جمهورية المستشارين.. حينما يتسع الظل ويضيق القرار..

ملح الأرض : بقلم: خالد ماسا

والاعتقاد بأن التقييم الحقيقي والصحيح للسلوك الرسمي بمستوياته المختلفة، السيادي منها والتنفيذي، في تعيين وإقالة المستشارين، قد لا يمر فقط عبر طريق “حفلات الشواء” التي تقام على الصفحات التفاعلية، أو الحفريات التي تعقب صدور أي قرار بذلك في الذاكرة الرقمية المحتشدة بمواقف متناقضة تمامًا، بالتأكيد لا يحب أي مستشار أن يتذكرها له الرأي العام، لأنها تضعه في زاوية الحرج العام وتبرير ما لا يمكن تبريره، لأن هذه الطريقة تشرح جانبًا واحدًا في تقييم القرار، بينما نحن محتاجون لتقييم هذه “الحالة” التي انتابت القرار الرسمي في الدولة ونقرأ في الكليات والتفاصيل.

(*) مشكلات في بنية القرار ..

التوسع في قرارات تعيين المستشارين بالشكل الذي نراه الآن، وقبل التفكير في “النوعية” التي يتم اختيارها، يعكس – وبشكل واضح – اختلالًا في بنية اتخاذ القرار، ويكشف عن عدم وجود معايير ثابتة يقوم عليها اتخاذ القرار، الموزع أصلًا بين الحاجة “الفنية” للاستشارة وبين التسويات وسداد الفواتير المتبادلة لمعاملات سابقة لاتخاذ قرار التعيين أو مهام متوقعة بعد صدور القرار.

تفكيك مثل هذا النوع من القرارات بالضرورة يتطلب الإجابة على سؤال: ما هي حاجة الحكومة بالأساس لهذه الجملة من قرارات تعيين المستشارين؟ وهل يعني صدور هذه القرارات اعترافًا ضمنيًا منها بنقص الخبرات داخل الجهاز التنفيذي للدولة؟ وبالتالي تكون الحاجة لسد النقص في هذه الخبرات بطاقم مستشارين، مع العلم بأن الحكومة كان بيدها تشكيل جهاز تنفيذي تتم فيه مراعاة الكفاءة قبل الترضيات السياسية والموازنات التي حكمت التشكيل الوزاري وفرضت من تنقصهم الكفاءة والمعرفة في مواقع اتخاذ القرار الذي يتطلب معرفة فنية.

في بلد كالسودان، يعيش فيه الجهاز الحكومي تعقيدات كبيرة على مستوى الاقتصاد والأمن بسبب الحرب، والأزمة السياسية تلقي بظلالها على العلاقات الخارجية، قد يظهر ذلك عجزًا في الأداء التنفيذي الحكومي تتم مساعدته بطاقم استشاري بخبرات فنية، إلا أن ذات الظرف الذي تمر به الحكومة لا تتحمل فيه أي أعباء إضافية تثقل خزانة الدولة، إذ إنه – وفي حالات الدول المستقرة – يكون دور المستشارين هو الدور المكمل لأدوار الجهاز التنفيذي، وفي الحالة السودانية – المعلوم مدى اضطراب أحوالها – يظهر في كثير من الأحوال دور المستشارين كبديل للمؤسسة أكثر من أنها مهام تكميلية.

في الحالة السودانية لم يعد خافيًا بأن الهياكل التنفيذية عندما لا تحتمل كل فواتير الترضيات السياسية يتم اللجوء لهذا النوع من الإضافات، والتي غالبًا ما تعبر عن صناعة مراكز قوى موازية دون وجود وصف وظيفي دقيق لمهام المستشار، الشيء الذي أظهرت معه التجربة العملية للمستشارين كثيرًا من التداخل بين المهام الاستشارية والمهام التنفيذية بسبب عدم الاهتمام بترسيم الخطوط والصلاحيات.

(*) ضعف جهاز الدولة ..

القوة الخفية التي يستند عليها المعينون في منصب المستشارين، والمأخوذة أصلًا من نفوذ وقوة الجهة التي اتخذت قرار التعيين، في العادة صارت خصمًا على قوة قرار الجهاز التنفيذي في الدولة وتآكل نفوذه، بالإضافة إلى البطء الذي صار ملازمًا لاتخاذ القرارات.

مع تعيينات المستشارين وُضعت قيمة الاستشارة التي يقدمها المستشار في أوقات عابرة للهياكل الإدارية للجهاز التنفيذي للدولة، وأكثر من ذلك قد تظهر تقاطعًا مباشرًا مع السياسات والتوجهات العامة للحكومة، لأن القرار الذي يمر عبر القنوات المرسومة لاتخاذه في الإطار المؤسسي يكون قد أخذ كفايته من النقاش والتداول والدراسة اللازمة لآثاره، وذلك بعكس تصورات المستشارين المبنية على الجانب الفردي، إلى جانب مبررات الطعن في المعرفة الفنية أصلًا للمستشار.

الأصل في تقييم الأداء التنفيذي يقوم على الرقابة والمحاسبة، بينما ظلت كل القرارات الصادرة بتعيين المستشارين تكتفي فقط بوصف عام للوظيفة دون تفصيل للمهام والمسؤوليات.

(*) ارتباك واضح في القرارات ..

وإذا كان ما تناولناه آنفًا يتعلق بقرارات تعيين المستشارين، فإن الأمر في جهاز الدولة لم يتوقف عند هذا الحد، ويبدو الأمر ملاحظًا أيضًا في صدور قرارات بإقالة مستشارين حتى قبل أن يشعر الجهاز التنفيذي بأثرهم في شكل القرار التنفيذي، بل حتى قبل أن تنتهي حفلة الاستقبال التي تقام على الصفحات التفاعلية، وهذا يعتبر نتاجًا طبيعيًا للخلل في معايير التعيين ابتداءً.

كما أنه لم يعد خافيًا بأن صراعات “النفوذ” داخل السلطة لها تأثيرها الواضح في تقلبات اتخاذ القرار، واعتماد فكرة تعيين المستشارين في الغالب على الانطباعات أكثر من أنها مبنية على أسس تظل قادرة على حماية التجربة، وبالضرورة تظل قرارات إقالة المستشارين مؤشرًا لحالة الارتباك في قرار التعيين أكثر من أنها تعبير عن حالة حزم إدارية تراعي المصلحة العامة.

ويبدو أن هنالك فهمًا وتفسيرًا غير دقيق لفكرة “بيت الشورة ما خرب”، لأن الفكرة الأساسية في وظيفة المستشار هي أنها وظيفة داعمة ولا تمثل بأي حال من الأحوال بديلًا للمؤسسات، وفي الحالة السودانية الماثلة أمامنا فإن اتساع مظلة الاستشارة لم يكن في يوم مؤشرًا لجودة القرار، بل كان خصمًا على قوة مركز القرار وسرعته.

(*) حوكمة القرار …

ما تؤكده تقارير البنك الدولي فيما يخص جودة الحوكمة بأنها لا تُقاس بعدد المناصب والمستشارين، وإنما بفعالية المؤسسات وقدرتها على تنفيذ السياسات وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين، مع توفر مناهج واضحة لقياس الأداء التنفيذي والمحاسبة والمساءلة. وما لم يكن هذا معمولًا به، فبالضرورة أننا سنكون منغلقين في تجارب فاشلة بشكل متكرر.

وتشير التقارير ذاتها إلى الأثر السالب للتغييرات المستمرة في المناصب وهياكل السلطة، وأن هذه الممارسة من شأنها أن تقطع الطريق أمام تراكم الخبرات المطلوب لتجويد الأداء الحكومي، وهذا هو الحال في النموذج السوداني الحالي، والذي لا نستطيع فيه أن نقول باستفادة القرار الحكومي من زحمة المستشارين وسداد فواتير التعيين.

أي تحسن في الأداء الحكومي مرتبط بالأساس بإجراءات حقيقية لإصلاح الخدمة المدنية وتعزيز المساءلة والشفافية ورفع كفاءة التنسيق بين المؤسسات الحكومية، وليس عن طريق زيادة نسب التعيين خارج الهياكل المرسومة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى