حكومة الأمل: إخفاق يستدعي التدخل السيادي
حكومة كامل إدريس تقدم وعوداً إنشائية وتعجز عن مداواة الجراح

محلل سياسي: تدخلات البرهان تجسد سقوط الشرعية العملية للحكومة
خبير استراتيجي: التشبث بالكراسي وتداخل الصلاحيات يهددان تماسك مؤسسات الدولة
د. ياسر محجوب: القطيعة المتسارعة بين الشارع والحكومة تنذر بانفجار شعبي وشيك
عمار عركي: تداخل الصلاحيات والشلل التنفيذي يعطلان قرارات الدولة الاستراتيجية
طوارئ اقتصادية موحدة ومصارف منضبطة هما طريق التعافي المرتجى
تقرير: رمضان محجوب
باتت الفجوة بين الشارع السوداني ومجلس وزراء حكومة الأمل برئاسة كامل إدريس واسعة وعميقة إلى حد يصعب ردمه بالوعود البيروقراطية والخطابات الإنشائية المتكررة. فالأزمة لم تعد مجرد تباين في وجهات النظر بين المواطن وحكومته، بل تحولت إلى قطيعة تامة وعداء صامت يغذي شعوراً عارماً بالغبن والخذلان. فالناس الذين علقوا آمالاً عريضة على تشكيل هذه الحكومة وجدوا أنفسهم وجهاً لوجه أمام جدار من الجمود والتعالي والبطء الإداري، مما جعل الشارع يرفض من حيث الأساس أي مبررات أو أعذار تقدمها أروقة السلطة التنفيذية لتبرير إخفاقاتها المتلاحقة على كافة الأصعدة المعيشية والخدمية.
▪️ جحيم الأزمة الاقتصادية
تعصف بالبلاد موجة غلاء طاحنة تلتهم ما تبقى من مدخرات الأسر السودانية التي تعاني من ويلات حرب لا تزال نيرانها مشتعلة وتداعياتها متمددة، وسط عجز حكومي تام عن ابتداع حلول إسعافية أو سياسات مالية تحمي الطبقات الفقيرة والهشة. يحدث ذلك بالتزامن مع تراجع قيمة العملة الوطنية وغياب الرقابة على الأسواق، الأمر الذي جعل من أبسط مقومات الحياة سلعة باهظة الثمن يطاردها المواطن المقهور دون جدوى. ولم تقدم الوزارة المعنية أي رؤية اقتصادية واضحة أو تدخلات حقيقية تخفف من وطأة المعاناة اليومية، بل اكتفت بمشاهدة الانهيار المتسارع للقدرة الشرائية للمواطنين وكأن الأمر لا يعنيها، مما كرّس قناعة راسخة بأن هذا الطاقم الاقتصادي منفصل كلياً عن واقع الناس وهمومهم الملحة.
▪️ شلل الإدارة التنفيذية
أقرت الحكومة بفشلها الذريع في إدارة الملفات اليومية حين تركت الساحة فارغة لتتداخل الصلاحيات وتتعدد مراكز اتخاذ القرار في مشهد يعكس ارتباكاً هيكلياً بالغ الخطورة. إن استمرار هذا التخبط الإداري وغياب روح المبادرة لدى الوزراء جعل العجلة الحكومية تتوقف تماماً عن الإنتاج، وباتت أجهزة الدولة تشبه هياكل خاوية تفتقر للرؤية والتنظيم. لا تنعقد المجالس الوزارية إلا لتكرار النقد الذاتي العقيم أو إطلاق وعود جديدة لا تجد طريقها إلى التنفيذ، وهو ما أفرز حالة من الشلل التام أصابت مفاصل الدولة وجعلت مصالح المواطنين رهينة للبيروقراطية القاتلة والتباطؤ المتعمد.
▪️ تدخلات المؤسسة العسكرية
لم يأتِ اضطرار رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان للتدخل المباشر في الأعمال التنفيذية من فراغ، بل جاء كإقرار واقعي وعملي بعجز مجلس الوزراء التام عن النهوض بمسؤولياته وأعبائه الدستورية. هذا التدخل الرئاسي المتكرر أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الجهاز التنفيذي بات عاجزاً عن اتخاذ أبسط القرارات المصيرية بمفرده، وبات بحاجة دائمة لدفع فوقي يحرر جموده. وحين ينتقل ثقل الإدارة اليومية إلى المؤسسة السيادية العليا، فإن ذلك يعني سقوط الشرعية العملية للحكومة وتحولها إلى عبء إضافي يعطل اتخاذ القرارات السريعة التي تتطلبها ظروف الحرب والظروف الاستثنائية الراهنة.
▪️ أزمة الشرعية والشلل
وفي السياق، يرى المحلل السياسي والكاتب الصحفي الدكتور ياسر محجوب الحسين، في تصريحات خاصة لـ “العودة”، أن تدخلات رئيس مجلس السيادة تعكس محاولة ملموسة لمعالجة التقصير الحكومي وإخلاء المسؤولية عن الأداء الراهن، مما أفرز تداعيات مزدوجة أظهرت هيمنة مجلس السيادة على الصلاحيات العليا، بينما أضعفت صورة الحكومة كجهة تنفيذية مستقلة وزادت من تآكل شرعيتها في نظر الشارع. وأوضح الحسين أن تداخل الصلاحيات ينشئ حالة تردُّد وازدواجية تُعطّل اتخاذ القرارات السيادية في زمن الحرب. وأكد أن الشلل التنفيذي لن يقود إلى انهيار كامل للدولة إلا بالقدر الذي يسمح به مجلس السيادة، بصفته الجهة المسؤولة عن ضبط الإيقاع المؤسسي، مشيراً إلى أن استمرار هذا الفراغ يُعمّق التفكك الخدمي والأمني، ويفقد الأجهزة القدرة التنفيذية بحزم.
▪️ ضغوط الشارع والانفجار
وحول علاقة الشارع بالحكومة الحالية، بيّن الدكتور ياسر الحسين لـ “العودة” أن تفاقم الضغوط المعيشية والتراجع الحاد لقيمة العملة الوطنية يوسعان شقة القطيعة بين المواطنين والجهاز التنفيذي، مما يحول أي إجراء رسمي إلى مصدر توتر متزايد بدلاً من إيجاد الحلول. وحذر من أن السيناريو الأقرب يتجسد في تحول الاحتجاجات المتفرقة إلى موجات غضب شعبية واسعة ما لم تُنفذ معالجات ملموسة، مبيناً أن تحول هذا الاحتقان إلى طوفان منظم محكوم بمدى التعاطي الأمني ووجود قيادة سياسية قادرة على التوجيه. وأشار إلى أن التشبث بالسلطة وغياب آليات المساءلة يُكرّسان الإفلات من العقاب، ويُغذيان الاستقطاب، ويجعلان الحديث عن الإصلاح مجرد إعادة تدوير للنخب يضاعف الرفض والمستويات الشعبية الغاضبة.
▪️ خارطة طريق الإنقاذ
وفي ختام حديثه لـ “العودة”، شدد الدكتور الحسين على أن الترقيعات الوزارية الشكلية لن تنجح إطلاقاً في امتصاص الغضب دون تحقيق نتائج اقتصادية سريعة. واعتبر أن البديل الواقعي لمواجهة الفراغ الحالي لا يكمن في استبدال الأسماء والأشخاص، بل في تشكيل فريق تنفيذي محدود الصلاحيات يمتلك أهدافاً محددة وجدولاً زمنياً واضحاً يخضع لمراقبة مباشرة ومحاسبة حقيقية. وأكد أن مقومات خارطة الطريق الجادة لإنقاذ ما تبقى من الدولة ترتكز أساساً على إيقاف تدهور العملة الوطنية بحزمة إجراءات اقتصادية شفافة، والتركيز على توفير الخدمات الأساسية وضبط الأسواق عبر خطة إسعافية عاجلة وملموسة. واختتم بالإشارة إلى أن غياب التطبيق العملي يحول أي مبادرة سياسية إلى مجرد حبر على ورق.
▪️ تداعيات الشلل التنفيذي
وفي تقييم تحليلي لرؤى الخبير الاستراتيجي عمار عركي لـ “العودة”، يرى عركي أن تدخل رئيس مجلس السيادة في ملفات تفترض تبعيتها للجهاز التنفيذي يكشف عن خلل هيكلي وتداخل في الصلاحيات، وهو ما يضعف الشرعية السياسية للحكومة إذا ظهرت عاجزة عن إدارة الملفات الخدمية. وأكد أن الشلل التنفيذي، رغم أنه لا يؤدي بالضرورة لانتفاء الدولة التي تملك مؤسسات مساندة، إلا أنه يفاقم تراجع الخدمات والإيرادات ويهدد بتآكل القدرة الإدارية الشاملة. وأشار إلى أن حالة القطيعة المتسارعة بين الشارع ومجلس الوزراء تهدد بتحويل الاستياء المعيشي إلى رفض واسع لمؤسسات الدولة، خصوصاً في ظل غياب الرؤية وتباطؤ الحلول الإسعافية.
▪️ مخاطر غياب المساءلة
وحول تداعيات التشبث بالكراسي وغياب آليات الرقابة، يوضح عمار عركي لـ “العودة” أن تقديم المصالح السياسية والمحاصصات على مصلحة الدولة يعطل تصحيح الأخطاء ويعمق شعور المواطنين بغياب العدالة. وأضاف أن تداخل الصلاحيات بين المؤسسة السيادية ومجلس الوزراء يخلق ازدواجية وتأخيراً خطيراً في اتخاذ القرارات السيادية في زمن الحرب. وتحتدم هذه المخاطر بغياب المساءلة والمحاسبة التي تشجع على تكرار الإخفاقات وسوء إدارة الموارد، مؤكداً أن الترقيعات الوزارية الشكلية لن تفلح سوى في تهدئة مؤقتة ما لم تستند إلى تقييم موضوعي ومحاسبة حقيقية.
▪️ خارطة طريق عركي للإنقاذ
وفي قراءته للبدائل وخارطة النجاة، يؤكد عركي لـ “العودة” أن استمرار أسباب الغضب يزيد من احتمالات التصعيد نحو أزمات أشمل إذا لم تُحتوى مبكراً بحلول اقتصادية ملموسة. وأوضح أن بديل الفراغ المؤسسي يكمن في تشكيل حكومة كفاءات بصلاحيات واضحة وبرنامج محدد يربط الأداء بمؤشرات قياس دورية وإصلاح الخدمة المدنية. وتختتم الإفادات بالتأكيد على أن خارطة طريق الإنقاذ تبدأ بإصلاح السلطة التنفيذية وتحديد الصلاحيات، بالتوازي مع تخفيف الأعباء المعيشية وإرساء توافق وطني، مع التأكيد على أن حماية الدولة لا تقتصر على الجهد العسكري بل تتطلب إدارة مدنية كفؤة تستعيد ثقة المواطن.
▪️ خيار الطوفان الوشيك
مع المعطيات المذكورة، تؤكد الوقائع أن استمرار هذا الوضع المأساوي على ما هو عليه لن يفضي سوى إلى انفجار شعبي عارم لا يبقي ولا يذر، يطيح بالأخضر واليابس ولا يستثني أحداً من رموز الفشل والتنطع. فالشارع السوداني الذي تحمّل أهوال الحرب والنزوح لن يقبل طويلاً باستمرار هذا العبث الإداري والاقتصادي بحياته ومستقبل أجياله تحت مسميات حكومة تفتقر لأبسط مقومات الإدارة الرشيدة. وتتوالى التحذيرات بأن الطوفان قادم لا محالة، وسيكون جارحاً وحاسماً إذا لم تدرك القيادة السياسية العليا حجم الخطر وتبادر فوراً إلى قلع هذه الجذور الفاسدة وتطهير الجهاز التنفيذي من رموز العجز والترهل.
▪️ طريق النجاة الوحيد
عموماً، يكمن طوق النجاة الوحيد لإخراج البلاد من هذا النفق المظلم في إحداث هزة جذرية وشاملة تزيح هذا الطاقم الوزاري وتستبدله بحكومة كفاءات وطنية مصغرة ونزيهة ومستقلة. فالحكومة المنتظرة يجب أن تُمنح صلاحيات كاملة وتُحاسب على أساس برامج إسعافية واضحة ومحددة زمنياً تركز على إيقاف التدهور الاقتصادي ومعالجة الأزمات المعيشية الطارئة. وما عدا ذلك من ترقيعات وزارية شكلية أو تدوير للوجوه القديمة، فلن يعدو كونه محاولة لربط حجر في عنق الغريق، ولن يوقف زحف الطوفان الشعبي الغاضب نحو تطهير مؤسسات الدولة وكنس تركة العجز والإخفاق إلى الأبد.
///////////////



