إرهاصات ما قبل الطامة (٧-٧): حين هطلَ “المطرُ بلا بَراق”

بقلم: م. محمد عبد اللطيف هارون

​اليوم نغلق الدفاتر، لا لأن الحكايات انتهت، بل لأن الوجع قد فاق القدرة على الاحتمال. لقد كان الخامس عشر من أبريل هو النقطة التي انشطر فيها تاريخنا إلى “ما قبل” و “ما بعد” ، “ما قبل” حيث كانت لنا بيوتٌ و”برش فطور”، و”ما بعد” حيث أصبحنا أمةً مشردة في المنافي، تطاردها ذكرياتُ الدمار ونواحُ الفقد.

​الآن، ونحن نرى أطلال بيوتنا، نستعيد بمرارة ذلك التهديد الذي أطلقه “حميدتي” علناً قبل الحرب بأقل من عام ، حين قال بصلفٍ وغرور: “سترون مطراً بلا بَراق”، وتوعد بأن بيوت الخرطوم سيهجرها أهلها “لتسكنها القطط”. لم تكن تلك مجرد زلة لسان أو “مراهقة سياسية”، بل كانت “إعلان حربٍ مؤجل”، وخطَّةً مبيتة لاقتلاع شعبٍ من جذوره. لقد أرادها “مطراً” من الرصاص والقذائف يهطل فوق رؤوس الأبرياء دون إنذار (بَراق)، ليحصد الأرواح ويهدم الأحلام.

في ​الجزيرة والخرطوم: حين استُبيحت العروض ​وانفجر البركان.. لم تكتفِ هذه المليشيات بالانقلاب على السلطة، بل انقلبت على “الإنسان”. في الخرطوم، تحولت البيوت التي كانت تنبض بالحياة إلى “ثكناتٍ” ومقابر، واستُخدم الاغتصاب سلاحاً لكسر كبرياء العائلات، في أبشع سقوطٍ أخلاقي عرفه تاريخنا.

​أما في “الجزيرة”، تلك الأرض المعطاءة، فقد دخلت قوات الدعم السريع القرى الآمنة، لا لتقاتل جيشاً، بل لتنهب المحاصيل، وتقتل الكادحين، وتنتهك الحرمات، في حملةٍ مسعورة من السلب والنهب الممنهج، حتى غدت “الخضراء” تكتسي بلون الدم والرماد…

​وفي دارفور، تكررت المأساة بملامح “التطهير العرقي” الصارخ. ما حدث في “الجنينة” في بداية الحرب و “الفاشر” مؤخرا ، ومدن دارفور المختلفة لم يكن حرباً سياسية، بل كان محاولةً لإبادة عرقية كاملة؛ حيث قُتل الناس على “الهوية”، واقتُلع المساليت وغيرهم من أرض أجدادهم في مشهدٍ أعاد للأذهان أسوأ كوابيس البشرية. كانت تلك القوات تنفذ “الخطة ب” التي رتب لها حميدتي خلال اعتصامه في الجنينة، لتتحول الأرض إلى ساحة تصفيةٍ عرقية كبرى.

لينتج عن ذلك أكثر من عشرة ملايين سوداني مهجرون قسرياً، نازحون في الداخل أو لاجئون يطرقون أبواب المنافي. عشرة ملايين غصة وجع و قصة ضياع ، وبيتٍ مغلق، ومستقبلٍ ضائع. لقد نجح الوعيد، وسكنت “القطط” – واللصوص – بيوتنا، وأصبحنا نحن “أصحاب الحق” غرباء نبحث عن وطنٍ في حقيبة سفر.

*​كلمة أخيرة..*

​لقد كان “الدرب التحت” الذي حذرنا منه البروف الساعوري هو المفر الوحيد من “المطر الذي لا بَراق له”. رحل “البرش”، و لكنه حتما يعود ، وتفرق الجيران، و لكنهم لا محالة سيجتمعون . وصمتت قهوة الساعوري، و مذاقها لم يفارق السنتنا إلى أن نلقاها ، حدث كل هذا الفقد و لكنَّ الحقيقة تظلُّ ساطعة كشمس الخرطوم: إنَّ من يشعل النار ليسكن في رمادها، لن يحصد إلا الخيبة، وإنَّ دماء الملايين ودموعهم هي “البَراق” الحقيقي الذي سيحرق عروش الظالمين مهما طال الزمان.

​انتهت يومياتي السبعة .. و يبقي السودان في سويداء القلب، جرحاً لا يندمل، وأملاً لن يموت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى