علم الدين عمر يكتب : الحفيان.. حين (تنتعل) الدولة قرارها !!!

حاجب الدهشة
..لم أكن أنوي التعجل في الكتابة عن الدكتور الحسين الحفيان مستشار رئيس الوزراء.. وفاءً لوعد سابق قطعته على هذه المساحة بأنتظار أن تهدأ عاصفة الإتهامات التي أحاطت بالرجل حتى كادت تحوله — في الخيال الشعبي — إلى “العميل رقم صفر” داخل منظومة الحكم.. ذلك الكائن الغامض الذي يُنسب إليه كل نفوذ غير مرئي.. وكل قرار غير مفهوم.. وكل خيط إقتصادي أو إداري أو حتي سياسي لا يُعرف من يمسك بطرفه..غير أن ما يتداول في المجالس وما يتسرب من روايات متناقضة..وما يتعرض له الرجل من أحكام قاطعة دون معرفة مباشرة..يجعل الصمت أحياناً شريكاً في الظلم..
لقد حدثني أحد النافذين ذات مرة —ممن يعرفون دهاليز السلطة — بأن الحفيان بات يتحكم في الدوائر الإقتصادية تحكماً مطلقاً..وأن كثيراً من الخيوط باتت تنتهي عنده.. يومها رسمت في ذهني صورة لرجل صعب المراس.. حاد الطبع..مغلق الأبواب.. يمارس نفوذه ببرود بيروقراطي أو بصرامة فوقية.. لكن المفارقة أنني خلال لقائين عابرين به وجدت شخصاً مختلفاً تماماً..رجل ودود.. مهذب.. مرتب.. في حديثه ومظهره يصغي أكثر مما يتكلم..ويجيب بوضوح دون أستعراض..ولديه رؤية دون أدعاء..لم أرَ الرجل الأسطورة..بل وجدت موظفاً عاماً يدرك حساسية موقعه ويحاول أن يؤديه بهدوء..
وهنا تكمن المعضلة السودانية المزمنة.. فنحن لا نحب “النفوذ غير المنتخب”..ولا نثق في “الدوائر الخلفية”..لكننا في الوقت نفسه نُسقط على كل مستشار أو قريب من مركز القرار شبهة الإستحواذ.. حتى قبل أن نتحقق من طبيعة دوره الفعلية.. قرابة الحفيان الرحمية برئيس مجلس السيادة..أو قربه المهني من رئيس الوزراء..ليست — في ذاتها — تهمة ولا ينبغي أن تكون.. ما دام معيار الكفاءة حاضراً..فالدولة لا تختار مسؤوليها في فراغٍ إجتماعي إنما تسعي إليها من داخل نخبها وشبكاتها المهنية والأكاديمية والسياسية..
السؤال المهم ليس من يعرف من؟ بل ماذا يقدم؟ وهل يؤدي مهامه وفق القانون والإختصاص؟ وهل يخضع للمساءلة المؤسسية؟ إذا كانت الإجابة نعم فإن الإعتراض يصبح أقرب إلى الحساسية السياسية منه إلى النقد الموضوعي..
لقد ظلمنا — كثيراً — فكرة الدولة نفسها حين تعاملنا مع التعيين مطلقاً كمؤامرة..ومع المستشار كحاكم خفي تُنسج حوله الأساطير..الدولة مفوضة دستورياً..أو بحكم الأمر الواقع في مرحلة الإنتقال بإختيار من تراه مناسباً لإدارة ملفاتها.. وقد نختلف مع الإختيار لكننا لا نملك حق نزع الشرعية عنه لمجرد الشك أو الإنطباع..
من زاوية أخرى فإن الأنباء التي رشحت عن إعتذار الدكتور الحفيان — إن صحت — عن تولي وزارة شؤون مجلس الوزراء..تستحق قراءة هادئة..فهذه الوزارة..في جوهرها جهاز إداري تنظيمي معني بترتيب أعمال المجلس ومتابعة قراراته والتنسيق بين أجهزته وليست منصة سياسية بقدر ما هي غرفة عمليات بيروقراطية للدولة.. والإعتذار عنها قد يعني إدراكاً لطبيعة الدور الذي يستطيع الرجل أن يضيف فيه أكثر..أو رغبة في تجنب تضخم الجدل حول شخصه.. وفي الحالتين لا يبدو القرار سلبياً..
أما إستمراره مستشاراً لملفات محددة..إذا كان ذلك ما يريده رئيس الوزراء فهو خيار مشروع ما دام يخضع لمحددات العمل المؤسسي.. فالمستشار..في النهاية..ليس صاحب قرار بل صانع توصية.. ولا يملك سلطة تنفيذية إلا عبر القنوات الرسمية..
إن أخطر ما يمكن أن نفعله في ظل دولة هشة هو أن نحول كل شخصية عامة إلى “شبح متهم” قبل أن تتحول إلى مسؤول قابل للمحاسبة.. فالهالة السلبية تصنع أساطير سوداء.. والأساطير — بطبيعتها — لا تُناقش بقدر ما تُخشى أو تُلعن..
الدكتور الحسين الحفيان ليس أسطورة..ولا شيطاناً بيروقراطياً..ولا “رقماً صفرياً” في معادلة النفوذ كما يتخيل البعض..هو — ببساطة — رجل في موقع حساس.. نجح خصومه أو أفلحت الشائعات في تضخيم صورته أكثر مما فعلت إنجازاته..وبين التهويل والتبخيس تضيع الحقيقة..
وإذا كانت الدولة قد إختارته فإن الحكم العادل عليه لا يكون عبر القصص وأقاويل (شعب الله النقناق)..لابد من تقييم أثره الفعلي في إدارة الملفات التي أوكلت إليه..
وربما آن الأوان أن نتعلم — كشعب — أن النفوذ الحقيقي لا يُقاس بمدى حضوره في الهمس وأقاويل أسفل المدينة ..فذلك يظل مجرد حكاية… قابلة للتصديق أو النسيان..
وحتي الآن الدكتور الحفيان لم تظهر له بصمات (شتراء) في الأداء العام..ولا أدعي مدعي أنه تصادم معه في الإقتصاد والسياسة والمصانعة إلا بمقدر ما أبدي صديقنا حسين ملاسي ملاحظات حول قصة شعره يوم ظهر وراء كواليس مسرح الدولة..
وطالما أنه لازال يؤدي عمله بكل هذا الهدؤ (الصارخ) فلا مجال (لأسطرة) نفوذه وبصماته الخفية.



