
هوامش السيادة
أما الذين ما زالوا يطوفون بين المنصات بحثاً عن ثغرة في الحقيقة، فنقول لهم: لا تتعبوا أنفسكم كثيراً. فالدليل هذه المرة لم يخرج من مطبخ «الفلول»، ولم تطبخه مخابرات السودان في ليلة سياسية طويلة، ولم تكتبه صحافة غاضبة تبحث عن عنوان.. الدليل أممي. والسلاح حقيقي. والدم سوداني. والممولون يعرفون أنفسهم. أما أنتم، يا حرّاس الكذبة، فخذوا ما بقي من رواتبكم واذهبوا إلى مراياكم. انظروا جيداً. قد ترون وجوهاً سودانية، لكن التاريخ لا يقرأ الملامح؛ التاريخ يقرأ المواقف.
والدولار الذي جعل من بعض الألسنة حراساً للسلاح، لا يستطيع أن يشتري ممحاة تمسح أسماء المدن من الذاكرة، ولا فاتورة تمحو صراخ الثكالى، ولا بطاقة راتب تمنح الخائن شرفاً بأثر رجعي.
سيبقى السؤال معلقاً فوق رؤوسهم: كم دولاراً يحتاج الإنسان كي يبيع بلاده؟ وكم دولاراً يحتاج كي يقف بعد ذلك أمام الناس، ويطالبهم بالتصفيق؟ أما السودان، فسيكتب حسابه بطريقته. والذين أشاروا للقاتل إلى البيت، لن تنقذهم البيانات، ولن تسترهم المنصات، ولن يغسل التاريخ أيديهم مهما أغرقوها في عطور العلاقات العامة. فالسودان قد يغفر لمن اختلف معه. وقد يصالح من خاصمه. لكنه لا ينسى من وقف على النافذة، ثم أشار للغريب إلى غرفة أطفاله. وهذه هي هوامش السيادة… وما تبقى من الحكاية، فليس هامشاً.



