بيان أثار العاصفة..الإتحادي الأصل يشعل جدلاً حول وعي الأحزاب بحجم التحدي الوطني

دعم “حكومة الأمل” يتحول إلى أختبار حقيقي لجدية القوى السياسية
تفكيك الكتل والتحالفات الهامشية شرط لإستعادة الفاعلية السياسية
زمن المحاصصة أنتهى… وبدأ زمن إنقاذ الدولة السودانية
تقرير تحليلي/ علم الدين عمر
أثار بيان الحزب الإتحادي الديمقراطي الأصل بقيادة محمد عثمان الميرغني الرافض للمشاركة في مشاورات تشكيل المجلس التشريعي والحكومة الإنتقالية جدلاً كثيفاً داخل الأوساط السياسية والإعلامية..ليس بسبب مضمونه فحسب..بل لأنه أعاد طرح سؤال أكثر عمقاً.. هل إستوعبت الأحزاب السودانية طبيعة المرحلة الإستثنائية التي تمر بها الدولة؟
ففي الوقت الذي تواجه فيه البلاد حرباً تهدد بنيتها ووحدتها.. بدا البيان— في نظر كثيرين— كتعبير عن إستمرار النخبة السياسية في التفكير بمنطق ما قبل الحرب.. حيث تُقاس الأمور بمعيار المشاركة في السلطة وليس بميزان بقاء الدولة وتهديد وجودها وبنيتها وسيادتها..
هذا الجدل لم يقتصر على الإتحادي الأصل بل إمتد ليشمل مجمل القوى السياسية التي ما تزال تتحرك داخل دوائر التحالفات والكتل بعيداً عن بلورة برنامج وطني واضح لدعم مؤسسات الدولة..
حكومة الأمل… فرصة أخيرة قبل الإنزلاق..
جاء تشكيل “حكومة الأمل” برئاسة الدكتور كامل إدريس في سياق محاولة إعادة توجيه المرحلة الإنتقالية نحو هدف مركزي يمنع إنهيار الدولة وإدارة توازنات الحرب تمهيداً للإنتقال إلى الإستقرار..
لكن نجاح هذه الحكومة لا يعتمد على تركيبتها (حيث تم تكليف الدكتور كامل إدريس برئاسة الوزارة وتشكيل الحكومة كشخصية مستقلة) بقدر ما يعتمد على البيئة السياسية التي تعمل داخلها.. فالحكومة لا تستطيع وحدها
تعبئة المجتمع وتحصين الجبهة الداخلية وضبط الخطاب السياسي وبناء التوافق الوطني الواسع.. وهنا يبرز الدور الغائب للأحزاب.. دعم الحكومة في هذه المرحلة لا ينبغي أن يكون مشروطاً بآليات المشاركة أو نسبها.. لأن طبيعة الظرف تفرض حلولاً إنتقالية قد لا ترضي الجميع لكنها تبقي الدولة قائمة..
من المطالبة بالمقاعد إلى تعبئة المجتمع
أحد أبرز الإختلالات في المشهد السياسي السوداني تمثلت في إصرار القوى السياسية علي أن تتعامل مع الإنتقال كعملية توزيع سلطة.. بينما ما تتطلبه المرحلة هي التعبئة الوطنية الشاملة.. الدور المطلوب من الأحزاب اليوم يشمل: دعم القوات المسلحة سياسياً ومعنوياً وتعزيز التماسك الإجتماعي وتنظيم المبادرات الشعبية والإغاثية ومواجهة خطاب التفكك واليأس
ونشر الوعي بخطورة المرحلة..
فالحرب لا تُكسب بالسلاح وحده.. بل بإلتفاف المجتمع حول شرعية الدولة..
تفكيك الكتلة الديمقراطية… وبقية الكتل الهامشية..
أصبح من الواضح أن التحالفات السياسية الواسعة التي تشكلت في ظروف سابقة تحولت إلى عبء على الفاعلية السياسية..خصوصاً تلك التي تتحرك على هوامش المشهد دون برنامج موحد أو وزن جماهيري واضح.. وتبرز هنا الدعوات المتزايدة إلى تفكيك الكتلة الديمقراطية وبقية التكتلات المشابهة ليس بهدف إضعاف القوى المدنية..بل لإعادة السياسة إلى مسارها الطبيعي القائم على أحزاب واضحة الهوية.. وبرامج محددة.. وقواعد جماهيرية معروفة..
وتنافس مشروع.. فالتحالفات الفضفاضة تخفي الأحجام الحقيقية للأطراف داخلها.. وتسمح لكيانات صغيرة بلا قواعد شعبية حقيقية بأن تكتسب حضوراً يفوق وزنها الفعلي..ما ينتج ضجيجاً سياسياً لا يقابله تأثير حقيقي على الأرض..
عباءة الضعف السياسي..
إعتماد بعض الأحزاب على التحالفات بدلاً من العمل القاعدي يعكس أزمة أعمق تتعلق بتراجع قدرتها التنظيمية والشعبية..
ومن أبرز مظاهر هذا التراجع..
ضعف التواصل مع الجماهير..
وغياب البرامج الإقتصادية والإجتماعية الواقعية.. والإعتماد على النخب بدلاً من القواعد.. وانتظار التوافقات الخارجية أو العسكرية.. هذه الحالة دفعت القوى السياسية إلى التعويض عن ضعفها بالمطالبة بنصيب في السلطة بدلاً عن إستعادة حضورها في المجتمع..
العودة إلى البرامج والجماهير..
الطريق الوحيد لإستعادة الشرعية السياسية هو العودة إلى الناس.. فالديمقراطية لا تُبنى عبر التكتلات والتحالفات التي تجعل من الكيانات الصغيرة براميل فارغة تحدث الكثير من الضجيج بينما هي خاوية من البرامج والشخصيات المؤثرة فعليا أو الملهمة للناس..بل تبني عبر الأحزاب ذات البرامج والأوزان الجماهيرية الحقيقية..
المطلوب اليوم أن تنصرف القوى السياسية إلى إعادة بناء هياكلها التنظيمية.. وإعداد رؤيتها لما بعد الحرب.. وطرح حلول لمشكلات المعيشة.. وتدريب كوادرها الجديدة.. وصياغة برامجها الإنتخابية الواضحة..
هذه الجهود هي التي ستحدد الوزن الحقيقي لكل حزب عندما يحين موعد الانتخابات.. وإتاحة المجال لمؤسسات الدولة لإدارة المرحلة الإنتقالية في ظل الحرب.. وتتطلب قدرة على اتخاذ قرارات سريعة ومرنة.. وقد تستدعي حلولاً غير مثالية مثل التعيين بدلاً من الإنتخاب.. وإختيار شخصيات توافقية.. وتقديم الكفاءة على التمثيل السياسي.. لذلك فإن التركيز على آليات الإختيار أكثر من التركيز على النتائج قد يؤدي إلى شلل مؤسسي خطير.. الأولوية يجب أن تكون لإستمرار الدولة وليس لإرضاء الأطراف..
إستكمال هياكل السلطة..ضرورة مرحلة..
غياب المؤسسات يفتح الباب للفوضى.. بينما وجودها — حتى بصيغة إنتقالية — يخلق إطاراً قانونياً وإدارياً لإدارة البلاد..
تحتاج الدولة بصورة عاجلة إلى
مجلس تشريعي يمارس الرقابة والتشريع.. وحكومة تنفيذية مكتملة الصلاحيات.. ومؤسسات قضائية فاعلة.. وأجهزة رقابية مستقلة.. ودعم حكومة كامل إدريس في إستكمال هذه الهياكل “على أي وجه قابل للعمل”.. يمثل شرطاً أساسياً لعبور المرحلة..
ما بعد الحرب يبدأ الآن..
الإنشغال بالصراع الحالي لا يجب أن يؤجل التخطيط للمستقبل..فالدولة لتنجح في التعافي لابد أن تبدأ مبكراً في إعداد برامج ما بعد الحرب.. ومن أهم هذه البرامج..
خطط إعادة الإعمار وإصلاح الإقتصاد ومعالجة آثار النزوح وإعادة دمج المقاتلين
وبناء نظام العدالة الإنتقالية..
والتحضير للإنتخابات..
وهذه مهام تقع أساساً على عاتق الأحزاب والقوى السياسية وليس الحكومة وحدها..
الخلاصة..إختبار وعي تاريخي..
أعاد بيان الإتحادي الأصل فتح ملف العلاقة الملتبسة بين الأحزاب والدولة في السودان.. هل هي علاقة شراكة لإنقاذ الوطن أم منافسة على سلطة مهددة أصلاً؟..
إن دعم حكومة كامل إدريس ليس خياراً سياسياً بين بدائل متساوية..بقدر ما هو ضرورة وطنية تمليها طبيعة الوقت وتحديات المرحلة وأشواق الشعب.. أما الإستمرار في التحرك داخل كتل وتحالفات بلا برنامج واضح فلن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة وإطالة أمد الإنتقال..
المطلوب اليوم هو إنتقال الأحزاب من عقلية المطالبة إلى عقلية المسؤولية ومن التكتلات إلى البرامج.. ومن الصراع على السلطة إلى حماية الدولة.. من حسابات اليوم ومكاسبه إلى رؤية المستقبل..
فالدولة عليها أن تخرج من الحرب أولاً ليمكنها أن تبني الديمقراطية لاحقاً.. ولتتمكن الأحزاب من إيجاد أرض تقف عليها أصلاً…



