د. عبد العزيز الزبير باشا يكتب : رسالة تهنئة إلى الشعب السوداني بمناسبة عيد الفطر

الحمد لله الذي جعل من الصبر مفتاحًا للفرج، ومن الثبات طريقًا للنصر، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
إلى الشعب السوداني العظيم،
إلى رجالٍ صدقوا ما عاهدوا الله عليه،
إلى نساءٍ حملن عبء الوطن بصبرٍ وكبرياء،
إلى شبابٍ لم ينكسروا رغم العواصف بل ازدادوا صلابةً وعزمًا،
كل عام وأنتم بخير، وكل عام والسودان أقرب إلى تمام عافيته، وأكثر تماسكًا ووحدة.
يأتي هذا العيد المبارك وبلادنا تمر بمرحلة مفصلية من تاريخها، مرحلة تُكتب فيها المواقف قبل الكلمات، ويُقاس فيها الرجال بثباتهم لا بشعاراتهم. وقد أثبتم – وأنتم أهل لذلك – أن السودان ليس أرضًا تُؤخذ، بل وطنٌ يُحمى، وأن شعبه ليس جمهورًا متفرجًا، بل شريكٌ أصيل في حرب الكرامة الوجودية وصناعة المستقبل.
لقد تجلت خلال هذه الحرب حقيقة لا تقبل الجدل: أن إرادة السودانيين، على اختلاف أعمارهم وانتماءاتهم ومواقعهم، قد التقت عند نقطة واحدة—حماية الدولة وصون كرامتها. وهذا الالتفاف الشعبي الواسع، الذي امتد من القرى إلى المدن، ومن الشيوخ إلى الشباب، لم يكن وليد لحظة، بل تعبيرًا صادقًا عن وعيٍ متراكم وإدراكٍ عميق لطبيعة التحدي.
وفي خضم هذه التحديات، برزت قيادة الدولة بمواقف واضحة لا تحتمل الرمادية، متمسكة بثوابت الأمن والاستقرار، ومؤكدة أن السلام لا يُبنى على أوهام، بل على أسس راسخة تُنهي أسباب الفوضى من جذورها. وهي رؤية وجدت صداها الطبيعي لدى شعبٍ خبر التجارب، ويدرك أن أنصاف الحلول لا تصنع دولًا.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد صمود، بل إعادة تشكيل للمعادلة الوطنية: جيشٌ يحظى بثقة شعبه، وشعبٌ يقف خلف مؤسساته، ووطنٌ يرفض أن يُدار إلا بإرادته الحرة. وهذه ليست لحظة عابرة، بل رصيدٌ استراتيجي يجب البناء عليه بحكمة وحزم في آنٍ واحد.
وفي هذا العيد، لا يسعنا إلا أن ننحني إجلالًا لأرواح الشهداء، وندعو بالشفاء للجرحى، والحرية للأسرى، وأن نحيي كل من وقف في الصفوف الأمامية—حاملًا السلاح أو صابرًا في بيته—فالجميع شركاء في هذا الامتحان الوطني الكبير.
أيها السودانيون،
المرحلة القادمة لا تحتمل التردد ولا أنصاف الحلول؛ فهي تتطلب وضوحًا صارمًا في الاتجاه، وحسمًا لا يتزعزع في القرار، والتفافًا وطنيًا خاليًا من أي تشويش حول هدف واحد: فرض هيبة الدولة كاملة السيادة، أو تحصين هذه السيادة عبر تفعيل قوانين حازمة لا تُستثنى منها جهة ولا يُساوَم عليها طرف. لقد أثبتت حرب الكرامة الوجودية أن بقاء الدولة مرهون بقدرتها على احتكار القوة وتنظيمها داخل مؤسساتها الشرعية، وأن أي تساهل في هذا المبدأ ليس كلفة سياسية بل خطر وجودي. وعليه، فإن الطريق نحو الاستقرار الدائم ليس خيارًا تفاوضيًا مفتوحًا، بل مسارٌ محسوم لا رجعة فيه، يُبنى على الانضباط، ويُصان بالقانون، ويُفرض بإرادة دولة تعرف ما تريد.
لقد أثبتم أنكم على قدر المسؤولية، وأن رهان الوطن عليكم لم يكن في غير محله. فامضوا كما أنتم—ثابتين، موحدين، مدركين أن النصر لا يُمنح، بل يُنتزع بثبات الموقف وقوة الإرادة.
كل عام وأنتم بخير،
وكل عام والسودان أقرب إلى نصرٍ مكتمل،
نصرٌ يُبنى بسواعد أبنائه، ويُصان بوحدتهم، ويُستكمل بعزيمتهم…..



