السودان في قلب الحروب المركبة.. صراع على بقاء الدولة وليس السلطة..

حصاد الإسبوع

 تقرير تحليلي /علم الدين عمر 

حكومة الأمل تعيد ضبط البوصلة.. حضور مدني يحصن الشرعية ويكسر العزلة..

 حرب تفكيك الداخل.. إستهداف الوعي لإرباك القرار الوطني..

 النيل الأزرق..محاولة فتح الجبهة الشرقية لإستنزاف الدولة..

مدخل الإسبوع.. معركة متعددة الجبهات..محصلة واحدة..

لم يعد ممكناً التعامل مع ما يجري في السودان بوصفه حرباً تقليدية ذات خطوط تماس واضحة.. بل كصراعاد مركب تتحرك فيه عدة جبهات في وقت واحد.. الجبهة العسكرية المباشرة وجبهة الشرعية السياسية..وجبهة العلاقات الخارجية.. وجبهة الوعي الداخلي..وجبهة الأطراف الحدودية.. وما يمنح هذا المشهد خطورته ليس حجم كل جبهة على حدة بل تزامنها وتفاعلها بما يشبه الضغط المتعدد على بنية الدولة نفسها..

خلال هذا الإسبوع برزت مؤشرات واضحة على أن المعركة الأساسية لم تعد فقط حول من يسيطر على الأرض.. بل حول من ينجح في تثبيت صورة الدولة ككيان قابل للإستمرار..حيث حرصت الدولة عملياً على تمثيل نفسها داخلياً وخارجياً بذات القوة والإيقاع..

السودان في تقاطع العواصف الإقليمية..

يتحرك السودان داخل بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.. حيث تتصاعد التوترات في الشرق الأوسط والبحر الأحمر والقرن الأفريقي في آنٍ واحد.. هذا الواقع جعل البلاد عرضة لمحاولات متكررة لربط صراعها الداخلي بتجاذبات إقليمية كبرى..خصوصاً ما يتعلق بالتنافس الأمريكي–الإيراني–الإسرائيلي وإنعكاساته على أمن الخليج والممرات البحرية..

غير أن هذه المحاولات تبدو أقرب إلى إعادة تأطير إعلامي منها إلى توصيف سياسي دقيق..إذ لا توجد مؤشرات على إنخراط السودان رسمياً في محور إقليمي صراعي..لأن أولويته المعلنة تظل مرتبطة بالحفاظ على وحدة الدولة ومنع الإنهيار..وهو هدف تشترك فيه — بدرجات متفاوتة — معظم القوى الإقليمية التي تدرك أن تفكك السودان سيطلق موجة عدم إستقرار يصعب احتواؤها..

حكومة الأمل.. إستعادة الوظيفة السياسية للدولة..

أحد أبرز ملامح هذا الإسبوع كان استمرار الجهد الذي تبذله الحكومة المدنية برئاسة الدكتور كامل إدريس لإعادة تفعيل البعد السياسي للدولة بعد أن طغت الإعتبارات العسكرية على المشهد..فقد عملت الحكومة على توحيد الخطاب الرسمي وتقديم رؤية متماسكة تؤكد أن هدف الدولة ليس إدارة حرب مفتوحة كما تزعم دوائر الناشطين المدندنة حول المشهد.. بل تمضب لإستعادة الإستقرار الوطني والمجتمعي والسياسي..

نشطت وزارة الخارجية تحركاتها في المحافل الدولية.. مؤكدة تمسك السودان بسيادته ورفض أي حلول تتجاوز مؤسساته الوطنية.. بينما ركزت وزارة العدل على بناء ملفات قانونية تعزز قدرة الدولة على مواجهة الإتهامات ضمن أطر مهنية واضحة.. وفي المقابل سعى الإعلام الرسمي إلى تقديم رواية أكثر اتزاناً..تقوم على المعلومات الموثقة بدلاً من الخطاب التعبوي..

تكشف هذه التحركات عن حقيقة جوهرية متمثلة في أن الدولة رغم ما تواجهه من ضغوط لا تزال تمتلك أدوات العمل المؤسسي التي تسمح لها بالحضور والتأثير.. في حين يفتقر خصومها إلى مشروع سياسي أو إداري متكامل يمكن أن يشكل بديلاً قابلاً للحياة..

الرواية..إستهداف الداخل قبل الخارج..

تواصلت خلال الإسبوع الحملات الإعلامية المكثفة التي تهدف إلى تصوير السودان كدولة فاقدة للسيطرة أو الشرعية.. وتعتمد هذه الحملات على تضخيم الوقائع الجزئية وتقديمها بمعزل عن سياقها..بما يخلق إنطباعاً عاماً بأن الدولة تتجه نحو عزلة دولية أو إنهيار داخلي..

الهدف من هذه المقاربة ليس فقط التأثير على الرأي العام الخارجي.. بل الضغط على المجتمع السوداني نفسه عبر بث الشعور بالإرهاق وفقدان الأمل.. إنطلاقاً من قاعدة سياسية معروفة تقول أن المجتمعات التي تشعر بأن الهزيمة حتمية تصبح أكثر إستعداداً لقبول تسويات غير متوازنة..

ومع ذلك..تشير المعطيات إلى أن فاعلية هذه الحرب تبقى محدودة ما دامت الدولة قادرة على الحفاظ على الحد الأدنى من الأداء المؤسسي وعلى تقديم رواية مضادة تستند إلى الوقائع..

الإلتفاف الشعبي..خط الدفاع غير المرئي..

أظهرت تطورات الإسبوع إستمرار حالة الإلتفاف المجتمعي حول فكرة بقاء الدولة.. حتى لدى قطاعات تختلف سياسياً مع السلطة.. فقد أصبح واضحاً أن إنهيار القوات المسلحة أو تفكك مؤسسات الدولة سيقود إلى فراغ يصعب ملؤه..ما يدفع كثيرين إلى تغليب منطق الإستقرار على الخلافات السياسية..

هذا الإلتفاف يمنح الدولة عمقاً أستراتيجياً لا يقاس بالقدرات العسكرية فقط.. بل بمدى إستعداد المجتمع لتحمل أعباء الصراع.. والتجارب التاريخية تشير إلى أن الدول التي تحافظ على تماسكها المجتمعي أثناء الحرب تكون أكثر قدرة على التعافي بعدها..

إستكمال هياكل السلطةما بعد المعركة..

يتزايد الحديث عن ضرورة إستكمال مؤسسات الحكم الإنتقالي وإطلاق مسار العدالة الإنتقالية لمعالجة آثار الصراع دون أن يفتح الباب لدورات جديدة من العنف..هذا التوجه يعكس إدراكاً بأن الحسم العسكري.. مهما كان حاسماً.. لن يكون كافياً لضمان الإستقرار ما لم يترافق مع إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع..

كما يمثل رسالة للخارج بأن السودان لا يتجه نحو نموذج سلطوي دائم..بل يسعى إلى إستعادة المسار السياسي المنظم..

النيل الأزرق.. تهديد الأطراف..

برزت خلال الإسبوع مؤشرات على تحركات مقلقة في إقليم النيل الأزرق.. خاصة في المناطق الحدودية مع إثيوبيا ومناطق الكرمك وقيسان وباو.. وتشير المعلومات إلى محاولات تسلل مجموعات مسلحة قد تسعى إلى فتح جبهة جانبية تستنزف قدرات الدولة وتشتت تركيزها..

تكمن خطورة هذه التحركات في قربها من منشآت إستراتيجية مثل سد الروصيرص..وفي إحتمال إستخدامها لإحداث حالة عدم إستقرار ممتدة شرقاً.. ومع ذلك فإن البيئة المحلية..بخبرتها الطويلة في التعامل مع النزاعات قد تحد من فرص تحول هذه التحركات إلى تهديد واسع..

السودان في معادلة الأمن الإقليمي..

يظل إستقرار السودان عنصراً أساسياً في أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي..نظراً لموقعه الجغرافي وتأثيره المباشر على قضايا الهجرة والتجارة والأمن البحري.. ولذلك فإن معظم القوى الإقليمية.. رغم إختلاف مواقفها.. تدرك أن إنهيار الدولة السودانية سيؤدي إلى تداعيات تتجاوز حدودها..

هذا الإدراك يفسر إستمرار الإعتراف الدولي بمؤسسات الدولة ورفض سيناريو التفكك الكامل..

خلاصة الإسبوع.. صمود الدولة في مواجهة الإستنزاف..

تشير محصلة التطورات إلى أن السودان يخوض حرب إستنزاف متعددة الأبعاد.. حيث لا يقتصر التحدي على المواجهة العسكرية.. بل يمتد إلى الحفاظ على الشرعية السياسية والتماسك الإجتماعي والحضور الخارجي..

ورغم الضغوط.. لا تزال الدولة تحتفظ بعناصر قوة رئيسية..

مؤسسة عسكرية متماسكة..

حكومة مدنية تسعى لإعادة التوازن السياسي..

إلتفاف شعبي حول فكرة بقاء الدولة..

إدراك إقليمي لمخاطر الإنهيار..

إن الاختبار الحقيقي لن يكون فقط في إنهاء التمرد.. بل في القدرة على تحويل هذا الصمود إلى مشروع إعادة بناء شامل يعيد للسودان فاعليته وإستقراره..

هو إسبوع حافل بالتحديات..إستمرت خلاله الدولة في التقدم وأستمر كذلك تراجع خطاب المليشيا وداعميها إعلامياً وسياسياً ومجتمعياً..يسلمنا لإسبوع آخر .. متحرك ومفتوح علي خيارات غير محدودة في مسار إنهاء الحرب في السودان..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى