قطرسة التأشيرة.. والسيادة لا تُمنح بإذن

هوامش السيادة

بقلم/ أبوذر عوض الكريم أحمد


ليست التأشيرة مفتاحاً للسيادة، وليست بوابة الدخول إلى نيويورك صكاً يُمنح مقابل التنازل عن موقف وطني. وما نُسب إلى واشنطن من ربط منح تأشيرة رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان بالموافقة على هدنة لمدة 90 يوماً، يتجاوز في دلالاته مجرد إجراء دبلوماسي، ويفتح سؤالاً أكبر حول حدود الضغط على القرار الوطني.

 

السودان دولة عضو في الأمم المتحدة، ورئيس مجلس سيادته متجه إلى اجتماعات الجمعية العامة، وليس إلى مكتب يمنح الإذن لدولة مستقلة كي تتحدث باسمها. وإذا كانت هناك مواقف متباينة حول الحرب والهدنة، فمكان مناقشتها هو التفاوض والدبلوماسية، لا تحويل التأشيرة إلى ورقة ضغط سياسية.

 

الهدنة ليست كلمة عابرة؛ لها شروط وضمانات وآليات تنفيذ. والسلام الحقيقي لا يُبنى بالإملاءات، ولا يُنتزع تحت ضغط إجراء دبلوماسي. ومن حق الولايات المتحدة أن تطرح رؤيتها وأن تختلف مع الخرطوم، لكن ليس من حقها أن تجعل التأشيرة ثمناً لموقف سياسي تريده من السودان.

 

وهنا نقولها بوضوح: السيادة الوطنية ليست منحة أمريكية، والقرار السوداني لا يُكتب في مكاتب الخارج.

 

السودان لا يعادي أمريكا لمجرد أنها أمريكا، ولا يبحث عن خصومة مجانية مع أحد، لكنه كذلك لا يقبل أن يتحول إلى تابع في أجندة الآخرين. العلاقات بين الدول تقوم على المصالح والاحترام المتبادل، لا على منطق أن تقول دولة كلمتها وعلى الأخرى أن تنفذ.

 

وفي هذا المقام تستدعي الذاكرة السودانية حديث المشير عمر البشير: «المتغطي بأمريكا عريان»؛ وهي عبارة تعود اليوم إلى الواجهة، لا باعتبارها شعاراً سياسياً، وإنما كتعبير عن فكرة بسيطة: من يرهن قراره للخارج يدفع يوماً ثمن ذلك الارتهان.

 

والبرهان في هذه القضية ليس مجرد شخص في أزمة تأشيرة، وإنما رئيس مجلس السيادة، ووجوده في اجتماعات الأمم المتحدة يتعلق بحضور الدولة السودانية وحقها في عرض موقفها بنفسها. لذلك فإن القضية أكبر من التأشيرة، وأبعد من شخص البرهان.

 

أما سياسة الجزرة والعصا، فهذه لا تمشي مع شعب قوي على الانكسار. شعب عرف الضغوط والحصار والتدخلات، ودفع ثمناً باهظاً، لكنه لم يفقد إحساسه بأن الوطن ليس سلعة، وأن الكرامة الوطنية لا تُشترى بتأشيرة ولا تُقاس ببوابة دخول.

 

والسودان عضو في الأمم المتحدة، وله حق مخاطبة الجمعية العامة والدفاع عن موقفه بالحجة والقانون والدبلوماسية. ومن العبث أن تتحول إجراءات الدخول إلى وسيلة لإعادة تشكيل الموقف السوداني أو انتزاع موافقة سياسية مسبقة.

 

نريد السلام، نعم، ولا أحد أكثر حاجة إليه من شعب أنهكته الحرب، لكن السلام الذي يريده السودانيون يجب أن يحفظ الدولة، ويصون وحدة البلاد، ويحمي المدنيين، وينهي الحرب على أساس واضح، لا أن يتحول إلى مدخل لفرض ترتيبات تمس القرار الوطني.

 

وهنا نستعيد كذلك العبارة التي ارتبطت بخطاب البشير: «الزارعنا غير الله يجي يقلعنا». والمعنى الذي يهمنا اليوم واضح: مستقبل السودان لا ينبغي أن يكون رهناً بإرادة عاصمة أجنبية، مهما كان وزنها أو نفوذها.

 

لن نركع إلا لله؛ فالاختلاف مع واشنطن لا يعني العداء لها، كما أن الحوار معها لا يعني الخضوع لها. يستطيع السودان أن يتفاوض، وأن يختلف، وأن يبحث عن السلام، لكنه في النهاية صاحب الحق في تحديد شروطه ومصالحه الوطنية.

 

ومن أراد للسودان سلاماً، فليخاطب إرادته بالحجة لا بالعصا، وليتعامل معه كدولة لا كملف سياسي. فالشعوب لا تُدار كلها بمنطق الجزرة والعصا، والسوداني الذي تحمل الحرب والضغوط قادر على التمييز بين السلام الذي ينهي المعاناة والسلام الذي يأتي محمولاً على شروط تمس السيادة.

 

قد تتغير الحكومات، وتتبدل التحالفات، وتتغير خرائط المصالح، لكن الوطن يبقى، والسيادة تبقى، والقرار الوطني لا ينبغي أن يكون قابلاً للمساومة.

 

فالذي يملك حق منح التأشيرة لا يملك حق منح السودان سيادته أو سحبها منه. والسودان لا يطلب من العالم أن يحبه، وإنما يطلب أن يُحترم؛ يريد السلام، لكنه يريد سلاماً لا يركع فيه الوطن، ولا تُدفع فيه السيادة ثمناً، ولا تُكتب فيه إرادة السودان بقلم غير سوداني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى