علم الدين عمر يكتب : عمر النمير.. وأنسربت الروح الوثابة من الجسد النحيل..وبقي الأثر..

حاجب الدهشة 

..يا علم أنا زول مرتاح.. مرتاح الضمير وشغلي ماشي كويس.. البجينا من الله والبطلع مننا لله.. كانت هذه آخر كلمات الحبيب الباشمهندس الراحل عمر النمير في آخر مرة ألتقيته فيها كفاحاً في مكتبه بالقاهرة الجديدة.. وقد ذهبت إليه متفقداً عقب حملة شرسة استهدفته في وسائط التواصل الإجتماعي.. قلت له يومها يا عمر للنجاح ضريبة واجبة السداد..اكتفي بالإبتسامة.. المرهقة… ثم طمأنني قائلاً لا تشغل.. ودعته بعدها وانسربت في زحمة الدنيا.. ومضي لشأنه.. بعدها بمدة هاتفني فجأة ذات ليلة وسألني (وين أختفيت؟) سألني عن حالي وسألته.. سألني وكأنه يسرب الطلب طي الحديث عفواً.. فلان عمل العملية ولا لسه؟ أجبته بلسه.. المبلغ ناقص كم.. قلت له كذا (مبلغ كبير علي أي حال).. خلي يحجز علي طول وبكرة في زول بتواصل معاهو.. لم تمر أربع وعشرين ساعة حتي هاتفني صاحب الحاجة وقد استلم متبقي مبلغ العملية.. إنه عمر النمير.. هكذا بكل هذه البساطة.. ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً..

ربما سيجد هذا الفتي العجيب في كتابه.. حياة الناس جميعاً.. رحل عمر النمير فجأة كما تفعل النسمات التي يهديها الخالق لخلقه.. أشهد أنه كان شاباً عصامياً سابق لسنه.. ملأ الدنيا وشغل الناس.. تسنم رئاسة نادي المريخ وهو في مدخل الشباب.. وأقام صرحاً إقتصادياً مالياً حقيقياً في زمن المعجزات المستحيلة..

كانت علاقتي به محدودة يزينها الإحترام والود المتبادل.. لا مصلحة فيها ولا رياء.. حين يلتقيني أو نتحدث عبر الهاتف يسألني في أي أمر ثم يختم: إنت رأيك شنو؟ أجيبه فيقول لي تمام لكن تعال لي.. عبارة ثابتة يختم بها كل محادثاتي معه.. غالباً لا أذهب ولا ألتقيه إلا بعد شهور متطاولة يذكرني برسالة جمعة أو عيد.. ظل حبل الود بيننا متصلاً لا يقطعه الجفاء ولا مشاغل الدنيا.. رغم أنني لم أعرفه إلا منذ سنوات قليلة..

برحيل عمر النمير اليوم إنطوت صفحة ناصعة من العمل والعطاء والطموح والنجاح والألم والأمل اخطتها هذا الشاب بيده وعقله وعلمه وعمله.. وحب الخير الذي جُبل عليه.. وعاش به ومات عليه ويلقي الله به بإذنه..

خلال هذه المحنة شاد عمر النمير في نفوس مساحة لا تخطئها القلوب من الإنسانية.. فتح قلبه وعقله وجيبه للبسطاء وجعل من قلبه التكية الأولي للإطعام والعلاج.. أقال عثرات الناس في كل أنحاء السودان حين عز النصير وتقطعت بهم السُبل وأرهقتهم الدنيا وتكالبت عليهم الظروف..

كانت تكايا النمير أرائك الخير التي نسأل الله أن يجدها أمامه كما خطط وعلم وعمل..

رحل عمر النمير وبيننا كلمات لم تقل وأمانيات لم تتحقق وحوائج لم تقض..

أرهقه المرض وهده الرهق.. وأنسربت الروح الوثابة من الجسد النحيل فجأة ولو كان الموت يفدي لفداه أحبابه ووهبوه متبقي حيواتهم.. وبقي الأثر.. بقيت بصمات الحق والخير والجمال عصية علي النسيان.. مشجونة بالحزن النبيل في حضرة الموت.. الحقيقة الباقية وراء كل حياة..

اللهم إن عبدك عمر النمير قد حل بجوارك.. مرهقاً.. من بلاء المرض.. مثقلاً بجراح الحياة.. كان فينا مرجواً لقادمات الأيام والسنين.. وليس عليك بعزيز.. فعامله بما أنت أهله من الكرم.. فقد كان كريماً.. وبما أنت به زعيم من الرحمة.. فقد كان رحيماً.. وبما يليق بك من الغفران.. فقد كان حليماً..

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. وإنا لله وإنا إليه راجعون..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى