كارثة متكررة تكشف هشاشة المعسكرات وتفاقم معاناة النازحين

طويلة" تحترق مجددًا… 903 منزلًا في الرماد وآلاف المشردين في كارثة متكررة بلا استجابة كافية

تقرير : نشوة أحمد الطيب

. مجلس تنسيق غرف طوارئ جبل مرة وطويلة : “آلاف المتضررين بلا مأوى ويواجهون أوضاعًا بالغة الهشاشة”

. “نحتاج دعمًا عاجلًا لتفادي تفاقم الأزمة”

. مسؤول الإعلام بغرفة طوارئ طويلة ل (العودة) : “غياب مخازن الطوارئ عطّل التدخل السريع”

. مختصة في علم النفس والكوارث: “الناجون يواجهون صدمات متراكمة قد تتحول إلى اضطرابات مزمنة دون تدخل مبكر

في مشهد يتكرر على نحوٍ مقلق التهمت النيران مئات المنازل داخل معسكر طويلة بولاية شمال دارفور، لتعيد فتح جرحٍ إنساني لم يندمل بعد، فليست هذه المرة الأولى التي تحترق فيها المآوي الهشة، لكنها تبدو الأكثر قسوة من حيث حجم الدمار وعدد المتضررين، في ظل بيئة لا تزال تفتقر لأبسط مقومات الوقاية والاستجابة. خلال ساعات، تحولت حياة آلاف النازحين إلى رماد، ووجدت مئات الأسر نفسها في العراء، تواجه مصيرًا مفتوحًا على مزيد من الهشاشة والمعاناة.

“حصر أولي” 

كان الحريق قد أسفر، بحسب الحصر الأولي، عن تضرر ما بين 900 إلى 1100 أسرة، أي نحو 4,500 إلى 6,000 شخص، إلى جانب وفاة طفل متأثرًا بالحروق وإصابة رجل بالغ يتلقى الرعاية الطبية. كما فقدت الأسر جميع ممتلكاتها، بما في ذلك المخزون الغذائي وأدوات الطبخ والفراش، ما تركها في وضع إنساني حرج.

“الأضرار والخسائر”

وأصدر مجلس تنسيق غرف طوارئ جبل مرة وطويلة تقريرًا عاجلًا أوضح فيه أن الحريق أدى إلى تدمير نحو 903 منازل بشكل كامل، مع تضرر ما بين 900 و1,100 أسرة، وأسفر عن وفاة طفل يبلغ نحو خمس سنوات وإصابة رجل بالغ. وأضاف التقرير أن الحريق أدى إلى فقدان كامل للمخزون الغذائي وأدوات الطبخ والفراش والممتلكات الشخصية، ما ترك الأسر بلا أي وسيلة للبقاء، وجعلهم في حالة من الهلع والخوف وسط العراء.

أسباب الحريق”

وأشار التقرير إلى أن الأسباب الرئيسة للحريق تعود إلى قيام أطفال صغار بطبخ العدس باستخدام نار مكشوفة، إضافة إلى الرياح القوية التي ساعدت على انتشار اللهب بسرعة كبيرة، واستخدام مواد قابلة للاشتعال في بناء المآوي مثل القش والخشب والبلاستيك، فضلاً عن التقارب الشديد بين المآوي الذي ساهم في انتقال النيران بسرعة فائقة، وغياب أي مسافات آمنة بين المساكن.

“الوضع الإنساني”

وأوضح مسؤول الإعلام بغرفة طوارئ طويلة، حمزة حسن هارون، في إفادة لـ”العودة”، أن حجم الضرر “كبير جدًا جدًا”، وأن الأسر المتضررة اضطرت إلى النزوح في اتجاهات متعددة نحو معسكرات أكثر أمانًا نسبيًا، مثل معسكر دبة نايرة ومعسكر أرقو، فيما اتجهت أعداد أقل إلى ذويها في معسكري رواندا وبرقو.

وأضاف هارون أن عمليات الحصر لا تزال جارية بالتنسيق مع مجلس تنسيق غرف طوارئ طويلة وجبل مرة، مؤكداً أن الاستجابة الإنسانية، رغم تدخل بعض المنظمات والسلطة المدنية في المناطق المحررة، لا تزال “بسيطة وضعيفة جدًا” مقارنة بحجم الكارثة، موضحًا أن ضعف الاستجابة يعود إلى تزامن الحادث مع عطلة عيد الفطر، وكذلك غياب مخازن مخصصة لمواجهة الكوارث، ما منع إمكانية استجابة سريعة وفعالة للأسر المتضررة.

وأشار إلى أن معظم المتضررين هم من النازحين الجدد الذين فروا مؤخرًا من مدينة الفاشر والمناطق المجاورة بسبب النزاع المستمر، وهم يعيشون أصلاً في ظروف هشة وقدرة محدودة على التكيف، ما جعلهم أكثر عرضة للأضرار الناتجة عن الحريق.

“الاحتياجات العاجلة”

وأبرز التقرير أن الاحتياجات الإنسانية العاجلة تشمل الأمن الغذائي عبر توزيع مواد غذائية طارئة ودعم المطابخ الجماعية، بالإضافة إلى توفير المأوى والمواد غير الغذائية بما فيها أدوات بناء المآوي والبطاطين والفراش وأدوات الطبخ، إلى جانب المياه الصالحة للشرب عبر الصهاريج وحاويات تخزين المياه، والخدمات الصحية لتقديم الإسعافات الأولية وعلاج الحروق وتوفير الأدوية الأساسية، فضلاً عن دعم الحماية للأطفال والفئات الضعيفة من خلال تقديم الدعم النفسي والاجتماعي.

“النداء الإنساني”

وأطلقت غرف الطوارئ نداءً عاجلًا للمنظمات غير الحكومية الوطنية والدولية، ووكالات الأمم المتحدة، والمجتمع الدولي والمانحين، لتقديم دعم فوري منقذ للحياة، مؤكدة على ضرورة تحسين تخطيط المخيمات وترك مسافات آمنة بين المآوي، وإدخال تدابير للوقاية من الحرائق، ورفع الوعي المجتمعي بسلامة التعامل مع النار، لتفادي كوارث مماثلة في المستقبل.

“خطر مستمر”

وأوضح التقرير أن هذا الحريق قد فاقم من عمق الأزمة الإنسانية في مخيم “طويلة”، وأن الأسر المتضررة تواجه مخاطر انعدام الأمن الغذائي الحاد، والتعرض للمخاطر البيئية والمضاعفات الصحية الخطيرة، خاصة مع استمرار ضعف الاستجابة الإنسانية، ما يجعل التدخل العاجل والمنسق أمرًا حيويًا لإنقاذ ما تبقى من حياة ومعيشة السكان.

“سوابق الحرائق”

تكشف تقارير دولية سابقة عن تكرار حوادث الحرائق داخل معسكرات طويلة، ما يعكس هشاشة بيئة الإيواء وغياب تدابير السلامة الكافية. ففي 10 أكتوبر 2025، أفادت آلية تتبع النزوح التابعة لـالمنظمة الدولية للهجرة (IOM) باندلاع حريق في موقع تجمع “العمدة” بمدينة طويلة، أدى إلى نزوح 23 أسرة على الأقل وفقدانهم لمساكنهم.

وفي 9 فبراير 2026، وثّقت تقارير نشرتها منصات إعلامية دولية، من بينها سودان تريبيون (Sudan Tribune)، حادثة حريق أخرى في طويلة أسفرت عن مقتل شخصين، بينهم طفل، وتدمير عشرات المساكن المؤقتة، في ظل ظروف إنسانية متدهورة ونقص حاد في الخدمات الأساسية.

كما أعلنت المنظمة الدولية للهجرة (IOM)، إلى جانب تقارير نقلتها وكالة الأناضول (Anadolu Agency) في منتصف فبراير 2026، عن اندلاع حريق جديد داخل معسكر “العمدة” بالمنطقة نفسها، أدى إلى تدمير عشرات المآوي وتشريد عشرات الأسر، حيث أُجبرت العائلات المتضررة على البقاء في العراء داخل نطاق المعسكر.

وتشير هذه الوقائع المتكررة، كما وثقتها المنظمة الدولية للهجرة (IOM) ووسائل إعلام دولية، إلى أن حرائق المعسكرات في طويلة ليست حوادث معزولة، بل نمط متكرر مرتبط بطبيعة المساكن المؤقتة المصنوعة من مواد سريعة الاشتعال، والاكتظاظ الشديد، وغياب أنظمة الوقاية والاستجابة السريعة، ما يضاعف من مخاطر الكوارث الإنسانية في المنطقة.

د. إسراء حسن كلمون، اختصاصي علم النفس والكوارث والنزاعات

“التداعيات النفسية”

في إفادة لصحيفة “العودة”، أوضحت الدكتورة إسراء حسن كلمون، اختصاصي علم النفس والكوارث والنزاعات، أن ما حدث في معسكر طويلة يندرج ضمن ما يُعرف بالكوارث المركّبة، حيث يتقاطع الحريق المفاجئ مع سياق النزوح والنزاع والفقر وانعدام الأمن، ما يضاعف من الأثر النفسي على الأفراد ويعقّد مسارات التعافي.

إطار مفاهيمي”

وأشارت إلى أن التعرض لحدث صادم حاد، كحريق واسع النطاق، يؤدي إلى تفعيل استجابات الإجهاد الحاد، وقد يتطور لاحقًا إلى اضطراب ما بعد الصدمة، خاصة في بيئات تشهد تراكمًا للخبرات الصادمة. وأوضحت أن نماذج الدعم النفسي والاجتماعي المعتمدة دوليًا تقوم على تدخلات متدرجة تبدأ بتأمين الخدمات الأساسية، ثم الدعم الأسري والمجتمعي، فالتدخلات غير المتخصصة، وصولًا إلى الخدمات النفسية المتخصصة للحالات الأشد.

“تأثيرات فورية”

وبيّنت أن الأطفال في الأسابيع الأولى بعد الكارثة يظهرون استجابات حادة مثل الخوف الشديد، وفرط الاستثارة، والبكاء أو التجمّد، إلى جانب اضطرابات النوم والكوابيس، وقد يلجأون إلى التعبير عن الصدمة عبر اللعب أو الرسم. كما قد يحدث ما يُعرف بالارتداد السلوكي، مثل فقدان بعض المهارات أو التبول اللاإرادي، نتيجة عدم قدرتهم على استيعاب الحدث.

أما البالغون، فيواجهون حالات من الذهول أو التفكك، وصعوبات في التركيز واتخاذ القرار، إلى جانب مشاعر الحزن الحاد والقلق، وقد تظهر أعراض جسدية مثل الصداع والأرق، مع احتمالات لظهور سلوكيات انسحابية أو توتر داخل الأسرة. وتشير إلى أن هذه الاستجابات تُعد في الغالب طبيعية في أعقاب الصدمات، ما لم تستمر لفترات طويلة أو تتفاقم.

“تأثيرات متوسطة”

وحذّرت كلمون من أن هذه الأعراض قد تتطور خلال الأشهر اللاحقة إلى اضطرابات أكثر تعقيدًا، خاصة لدى الأطفال الذين قد يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة، وصعوبات في التعلم والانتباه، أو سلوكيات عدوانية أو انسحابية. كما يواجه الأطفال خطر الحزن المعقّد في حال فقدان أحد مقدّمي الرعاية.

وفي المقابل، قد يعاني البالغون من الاكتئاب أو القلق المزمن، أو استمرار أعراض الصدمة، بما في ذلك إعادة استحضار الحدث وتجنبه، إلى جانب تدهور الأداء الوظيفي والعلاقات الاجتماعية. وتزداد هذه المخاطر في ظل عوامل مثل فقدان المسكن والأفراد معًا، أو وجود إصابات، أو تاريخ صدمات سابقة، أو ضعف الدعم الاجتماعي.

“الاستجابة النفسية”

وأكدت أن التدخل الفوري ينبغي أن يبدأ بما يُعرف بالإسعاف النفسي الأولي، والذي يقوم على توفير الأمان والطمأنينة، وربط المتضررين بالخدمات الأساسية، والاستماع الداعم دون الضغط عليهم لسرد تفاصيل الصدمة. وشددت على أن تأمين الغذاء والمأوى والمياه يمثل شرطًا أساسيًا لأي تحسن نفسي.

كما دعت إلى إعادة الروتين اليومي للأسر، خاصة الأطفال، من خلال تنظيم أوقات النوم والغذاء، وتوفير مساحات آمنة للعب والتعبير، إلى جانب تدريب مقدّمي الرعاية على كيفية التعامل مع استجابات الصدمة لدى الأطفال.

“الدعم المجتمعي”

وأشارت إلى أهمية تعزيز الروابط الأسرية والمجتمعية، عبر لمّ شمل العائلات وتنظيم مجموعات دعم يقودها المجتمع، بما يسهم في تخفيف العزلة وإعادة الشعور بالأمان والانتماء. كما أكدت ضرورة إشراك القادة المحليين والدينيين في نشر رسائل التطمين وتقليل الوصمة المرتبطة بالصحة النفسية.

“تدخلات متخصصة”

وبيّنت أن الحالات التي تستمر فيها الأعراض أو تتفاقم تحتاج إلى تدخلات نفسية متخصصة، مثل العلاج المعرفي السلوكي الموجه للصدمة للأطفال، أو العلاجات النفسية للبالغين، إلى جانب تقييم سريري دقيق باستخدام أدوات مقننة، مع إمكانية التدخل الطبي في حالات الاكتئاب الشديد أو الأرق الحاد.

“اعتبارات ميدانية”

وشددت على ضرورة دمج خدمات الصحة النفسية مع بقية الخدمات الإنسانية، وعدم فصلها عن الماء والمأوى والحماية، مع أهمية التكييف الثقافي للتدخلات، واستخدام اللغات المحلية، وبناء قدرات المجتمع المحلي لضمان استدامة الدعم. كما حذرت من مخاطر إعادة الصدمة أو انتهاك الخصوصية، داعية إلى الالتزام بمبدأ “عدم إلحاق الضرر”.

“مسار التعافي”

وختمت كلمون إفادتها بالتأكيد على أن معظم الاستجابات النفسية في الأسابيع الأولى تكون طبيعية، لكنها قد تتحول إلى اضطرابات مزمنة إذا لم تتم معالجتها بشكل مبكر ومتكامل. وأوضحت أن أفضل نهج للتعامل مع مثل هذه الكوارث يقوم على مزيج من تأمين الاحتياجات الأساسية، والدعم النفسي والاجتماعي المنظم، والتدخلات المتخصصة عند الحاجة، بما يضمن الحد من ترسخ الصدمة وتعزيز فرص التعافي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى