تعديل المادة 50/أ يستهدف مواجهة التأييد العلني للمليشيا وجرائمها عبر النشر

ما وراء الخبر/ علم الدين عمر

الإجابات السهلة علي الأسئلة الصعبة..!!

وزير العدل يضع النقاط علي الحروف

ضجيج التشريعات.. من يملك سلطة القرار.. وأين تقف مسؤولية وزارة العدل؟

تعديل القانون الجنائي.. لجنة رئيس الوزراء.. ومجلس شؤون النفط.. ثلاث قضايا تكشف أهمية ضبط الإختصاص والمسار التشريعي

شغلت قضايا التشريعات والإجراءات القانونية الأوساط السودانية خلال الأيام الماضية.. وتداخل الجدل حول تعديل القانون الجنائي مع اتهامات للدولة بمحاولة التضييق على الصحفيين.. وتساؤلات عن طبيعة اللجنة التي شكّلها رئيس الوزراء برئاسة مساعد النائب العام.. وما إذا كانت تتبع لوزارة العدل أم تعمل باستقلال عنها وعن النائب العام.. فضلاً عن التعديل الذي طال رئاسة مجلس شؤون النفط..

في خضم هذا السجال.. لم يعد الخلاف متعلقاً بالنصوص.. بل امتد لتوزيع المسؤوليات داخل الدولة.. وحدود اختصاص المؤسسات..والجهة التي تملك سلطة الصياغة والمراجعة والإجازة..

وسط هذا المشهد.. جاءت توضيحات وزير العدل.. مولانا الدكتور عبد الله درف.. لتضع عدداً من الوقائع في سياقها القانوني.. وتشرح موضع التعديل في القانون الجنائي.. ومسار إعداد مشروعات القوانين.. ودور الوزارة في العملية التشريعية..

تكتسب هذه التوضيحات أهميتها من أنها تعيد النقاش إلى أسئلته الأساسية..ما الذي عُدل بالفعل؟ ومن يملك الإختصاص في كل مرحلة؟ وهل يجوز تحميل مؤسسة مسؤولية إجراء تشارك في صنعه جهات متعددة؟..

إن سرعة وزارة العدل في الرد وتقديم شرح تفصيلي لاختصاصاتها تمثل جانباً مهماً من جوانب التواصل المؤسسي الذي تحتاج إليه الدولة.. خصوصاً في المرحلة الحالية التي تتقاطع فيها القرارات القانونية مع أسئلة الحرب والحقوق والحريات..

الوزارة ليست سلطة تشريعية منفردة.. لكنها كذلك ليست مجرد ممر إداري تمر عبره مشروعات القوانين.. وزارة العدل باختصار هي جهة فنية وقانونية تضطلع بمسؤولية جوهرية في مراجعة النصوص وضبط صياغتها.. وتوضيح المسار الذي تسلكه قبل أن تصبح قوانين نافذة..

أولاً.. تعديل القانون الجنائي.. ما الذي تغير وما حدود التجريم؟

حسم وزير العدل جانباً أساسياً من الجدل الدائر.. مؤكداً أن التعديل لم يقع في قانون مكافحة جرائم المعلوماتية.. إنما في القانون الجنائي.. وتحديداً المادة 51/أ المعنونة بـ«إثارة الحرب ضد الدولة».. وليس المادة 50 التي تتعلق بجريمة تقويض النظام الدستوري..

وأوضح درف أن المادة المعنية تجرم إثارة الحرب ضد الدولة.. وكذلك تأييد من يثيرها بأي وجه من الوجوه.. مشيراً إلى أن التعديل أضاف إلى أوجه التأييد «التأييد عبر النشر بالوسائط الإلكترونية أو الإعلامية».. ووفقاً لتفسير الوزير.. يستهدف التعديل مواجهة التأييد العلني للمليشيا وجرائمها عبر النشر.. في إطار مكافحة جريمة إثارة الحرب ضد الدولة ومسانديها.

هذا التحديد مهم.. لأن الخلط بين قانون مكافحة جرائم المعلوماتية والقانون الجنائي.. أو بين المادتين 50 و51/أ.. ينقل النقاش من النص الفعلي إلى توصيف قانوني مختلف.. كما أن التمييز بين جريمة تقويض النظام الدستوري وجريمة إثارة الحرب ضد الدولة ليس مسألة لغوية.. بل يتعلق بتحديد الفعل محل التجريم والأساس القانوني الذي تستند إليه السلطات في تطبيق القانون..

تصحيح المعلومات لا يعني أن النقاش حول آثار التعديل ينبغي أن يتوقف.. فالدولة تواجه مسؤولية قانونية في التعامل مع الأفعال التي تندرج تحت الجرائم المرتبطة بالحرب.. وفي الوقت نفسه يظل وضوح النص الجنائي وحدود تطبيقه وضمان عدم التوسع في تفسيره مسائل أساسية..ولا يكفي في مثل هذه القضايا إعلان الغرض من التعديل.. بل ينبغي أن تكون صياغته النهائية متاحة.. حتى يتمكن القانونيون والصحفيون والرأي العام من قراءة نطاقه وآثاره قراءة مباشرة..

كما ينبغي التمييز بين ما شرحه الوزير عن موضع التعديل وغايته.. وبين الحكم على النص نفسه وآليات تطبيقه.. فالتصريح يوضح موقف الوزارة.. أما التقييم القانوني الكامل فيستند إلى النص المنشور وأداة إجازته وسياقه التشريعي.. وبهذا وحده يمكن أن يكون النقاش دقيقاً.. إن أرادت الجهات والنقابات والأفراد ذلك بعيداً عن التهويل من جهة.. أو إغلاق باب المساءلة من جهة أخرى..

ثانياً.. وزارة العدل ليست مشرعاً.. فمن يصوغ القانون ومن يجيزه؟

في أكثر نقاط تصريحه اتصالاً بالموقف المؤسسي.. أوضح وزير العدل أن الوزارة ليست مشرّعاً.. الوزارة تختص بمراجعة مشروعات القوانين من حيث مواءمتها للوثيقة الدستورية وعدم تعارضها مع القوانين السارية.. ثم صياغتها بالشكل التشريعي المطلوب وفق الضوابط المعمول بها..

وشرح درف مسار المشروع بعد ذلك.. يُحال إلى وزير شؤون مجلس الوزراء..ثم إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء.. قبل عرضه على اللجنة الفنية المختصة التي تضم الجهات ذات الصلة.. وإذا وافقت اللجنة عليه.. يُحال إلى القطاع المعني الذي يضم الوزراء ذوي العلاقة..حيث تتم مناقشته وإبداء الملاحظات بشأنه.. وفي حال التوافق.. ينتقل إلى مجلس الوزراء.. ويُعرض من خلال رئيس القطاع المعني.. ثم يُعاد إلى وزارة العدل لتحرير شهادة الصياغة النهائية..قبل عودته إلى مجلس الوزراء لإصدار قرار الإجازة..ثم إحالته إلى السلطة التشريعية الإنتقالية وفق الإجراءات المقررة..

هذا التفصيل ليس مجرد استعراض لسلسلة من الإجراءات الإدارية كما يبدو.. إنه يوضح أن التشريع عملية مؤسسية متعددة المراحل.. تتوزع فيها المسؤولية بين جهات مختلفة.. الجهة التي تقترح مشروع القانون ليست بالضرورة الجهة التي تصيغه في شكله النهائي..والجهة التي تراجع الصياغة لا تنفرد بالضرورة بقرار إجازته..ومن ثم.. فإن إختزال العملية كلها في وزارة العدل.. أو التعامل معها باعتبارها صاحبة القرار الوحيد في كل ما يصدر من قوانين.. لا يعكس المسار الذي شرحه الوزير..

التأكيد على أن الوزارة ليست مشرّعاً لا ينبغي أن يُفهم باعتباره انتقاصاً من دورها بالطبع ..أو إعفاءً لها من مسؤوليتها المهنية.. فمراجعة النصوص القانونية وصياغتها من المهام التي يتوقف عليها وضوح التشريع واتساقه مع المنظومة القانونية.. والكلمة في النص القانوني ليست تفصيلاً لغوياً (حمال أوجه).. فقد تحدد نطاق التجريم.. أو تضبط صلاحية.. أو تفتح مجالاً لتفسير مختلف عند التطبيق..

لذلك..فإن وزارة العدل تملك حقاً أصيلاً في توضيح حدود اختصاصها.. كما تتحمل مسؤولية أداء ما يدخل في نطاق ذلك الإختصاص بمهنية ودقة.. وإذا كانت إجازة القانون تمر عبر جهات متعددة..فإن سلامة الصياغة القانونية تظل مسؤولية فنية لا يجوز إغفالها.. مثلما لا يجوز تحميل الوزارة وحدها تبعات القرارات التي تتخذها مؤسسات أخرى ضمن المسار التشريعي..

من هذه الزاوية.. جاء توضيح الوزير ضرورياً لإعادة توزيع المسؤوليات على أساس الإجراءات الفعلية.. ويُحسب للوزارة أنها بادرت إلى شرح المسار في وقت اتسع فيه الجدل بين الأطراف المتضادة ..بدلاً من ترك الفراغ المعلوماتي مجالاً لمزيد من الالتباس.. غير أن اكتمال هذا الوضوح يقتضي كذلك إتاحة النصوص والقرارات ذات الصلة..حتى تتكامل التصريحات الرسمية مع الوثائق التي تحسم التفاصيل..

ثالثاً: لجنة رئيس الوزراء.. إستقلالها يُحدد بقرار تشكيلها وليس صفة رئيسها..

أما اللجنة التي شكلها رئيس الوزراء برئاسة مساعد النائب العام.. فقد أصبحت بدورها موضع جدل بشأن طبيعتها وعلاقتها بوزارة العدل.. وهنا لابد من الفصل بين الصفة الوظيفية لرئيس اللجنة وبين الوضع القانوني والإداري للجنة نفسها.. فرئاسة مسؤول يعمل في الجهاز العدلي ( النائب العام).. لا تعني تلقائياً أن اللجنة تتبع وزارة العدل..كما أن وصفها بالمستقلة لا يكفي وحده لتحديد نطاق هذا الإستقلال..

ووفقاً للمعلومات المطروحة بشأنها.. فإنها لجنة مستقلة.. كان قرار تشكيلها ينص على ذلك..فإن هذه الحقيقة ينبغي أن تكون نقطة الانطلاق في أي نقاش حول مسؤولياتها وعلاقتها بالمؤسسات الأخرى.. فالتبعية المؤسسية لا تُستنتج من أسماء الأشخاص أو مواقعهم الوظيفية طالما هنالك قرار الإنشاء.. والإختصاصات الممنوحة.. والجهة التي ترفع إليها اللجنة تقاريرها ونتائج أعمالها..

الخلط بين اللجنة والوزارة قد يؤدي إلى تحميل وزارة العدل مسؤولية أعمال لا تدخل ضمن سلطتها المباشرة..أو إلى إسناد قرارات اللجنة إلى مؤسسة أخرى لمجرد أن رئيسها ينتمي إلى الجهاز العدلي..وهذا خلط ينبغي تجنبه.. احتراماً لقواعد توزيع الإختصاصات داخل الدولة..

وفي المقابل.. فإن استقلال اللجنة لا يعني أنها خارج المساءلة أو أن طبيعة عملها لا تحتاج إلى توضيح.. فالاستقلال المؤسسي يقتضي تحديد التفويض والاختصاص وآليات العمل والجهة التي تُرفع إليها النتائج.. وكلما كانت هذه العناصر معلومة.. تراجعت مساحة التأويل.. وأمكن تقييم أداء اللجنة وفق مسؤولياتها الحقيقية..

إن جوهر القضية هنا ليس المفاضلة بين وزارة العدل واللجنة.. ولا تحويل اختلاف الاختصاصات إلى صراع بين المؤسسات.. الجوهر هو منع تداخل الأدوار.. وضمان ألا تُحمّل جهة مسؤولية ما لم تقرره أو تنفذه..لذا فإن نشر قرار تشكيل اللجنة أو توضيح بنوده ذات الصلة يمثل الطريق الأكثر مباشرة لحسم الجدل.. ويمنح الرأي العام أساساً موثقاً للفهم والتقييم..

مجلس شؤون النفط.. مؤسسة قائمة.. أم جسم مستحدث؟

في ملف مجلس شؤون النفط.. يتصل الجدل بمسألة أخرى تتطلب الدقة نفسها في قراءة النصوص.. فبحسب قانون الثروة النفطية لسنة 1998.. نصت المادة 14(2) على إنشاء مجلس للنفط برئاسة رئيس الجمهورية..وظلت رئاسة المجلس مرتبطة بهذا المنصب منذ ذلك الوقت..

أما التعديل الذي تم في أكتوبر 2026.. فهو باختصار نقل رئاسة مجلس شؤون النفط من رئيس الجمهورية إلى رئيس مجلس السيادة.. وبناءً على ذلك.. فإن المجلس ليس جسماً مستحدثاً.. وإنما مؤسسة ذات أساس قانوني سابق.. بينما يتعلق التغيير المعلن بالجهة التي تتولى رئاسته..

ومع ذلك..فإن الحسم النهائي لهذه المسألة يقتضي مراجعة النص الرسمي للتعديل والتأكد من نطاقه الكامل.. فإذا اقتصر على تغيير رئاسة المجلس.. فإن وصفه بأنه إنشاء لمؤسسة جديدة سيكون غير دقيق.. أما إذا تضمن تعديلات أخرى في التكوين أو الإختصاصات أو الصلاحيات.. فينبغي بيانها بدلاً من اختزال التغيير في مسألة الرئاسة وحدها..

وتكشف هذه القضية مرة أخرى أهمية الرجوع إلى الوثائق القانونية قبل إطلاق التوصيفات.. فهناك فرق بين إنشاء مؤسسة.. وتعديل قانون يحكمها.. وتغيير الجهة التي تتولى رئاستها..

هذه الفروق ليست تفصيلية..بل تحدد طبيعة القرار وآثاره المؤسسية..وتساعد على تجنب تضخيم التغيير أو التقليل من شأنه قبل التحقق من النص..

الوضوح المؤسسي.. مسؤولية مشتركة

لإنهاء الجدل، تكشف الملفات الثلاثة أن جانباً من الجدل حول التشريعات لا ينشأ من النصوص فقط.. بل من غياب التمييز الواضح بين مراحل إعداد القانون وإجازته.. وبين المؤسسات التي تتقاطع اختصاصاتها من دون أن تتطابق.. فعندما يُخلط بين الصياغة والإجازة.. أو تُنسب لجنة إلى وزارة من دون سند.. أو يُوصف تعديل في رئاسة مجلس بأنه إنشاء لمؤسسة جديدة.. تتراجع الوقائع أمام التأويلات..

ومن هنا تأتي أهمية التوضيحات التي قدمها وزير العدل.. وأهمية سرعة استجابة الوزارة في الدفاع عن اختصاصاتها وشرح مسار العمل التشريعي..إذ لا ينبغي أن تترك المعلومات المتعلقة بعملها عرضة للتفسيرات المتضاربة.. خصوصاً حين يتعلق الأمر بالقوانين والحقوق والحريات وتوزيع السلطة والمسؤولية.. الوضوح المؤسسي مسؤولية مشتركة.. وزارة العدل مطالبة بمواصلة إحكام الصياغة القانونية وشرح الإجراءات التي تقع ضمن اختصاصها..كما أن الجهات المشاركة في إعداد القوانين وإجازتها مطالبة بتحديد أدوارها وإتاحة القرارات والنصوص التي تحسم الجدل.. أما الإعلام.. فمسؤوليته التمييز بين الخبر المؤكد والتفسير.. وبين التصريح الرسمي والنص القانوني.. وألا يحول السؤال المشروع إلى حكم نهائي قبل اكتمال المعلومات..

إن الإنصاف في تقييم أداء وزارة العدل يقتضي الاعتراف بدورها الفني والقانوني.. وعدم تحميلها وحدها مسؤولية مسار تشريعي تشارك فيه مؤسسات متعددة.. وفي الوقت نفسه.. فإن احترام هذا الدور لا يعني إعفاء أي تعديل من الفحص..أو إغلاق باب النقاش حول آثاره..بل يعني أن تكون المساءلة أكثر دقة..وأن تُنسب المسؤولية إلى الجهة المختصة..

الخلاصة أن توضيحات الوزير أعادت القضايا المطروحة إلى أسئلتها الأساسية.. ما النص الذي عُدل؟ من يراجع مشروع القانون ويصوغه؟ من يجيزه؟ ما طبيعة اللجنة التي أنشأها رئيس الوزراء؟ وما الذي تغير فعلياً في مجلس شؤون النفط؟..

وقد أجاب الوزير إجابات سهلة علي أسئلة صعبها الرأي العام بكثير من الضجيج والإثارة..وفي الوقت المناسب تماماً..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى