تزييف الحقائق: تقرير HRC63 و HR1939 وفرض السلام التكافوي.. السودان في مرمى الخنق النهائي

بقلم/ د. عبد العزيز الزبير باشا

تمهيد: عندما يصبح الكذب وثيقة أممية

قبل أيام من انعقاد الجلسة القادمة لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، يقف السودان أمام أخطر اختبار في تاريخه الحديث. ليس اختبار بندقية ولا جبهة قتال، بل اختبار “حرب وثائق”.

 

يتزامن الآن ثلاثة ملفات في توقيت واحد وبقصد واحد: تقرير لجنة الخبراء 1591 الخاص بالعقوبات، وتقرير بعثة تقصي الحقائق التابع لمجلس حقوق الإنسان الدورة 63، ومشروع القرار الأمريكي HR1939. الثلاثة يلتقون في نقطة واحدة: نزع شرعية الدولة السودانية وفرض ما يسمى “السلام التكافوي”.

 

الخطر ليس في الاتهامات فقط. الخطر في أن هذه الاتهامات كاذبة، مفبركة، ومقصود بها تحويل الضحية إلى متهم، وتحويل المعتدي إلى شريك في الحكم. هذا هو جوهر “السلام التكافوي” الذي تحذر منه القيادة الوطنية منذ شهور.

 

أولاً: تقرير HRC 63 واتهاماته الكاذبة للقوات المسلحة السودانية

لقد طالعت فريقنا التقرير الأممي a-hrc-63-23 بدقة. والمفاجأة ليست في وجود الاتهامات، بل في منهج التزييف الممنهج الذي اعتمده التقرير.

 

التقرير ينسب للقوات المسلحة السودانية تهم “الاستهداف العشوائي للمدنيين” و”الاعتقال التعسفي” و”عرقلة المساعدات”. لكنه يتجاهل عمداً السياق كاملاً. يتجاهل أن الجيش يقاتل ميليشيا متمردة احتلت بيوت المواطنين والمستشفيات والمدارس وحولتها لثكنات عسكرية. يتجاهل أن أي عملية عسكرية في أي دولة في العالم ضد إرهابيين متحصنين وسط المدنيين تؤدي لخسائر. لكن التقرير يتعامل مع الأمر كأنه “جريمة” وليس “دفاع مشروع عن السيادة”.

 

الأخطر من ذلك أن التقرير يستخدم لغة “التكافؤ” بشكل متعمد وخبيث. العبارة التي تتكرر هي “جميع أطراف النزاع ارتكبت انتهاكات”. بهذه الجملة البسيطة يتم مسح الفرق بين الدولة وبين المليشيا. يتم مسح الفرق بين من يدافع عن الأرض والعرض، وبين من يغتصب وينهب ويقتل. هذا ليس توثيقاً. هذا تزوير سياسي مقصود لخلق أرضية “السلام التكافوي”.

 

أما التوصيات فهي فضيحة قانونية. يطالب التقرير بـ “تحقيق دولي مستقل” في جرائم الجيش، وبـ “رفع الحصانة” عن الضباط، وبـ “دمج وتسريح القوات تحت إشراف دولي”. بمعنى أوضح: نزع سلاح الدولة، وتسليم الأمن لقوة أممية، ومحاكمة من دافع عن الوطن. هذا ليس حقوق إنسان. هذا مشروع استعمار جديد بغطاء حقوقي.

 

ثانياً: HR1939 .. وثيقة تفكيك الدولة السودانية

إذا كان تقرير HRC يمهد أخلاقياً، فإن مشروع القرار الأمريكي HR1939 يمهد سياسياً وقانونياً. هذا المشروع ليس مشروع سلام كما يدعون. هو مشروع “هندسة سياسية” لتفكيك السودان.

 

البند الأول فيه يتحدث عن “المساءلة المتساوية”. أي مساواة بين جيش وطني تأسس قبل 100 عام وبين ميليشيا تكونت بالأمس. هذه جريمة في حق التاريخ وحق القانون. الغرض منها واضح: كسر هيبة الدولة حتى تقبل الجلوس مع المليشيا كند لند على طاولة واحدة.

 

البند الثاني يتحدث عن “الحماية الدولية للمدنيين”. والترجمة العملية لهذا البند هي نشر قوة أممية تحت الفصل السابع. أي احتلال ناعم. أي وضع ثروات السودان وحدوده وقراره السيادي بيد بعثة أجنبية. لقد جربنا هذا النموذج في دارفور وفي أبيي وفي غيرها. النتيجة كانت دائماً واحدة: فشل + تمدد للصراع + نهب للموارد.

 

البند الثالث يتحدث عن “الانتقال الشامل”. والترجمة هي فرض حكومة تكنوقراط من الخارج، ودمج المليشيا في الجيش بشروطها، وتقاسم الثروة مع أقاليم تحت مسمى “الحكم الذاتي”. هذه هي الصيغة العملية للسلام التكافوي. سلام لا ينتصر فيه الحق، بل ينتصر فيه من يملك البندقية ومن يملك الدعم الخارجي.

 

*ثالثاً: المجتمع الدولي الكذوب وثلاثة أكاذيب كبرى*

من يتابع أداء المجتمع الدولي في الملف السوداني يدرك أنه لا يتعامل معنا كدولة ذات سيادة. يتعامل معنا كساحة تجارب.

 

الكذبة الأولى: “نحن محايدون”. والحقيقة أن تقارير 1591 و HRC 63 ركزت 80% من الاتهامات على طرف واحد. وتجاهلت بالكامل جرائم النهب والاغتصاب والتهجير القسري التي وثقتها كاميرات المواطنين أنفسهم.

 

الكذبة الثانية: “نحن مع وحدة السودان”. والحقيقة أن HR1939 يفرض صيغ حكم لا مركزية وفيدرالية مقنعة وتقاسم ثروة. هذه ليست وحدة. هذا تقسيم ناعم على مراحل.

 

الكذبة الثالثة: “نحن مع الشعب السوداني”. والحقيقة أنهم هم من صنعوا الخنق الاقتصادي. هم من فرضوا العقوبات. هم من سمحوا بتهريب 8 مليار دولار ذهب سنوياً. هم من جففوا البنوك. ثم يأتون ليقولوا لنا “حكومتكم فاشلة”. إنهم يجوعون الشعب ثم يبتزونه بالجوع.

 

الحقيقة المرة هي أن المجتمع الدولي لا يريد سلاماً في السودان. يريد *استسلاماً*. يريد سودان ضعيف، مفك، تابع، يحرس مصالحهم ويوقع على اتفاقيات الذل.

 

*رابعاً: سيناريو الجلسة القادمة إذا واصلنا الصمت*

إذا لم نتحرك استباقياً قبل انعقاد الجلسة القادمة، فهذا هو السيناريو المرسوم لنا:

 

أولاً سيتم اعتماد تقرير HRC 63 وتثبيت “التكافؤ” كوثيقة رسمية في أرشيف الأمم المتحدة.

ثانياً سيتم الدفع بتمرير HR1939 وتحويله إلى خارطة طريق ملزمة للحكومة السودانية.

ثالثاً سيتم توسيع عقوبات لجنة 1591 لتشمل قطاعات النفط والذهب والبنوك.

والنتيجة النهائية هي أن السودان سيدخل تلك الجلسة وهو مكبل باقتصاد منهار وشعب جائع. وسيخرج منها بتوقيع على “السلام التكافوي” تحت الضغط.

 

هذا ليس تشاؤماً. هذا قراءة للواقع بناءً على ما حدث في بعض محيط المنطقة بالشرق الأوسط .

 

*خامساً: الرد الاستباقي السيادي – قبل فوات الأوان*

في الحروب الوجودية لا وقت للبيانات ولا للشجب. الوقت للقرار والتنفيذ. والرد على “حرب الوثائق” يجب أن يكون بوثائق وقرارات أقوى.

 

الخطوة الأولى: إعلان حالة الطوارئ الاقتصادية القصوى فوراً. لا يمكن أن نواجه خنقاً دولياً بحكومة لجان. نحتاج لمجلس أعلى للاقتصاد الحربي بصلاحيات مطلقة برئاسة السيد الرئيس.

 

الخطوة الثانية: حل “حكومة الألم” التي فشلت في إدارة أبسط ملفات المعيشة. تشكيل حكومة حرب رشيقة مهمتها الأولى هي الخدمات الأساسية و معاش الناس و دعم و إسناد المجهود الحربي و الإنتاجي .

 

الخطوة الثالثة: التعبئة العامة للإنتاج. قمح، ذرة، صناعة، وضربات أمنية قوية على شبكات تهريب الذهب التي تمول التمرد وتجوع الشعب.

 

الخطوة الرابعة: هجوم دبلوماسي استباقي. يجب أن نسبقهم للإعلام العالمي. يجب أن نفضح HR1939 قبل أن يمرروه. يجب أن نقول للعالم: السودان ضحية عدوان خارجي، وليس طرفاً في نزاع داخلي.

 

الخطوة الخامسة: إعلان رفض مسبق. أي قرار يفرض “تكافؤ” بين الجيش والميليشيا، أو يفرض “تدخلاً دولياً” هو اعتداء سافر على السيادة وسنعتبره لاغياً.

 

خاتمة: معركة الوعي هي معركة الوجود

يا سادة، “السلام التكافوي” لا يفرض بالدبابات فقط. يفرض بتقرير هنا، وعقوبة هناك، وشائعة في الإعلام، وجوع في السوق.

 

القاعدة التي يجب أن نحفظها: من يملك الاقتصاد في زمن الحرب، يملي شروط السلام.

وإذا انتظرنا حتى تجف خزائن الدولة وتنهار العملة، فسنوقع على أي شيء مقابل رغيف الخبز.

 

السودان اليوم لا يحارب من أجل سلطة. يحارب من أجل وجود. يحارب من أجل أن يبقى دولة واحدة موحدة راسخة ذات سيادة.

 

الوطن لا يحتمل مزيداً من التجارب ولا مزيداً من مؤامرات “السلام الكاذب”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى