محمد النظيف يكتب : تعديل خريطة العالم من الهيمنة الخرائطية إلى الثقل الحقيقي

تحت المجهر

تم يوم أمس ٤ سبتمبر ٢٠٢٦م التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة الموافقة علي تعديل خريطة العالم القديمة واعتماد خريطة جديدة اكثر دقة تظهر الاحجام الحقيقية للقارات حيث ، ظلّت جغرافيا العالم لقرون رهينة للاسقاطات الخرائطية الاستعمارية ، وعلى رأسها (إسقاط ميركاتور) الذي صُمِّم في القرن السادس عشر لأغراض الملاحة البحرية غير أن هذا الإسقاط تسبَّب في تشويهٍ بصرِيٍّ جسيم إذ تضخَّمت القارات الشمالية على حساب المناطق الاستوائية، ما رسَّخ مفهوم (المركزية الأوروبية) وقلَّل من الحجم الظاهري للقارة الأفريقية

حديثًا ، حظي اعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة بإسقاط (الأرض المتساوية Equal Earth) باهتمامٍ عالمي واسع ، إذ يُعيد هذا القرار تصحيح الأبعاد الجغرافية لتظهر القارة الأفريقية بمساحتها الحقيقية البالغة نحو 30.3 مليون كيلومتر مربع—وهي مساحة تبلغ نحو ثلاثة أضعاف مساحة الولايات المتحدة ، وتتسع لضم الولايات المتحدة والصين والهند واليابان ومعظم أجزاء أوروبا مجتمعة

ومع ذلك ، يُؤكّد التحليل السياسي والاقتصادي المعاصر أن المساحة الجغرافية ليست المعيار الوحيد لسيادة الدول وتأثيرها الدولي ، فالعبرة الأساسية تكمن في الإنتاجية والابتكار ، وكفاءة إدارة الموارد ، والحوكمة المؤسسية و هناك العديد من النماذج للدول صغيرة المساحة التي استطاعت بناء نفوذ جيوسياسي واقتصادي يتجاوز حدودها الجغرافية بدرجات:

سنغافورة بمساحة لا تتجاوز 730 كيلومترًا مربعًا، تحولت إلى مركز مالي ولوجستي عالمي وواحدة من أكثر اقتصاديات العالم تنافسية وابتكارًا.

سويسرا رغم مساحتها الجبلية المحدودة (نحو 41 ألف كيلومتر مربع) ، تقود العالم في القطاعات المصرفية، والصناعات الدوائية، والبحث العلمي، مع تمتعها بنفوذ دبلوماسي حيادي مرموق.

هولندا على الرغم من صغر مساحتها ، تُعد ثاني أكبر تصدير للجميع للسياسات الزراعية والمنتجات الغذائية على مستوى العالم بفضل التقنيات الزراعية المتقدمة.

قطر استطاعت عبر استثمار مواردها الطبيعية، وإدارة صندوقها السيادي، وتوسيع شبكتها الدبلوماسية والإعلامية، أن تلعب دورًا محوريًا في الوساطة الدولية وتسوية النزاعات الإقليمية إن تصحيح الخريطة يُسقط الأوهام البصرية ويعيد للقارة الأفريقية مكانتها الرمزية والجغرافية المستحقة إلا أن الرهان الحقيقي لشعوب القارة يتطلب ترجمة هذه المساحة الشاسعة والموارد الطبيعية والبشرية الهائلة إلى قوة اقتصادية وسياسية ملموسة، تُحقّق التنمية المستدامة وتضمن الحضور الفاعل في رسم مستقبل النظام الدولي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى