دبلوماسية الدولة ودولة الهواة: دروس من كتاب السفير

شيء للوطن
بقلم/ م. صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com
تظل الدبلوماسية في وعي الشعوب والمجتمعات أحد أرقى تجليات الممارسة السياسية، والواجهة الحقيقية التي تُقاس بها كفاءة الدول ورصانتها في إدارتها لمصالحها الوطنية العليا. غير أن النظر إلى الدبلوماسية السودانية على وجه التحديد يضع المتابع في مواجهة حالة فريدة من التناقض البنيوي؛ إذ بينما يمتلك السودان كادراً دبلوماسياً تاريخياً أثبت كفاءته في أعتى المحافل الدولية، تظل “الدولة السودانية” كمنظومة تنفذية عاجزة عن ترجمة هذا المجهود إلى مكاسب استراتيجية مستدامة. إن القراءة المتعمقة لشهادات وقراءات الخبراء والدبلوماسيين المخضرمين تفتح الباب واسعاً أمام مسألة غاية في الأهمية: كيف تُهدر الدول فُرصها بسبب ضعف المؤسسية واستشراء السمسرة السياسية، وكيف يمكن لمهنة “صناعة السلام والروابط” أن تتحول إلى ضحية مستمرة للتغيرات الأيديولوجية والاضطرابات الداخلية؟
إن أولى المسائل التي تستحق التوقف عندها هي التداخل المفهومي الشائع بين “العلاقات العامة” و”الدبلوماسية المهارية”. فالدبلوماسي الناجح ليس مجرد رجل علاقات عامة يتقن مجاملة الآخرين أو تيسير المعاملات الإجرائية للوفود والبعثات؛ بل هو رجل دولة يمتلك رؤية وطنية راسخة وتكويناً أكاديمياً وثقافياً متيناً يتيح له إدارة الأزمات الحدودية والسياسية الصعبة بشجاعة ومهنية عالية. والواقع الدبلوماسي أثبت في مراحل مختلفة أن الشجاعة الوطنية المقترنة بالوضوح والمهنية قد تجعل الدبلوماسي يُعلن “شخصاً غير مرغوب فيه” في دولة ما، لكنها في الوقت نفسه تحفظ للوطن هيبته ومكتسباته الإقليمية، وتؤكد أن الدبلوماسية الحقيقية تنتهي عندما يبدأ النفاق والتزويق السياسي.
وهنا يبرز سؤال الكفاءة والتجرّد في أروقة مؤسسات العمل الخارجي؛ فالتاريخ الدبلوماسي يوضح أن سر نجاح المؤسسات لا يكمن في فرض الولاءات الحزبية أو التمكين الأيديولوجي الضيق، بل في القدرة على “صهر” الانتماءات السياسية المتباينة لصالح الفكرة الوطنية الجامعة. لقد مرت على وزارات الخارجية شخصيات من خلفيات فكرية متباينة—يمينية ويسارية وحركات مطلبيه—لكن العمل المؤسسي الأصيل كفيل بتحويل تلك التباينات إلى طاقات تخدم السياسة الخارجية، بشرط أن يظل المعيار الأساسي للاختيار والتدرج الوظيفي هو الكفاءة والشطارة والكاريزما الشخصية، وليس القرب من السلطة أو الموالاة الحزبية.
بيد أن المعضلة الأكبر التي واجهت وتواجه السياسة الخارجية في الدول النامية- والسودان نموذجاً شاخصاً – تكمن في غياب “المؤسسية والتنسيق المتقاطع” بين أجهزة الدولة. بالدبلوماسية تفتح الأبواب المغلقة، وتقوم السفارات بجهود شاقة لتوقيع مذكرات التفاهم والاتفاقيات الاستثمارية مع الدول الكبرى والمؤسسات الاقتصادية الدولية، لكن سرعان ما تتلاشى هذه الجهود عند العودة إلى الداخل؛ حيث تصطدم الإرادة الخارجية ببيروقراطية المكاتب الحكومية، وتشتت القرارات بين الوزارات الخدمية، وغياب جهاز تنفيذي أو رئاسة وزراء قوية تمتلك قدرة المتابعة والدفع المتقاطع (Follow-up). هذا الشلل المؤسسي يتفاقم بصورة خطيرة عندما تسلل “سماسرة السياسة والاقتصاد” إلى المساحات الفاصلة بين توقيع الاتفاقيات وتنفيذها، ليتغلب منطق المصلحة الشخصية والفساد على منطق الفائدة القومية.
إن الثوابت الخارجية لأي دولة طبيعية ترتكز على محورين لا ثالث لهما: صيانة السيادة والحدود والأمن القومي من جهة، وتحقيق الرفاهية والخدمات الأساسية للشعب من جهة أخرى. وكل ما دون ذلك من علاقات اقتصادية أو تحالفات استراتيجية هو متغيرات تخضع لمنطق المصالح المتبادلة وليس للعواطف أو تقلبات النخب الحاكمة. وإذا كان الفساد وضعف التنسيق المؤسسي هما العائق الأكبر أمام تحقق هذه الثوابت، فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من تغيير الأشخاص على رأس الدبلوماسية، بل من بناء “دولة القانون والمؤسسات” التي تمتلك أجهزة رقابية صارمة، وتنظيماً تنفذياً قادراً على تحويل الأوراق والمذكرات الدبلوماسية إلى مشروعات تنموية ملموسة تُسهم في رفاه المواطن وحماية حدود الوطن.



