الوسيلة السماني لـ “العودة”: تعيينات التشريعي فخ سيجذر صراعاتنا

أحزاب سودانية تحولت لمجرد لافتات ومجموعات ضغط سياسي
معركة الكرامة وجودية.. إما السودان أو لا سودان
الحوار شريعة إلهية والبديل صراع يمزق ما تبقى بالوطن
إقصاء 95 % من الشعب السوداني مستمر لستة عقود متتالية
لا بديل عن مراجعة المناهج والتربية الوطنية فوراً وبحسم
السياسة السودانية تحتاج لإجابات حقيقية للأجيال الشابة الجديدة
حاوره: رمضان محجوب
في هذه المساحة، نستنطق رئيس المكتب السياسي للحزب الاتحادي الديمقراطي، الوسيلة السماني، الذي يضع مبضع الجراح على جسد الأزمة السودانية الراهنة. بكلمات رصينة ورؤية ثاقبة، يفكك السماني تعقيدات المشهد السياسي، معلناً موقف الحزب الصارم من القضايا الجوهرية التي تشغل بال الشارع السوداني. من رفض التعيينات التشريعية “المبتسرة” إلى تحليل معركة الكرامة كخيار وجودي، يمضي الحوار ليرسم ملامح “العقد الاجتماعي” المفقود، داعياً إلى حوار وطني شامل ينهي عقوداً من التيه السياسي والإقصاء الممنهج، ويرسم خارطة طريق تعبر بالبلاد من ضيق الحرب إلى رحاب المؤسسية والمواطنة الحقة.
▪️ أعلنت مؤخراً تجديد تحفظكم على تعيين مجلس تشريعي في الوقت الراهن؛ ما هي المبررات الجوهرية التي يستند إليها هذا الرفض؟
= تحفظنا يكمن في الآليات التي يقوم عليها والتي تشكله، وهذا يجب أن يسبقه عمل قانوني لكي يكون هذا المجلس موفقاً. ورغم أن الحاجة له شديدة، لكننا نؤمن بأن التعيينات في هذا الظرف قد تجر الجميع إلى خلافات وصراعات، نراها الآن بأعيننا حتى في القضايا الجوهرية، والتي يجب أن يتفق عليها لتشكل ميثاقاً أو عقداً اجتماعياً يحدد كيف يحكم السودان.
▪️ لماذا تعتقد أن خطوة تشكيل المجلس الآن قد تؤدي إلى زيادة “التباعد” بين المكونات السياسية؟
= مضت سنوات ونحن نتجاذب وتتسع دائرة الخلافات، فما بالك إذا ارتبطت المسألة بطموح مشروع في المشاركة في إدارة الدولة؟ في هذا الظرف سيكون هناك حديث كثير عن “الأوزان”، وسنصطدم بعدد مهول من اللافتات التي تحمل أسماء أحزاب وهي في الحقيقة “مجموعات ضغط”. تشكيل المجلس الآن قد يجذر الصراعات ونحن في معركة “أن يكون السودان أو لا يكون”، ولن يوحد القوى بل سيقود لشق الصف.
▪️ هل يرى الحزب الاتحادي الديمقراطي أن آلية “التعيين” بحد ذاتها هي المشكلة، أم أن التوقيت هو العائق الأساسي؟
= إضافة لمسألة التعيين التي لن ترضي طرفاً، هناك الآلية غير المحددة، ثم أن التوقيت غير مناسب تماماً. نحن مشغولون بمعركة يجب أن ينتهي فيها التمرد الذي قاد لتشريد ملايين من أبناء الشعب. أولوياتنا الآن أن تتوقف الحرب بعزة وكرامة، ليعود الشعب ويكون شريكاً حقيقياً في القرار.
▪️ في ظل غياب مؤسسة تشريعية، كيف يمكن سد الفراغ الرقابي والتشريعي الذي تحتاجه الدولة؟
= يمكن سد الفراغ بإكمال المفوضيات، والجهاز القضائي، والمحكمة الدستورية، وتعديل الوثيقة الدستورية لتشكل عملاً رقابياً كبيراً والتطبيق الصارم للقوانين، إضافة أنه لا بد للصوت الوطني أن يكون حاضراً لتأمين مسيرة العمل المثقلة بقضايا الحرب، والتوصل لوثيقة وطنية تمنع تكرار مآسي الماضي.
▪️ وصفت “معركة الكرامة” بأنها معركة وطن؛ كيف تقيم مستوى التلاحم الشعبي القائم حالياً؟
= التلاحم القائم، رغم محاولات التشويش، نحتاج له أن يكون بقدر الطموح الذي نرجوه. نرجو أن يصطف الشعب كله خلف هذه المعركة؛ لأنها ليست معركة أفراد أو حزب، والمنتصر فيها هو الشعب والخاسر هو الشعب. العمل السياسي يجب أن يخدم المعركة بوحدة الصف لتعكس صورة حقيقية للسودان في الخارج؛ ونؤكد للكافة بأننا مع الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان.
▪️ وجهت دعوة للقوى السياسية لنبذ الخلافات؛ ما هي “المنصة المشتركة” التي يقترحها الحزب؟
= رؤيتنا تقوم على مبدأ “الحوار”، فهو الشريعة الإلهية التي تنزلت على ألسنة الأنبياء والمرسلين والفلاسفة، وبدون الحوار صراع. لذا نجدد النداء لقيام “جبهة وطنية” تضم الكيانات السياسية والقوى المجتمعية، وتشكل منصة ومصدة للرأي العام.
▪️ لماذا تعتبر أن كثيراً من القضايا الخلافية الراهنة هي قضايا “مصطنعة”؟
= لأن كثيراً من القضايا الخلافية “مصطنع” أو يشوبه غرض، مثل قضايا التهميش والعلاقة بين الدين والدولة والهوية والهامش والمركز، وهي تحتاج لجلوس صريح لمعرفة هل هي أخطاء إدارة، أم نتيجة لضعف اقتصادي حال دون توازن التنمية أو محاولات الإقصاء التي يعاني منها 95% من الشعب طوال الستة عقود الماضية، في محاولات بعض القوى السياسية فرض رؤية أحادية.
▪️ هل هناك تواصل مباشر بينكم وبين القوى السياسية الأخرى لتنسيق ميثاق وطني؟
= التواصل ضروري وسنستمر فيه حتى تتوحد الرؤية الوطنية حول قضايا متفق عليها. نحن نمقت إطلاق كلمة “أقلية” على أي مجموعة، ونؤمن بالمواطنة الحرة التي يكون فيها الإنسان حراً طليق اليد واللسان، ويدرك أن لديه واجبات تجاه الوطن كما لديه حقوق.
▪️ كيف تنظرون إلى دور “المكونات المجتمعية” كالإدارة الأهلية والطرق الصوفية في حسم المعركة؟
= الإدارات الأهلية والطرق الصوفية هي الأجسام التي جمعت القبائل وشكلت اللبنة الأولى للوحدة الوطنية. عليها الآن مراجعة مسيرتها لتكون المعبر الحقيقي للمجموعات السكانية والمساعدة الفعالة في المشاركة في الفترة المقبلة.
▪️ وصولكم إلى بورتسودان في هذا التوقيت يحمل دلالات سياسية؛ ما هي خطواتكم القادمة؟
= حضورنا هو حضور لأرض الوطن. نجري لقاءات للتشاور ولن تنقطع، هي واجبة في هذا الظرف.. ومن هنا سننطلق لزيارة ولايات نهر النيل، والجزيرة، وسنار، والنيل الأبيض، والقضارف، وكسلا؛ لنلتقي بأشقائنا الذين حالت بيننا وبينهم الظروف الحالية، رغم أن ظل التواصل عبر الوسائط الإعلامية، وهذا دور طبيعي لأي قوة سياسية حية.
▪️ في اعتقادك ما هي خارطة الطريق المثلى التي تعيد السودان حراً آمناً مستقراً؟
= الأساس هو الوحدة الوطنية والوثيقة الجامعة التي يلتزم بها الجميع. القوى السياسية يجب أن تخاطب الأجيال الجديدة بما يحقق طموحاتها، ويجيب على تساؤلاتها المشروعة: كيف أمارس الحياة السياسية بمسؤولية؟ وكيف أؤدي واجبي قبل المطالبة بحقوقي؟
▪️ كيف يمكن للمواطن أن يعيش تدينه دون الانخراط في “الإسلام السياسي”؟
= طرحنا تساؤلاً مشروعاً: كيف أكون مسلماً حسناً دون أن أنتمي للتيار الإسلامي السياسي؟ هذا جزء من الأسئلة التي ستجعل أكف السودانيين (إن جلسوا بجدية وإرادة حرة وعزيمة) تلتقي ليتنافسوا تنافساً حراً في خدمة الوطن.
▪️ ذكرت “الاشتراكية” في حديثك؛ كيف تنظر إليها كخيار فكري للسودانيين؟
= تساءلنا أيضاً: كيف أكون اشتراكياً دون التقيد بنظرية وضعية؟ ويجب أن يعرف أن الاشتراكية إرث إنساني منذ الحضارة الإغريقية أو قبلها. فهم هذه الجذور يساعد في صياغة رؤية اقتصادية واجتماعية تناسب واقعنا.
▪️ ما هي في نظرك الأسباب الكامنة وراء الانقلابات التي شهدها تاريخ السودان السياسي؟
= يجب البحث في ما هي أسباب الانقلابات التي حدثت في السودان وقطعت تواصل التداول السلمي للسلطة. معرفة هذه الأسباب ضرورية لضمان عدم تكرارها وتحقيق الاستقرار المستدام.
▪️ ما هي حدود ممارسة الحريات التي ينبغي الاتفاق عليها في الوثيقة الوطنية المرتقبة؟
= نعم… طرحنا تساؤلاً جوهرياً حول ما هي حدود ممارسة الحريات العامة والشخصية؟ هذه القضايا المطروحة هي التي ستجعل أكف السودانيين تلتقي إذا توفرت الجدية والإرادة الحرة.
▪️ وصفت ما مر به السودان مؤخراً بالأمر “الجسيم”؛ ماذا يتطلب ذلك من الشعب؟
= ما مررنا به أمر جسيم يتطلب وقفة ومراجعة مع النفس. تساهلنا لدرجة أن تورطنا، والنتيجة كانت ما نرى الآن من تدمير طال كل مناحي الحياة ومراكز الدولة.
▪️ تحدثت عن تدمير “مراكز الذاكرة”؛ ما هي خطورة ذلك على مستقبل الدولة؟
= النتيجة كانت تدمير مراكز الذاكرة الإحصائية والثقافية والتاريخية والعلمية. هذا فقدان عظيم للهوية وللمعلومات التي تبنى عليها الدول، ويتطلب مراجعة شاملة لطريقة ممارستنا للحياة.
▪️ طالبت بمراجعة المناهج الدراسية؛ ما هو الخلل الذي كشفته الحرب في هذا الجانب؟
= المراجعة يجب أن تبدأ بمناهجنا الدراسية والتربية الوطنية. هناك مثلاً أمثلة محبطة ومثبطة للهمم، وهناك أمثلة لا علاقة لها بالواقع المعاش. الحرب كشفت عن كثير من مواقع الخلل في تربية الوجدان الوطني.
▪️ هل ترى أن السودان حالة استثنائية في معاناته الحالية؟
= نحن لسنا بدعاً من الشعوب.. فلقد مرت شعوب بأقسى وأفظع مما عانينا.. لكنها شدت من ساعد الجد وتجردت. وها هي الآن في مصاف الدول الكبرى بفضل تجرد أبنائها وعزيمتهم.
▪️ ما هي الرسالة التي توجهها للمؤسسة العسكرية في ظل هذه الظروف؟
= نسأل الله النصر المؤزر لقواتنا المسلحة، وأن يوفقنا لوحدة الكلمة على أساس المواطنة والحق والواجب، ليعود السودان آمناً مستقراً.
▪️ كلمة أخيرة للشعب السوداني الصامد؟
= المطلوب حقيقة مراجعة شاملة، والنهوض بساعد الجد. علينا أن نتعلم من تجاربنا القاسية لنبني مستقبلاً يقوم على التوافق والوحدة الوطنية الحقيقية.



