المفكر والمؤرخ بروفسير عبدالله علي إبراهيم ل«العودة»: (1-2)

السودان يختلف عن هذه الدول بوجود جيش مهني خاضع لسلسلة قيادية موحدة
ليست كل أزمة في جوارنا هي أزمتنا نحن.. بل أضل.. وكل «شوكة بسلوها بدربها»
الحرب اندلعت حول حصرية السلاح.. والدعم السريع اشعلها حين وضع ظهره للحائط
حصرية السلاح في يد الدولة لا تعني الديمقراطية.. وربط الدولة الحديثة بالديمقراطية خطأ بيّن
متى فرّطت جماعة في دولتها صارت «دولة هلكى» يتبرأ منها العالم ويصبح أهلها بلا جواز سفر
للحرب منطق آخر في مفهوم الإرهاق الخلاق غير صراع المدنيين السياسي
قوانا السياسية منهكة مفلسة وصراعها “عقارب في زجاجة ” يكفي أن الرئيس نميري استنفد مشروعاتها جميعاً
=======
يفتح المفكر والمؤرخ والأكاديمي السوداني البارز البروفسير عبد الله علي إبراهيم نافذة تفكيكية عميقة على تعقيدات الأزمة السودانية الراهنة، مقدماً قراءة تفكك مقاربات المشابهة الشائعة مع تجارب اليمن وليبيا وسوريا، ومشدداً على الخصوصية الهيكلية للبنية العسكرية السودانية. وفي هذا الحوار يضع د. عبد الله أزمة “حصرية السلاح” في صلب الصراع العسكري الميداني، بينما يتجه لمشرحة الفكر السياسي السوداني لنقد المفاهيم السائدة حول الدولة، والشرعية، وطبيعة المبادرات الدولية.. كما يشخص بجرأته التاريخية المعهودة أدواء الصفوة السياسية وانعكاسات الاستقطاب الممتد بين التيارين المدني والإسلامي، معتبراً أن ارتهان المشهد للغبائن التاريخية هو العقبة الأساسية أمام استعادة القرار الوطني وبناء حوار قومي يتجاوز أزمات البناء السياسي.
حوار: أفراح تاج الختم
— الحديث عن «الحكومات الموازية» أو إدارات النفوذ المتعددة يتردد كثيراً في التحليلات الأخيرة. من واقع استقرائك للتاريخ السياسي السوداني والإقليمي، هل يسير السودان نحو سيناريو شبيه بليبيا أو اليمن، أم أن خصوصية البنية الاجتماعية والسياسية السودانية قد تحول دون ذلك؟
هي مقارنات لا يجمع بينها والسودان سوى جامع أننا شركاء في أزمة وطنية كل على حدة. واجتمعت في ترويج هذه المشابهة دوائر في المجتمع الدولي وأخرى سودانية. فأذكر قول توم بيرييلو، مبعوث الرئيس بايدن، قوله إن السودان هو الصومال على “استيروويد” يعني مثله وأضل سبيلاً. وأما دوائرنا المحلية فهي لا تجيد شيئا” إجادتها الطيش في المقارنة. خذ قولها أن كان بوسع السودان أن يكون أفضل الافارقة فصار طيش العرب تصدر عنهم غير مكترثين لدلالاتها العنصرية ضد أفريقيا. فالمماثلة بيننا ومن تقدم ذكرهم من البلاد لا تراعي الفروق بين السودان وأوضاع تلك البلدان السياسية والعسكرية. فبإيجاز اختلف السودان عنها في أنه تملك جيشاً مهنياً خاضعاً لسلسلة قيادية عليا كما لم تعرف تلك البلدان. فقامت الثورات فيها وقد انتدبت نظمها الحاكمة جيوشاً قبائلية (اليمن وليبيا) أو عقائدية (سوريا) توطدت على حساب الجيش الوطني. ولم يشذ “نظام الإنقاذ” في البحث عن جيش آخر غير الوطني ليحميه من غوائل الهبات الشعبية عليه، أو حتى تمرد جيشه الوطني، ولكن “حكومة الإنقاذ” لم تبلغ بهذه العملية مبلغاً استضعف الجيش الوطني استضعافاً أخرجه من الميدان. فقامت الثورة في ليبيا عملياً بغير جيش لتسد الجماعات المسلحة مسده، كما فقد الجيش السوري نفسه خلال حربه ضد الثورة لتعلو الفرقة الرابعة العلوية عليه. وقامت الثورة في اليمن والجيش جيشان أحدهما بقيادة علي صالح والآخر بقيادة علي محسن الأحمر، سرعان ما تواجها، كل على طرف منها. فلم يقع في أي من هذه البلدان تحالف بين الجيشين، الوطني والميليشياوي، كما في السودان. فلقيت الثورة، الجيش السوداني والدعم السريع حليفين تعاطيا معاً مع سياساتها، بما في ذلك الانحياز لها مع تبييت النية للقضاء عليها، كما حدث أخيراً في انقلابهما على الحكومة الانتقالية في 25 أكتوبر 2021. ووقعت الحرب بالتحديد حول قضية حصرية السلاح، أي احتكار الدولة للسلاح بيد جيش وطني. وكان ذلك مطلب الثورة قبل الجيش نفسه كما تجسد في الاتفاق الإطاري الداعي لدمج الدعم السريع في القوات المسلحة. ولم يكن ذلك مما اتفق للدعم السريع. وشن الحرب حين وجد ظهره للحائط يريد أن يحملنا على الاعتراف به جيشاً ثانياً كما اتفق له المناقشات التي درات حول قانون 2017 للدعم السريع. فليست كل أزمة في جوارنا هي أزمتنا نحن بل أضل. وكل شوكة بسللوها بدربها.
— تدافع باستمرار عن ضرورة وجود مؤسسة عسكرية قوية وموحدة باعتبارها شرطاً لوجود الدولة نفسها، وهو ما تراه قوى سياسية انحيازاً للجيش. كيف يمكن الحفاظ على مؤسسة عسكرية وطنية وموحدة، وفي الوقت نفسه ضمان التحول المدني الديمقراطي وإنهاء ظاهرة الانقلابات وهيمنة السلاح على السياسة؟
أخشى أننا نخلط هنا بين حصرية السلاح في يد الدولة وبين الديمقراطية. فالدولة لا تكون بلا جيش له حصرية السلاح كما في تعريفها عند ماكس فيبر عالم الاجتماع الذي يحتكم علم اجتماع الدولة إليه. فعرّف الدولة بأنها التي لها حصرياً احتكار استخدام القوة على أبدان أهلها. ولم يتطرق إلى نظام الحكم فيها. وأراد فيبر بهذا أن ينأى كعالم اجتماع من الخوض في حكم القيمة على موضوع دراسته، أي الدولة. فحقها في احتكار السلاح من حقائقها وكفى. وليس من وظيفة العلم أن يقرر في أخلاقية هذه الشرعية للدولة. وما تبقى للعلم هو أن يدرس الوسائل التي تستخدمها الدولة التي لها، دون سواها، توظيف القوة على من هم تحتها، أو ما يطلق عليه فيبر “أشراط السيطرة”. وبعبارة، تخلص فيبر من حمولة تعريف الدولة بالغاية الأخلاقية مثل الديمقراطية التي تشترطها مثل صمود في الدولة أو لا تكون. فربط مثل صمود بين الدولة بالديمقراطية خطأ بيِّن. فالديمقراطية ليست سوى واحدة من ضروب التعاقد السياسي في الدولة الحديثة. فتكون الدولة الحديثة على حداثتها كيفما تعاقد الناس فيها. فالعالم مكتظ بدول حديثة ولكنها غير ديمقراطية. ولكن متى فرطت جماعة في دولتها صارت “دولة هلكى” يتبرأ منك العالم ويستبرئ. فيتلاشى أهلها من بنية عالم استتب على الدولة الأمة. وأول مظاهر تلاشيهم هو أنهم صاروا بلا جواز سفر. ولا يحدث هذا لمواطن من مانيمارا مثلاً التي ديكاتوريتها فاجرة.
— أشرتَ في أطروحات سابقة إلى مفهوم “الإرهاق الخلاق” كاستراتيجية للصلح القومي. بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، هل وصلت أطراف الصراع إلى درجة من الإرهاق يمكن أن تفرض معادلة جديدة للسلام، أم أن أفق الحل ما زال بعيداً؟
لا أعرف إذا انطبق مفهومي للإرهاق الخلاق الذي اذعته للمجتمع المدني في نهاية الثمانيات انطباقه على الحرب. فكنت خلصت في تنشئتي للمفهوم إلى أن قوانا السياسية منهكة مفلسة. يكفي أن الرئيس نميري استنفدها جميعاً في أعوامه ال17. فأحتفل بميلاد لينين المئوي في اول عهده وانتهى خليفة مسلمين تعنو له الرقاب بالبيعة مروراً بالقوميين العرب والتكنوقراط والقوميين الجنوبيين. وترك كل واحد منهم في توقبته الخاص خشمو ملح ملح عند خرائب مشروعه. فهذه الجماعات عمدة وخالي مشروع مما يجعل صراعهم صراع “عقارب في زجاجة” كما جاء في كتابي يعض واحدها الأخر حتى يكب الدم. واندلعت الحرب، التي يتبادلان سؤال من أشعلها، من بوابة خيبتهم، وللحرب منطق آخر في الإرهاق غير صراع المدنيين السياسي. هي السياسة بطريق آخر.




