لاهوت البارود: حروب الخلاص المزيف

بقلم: المهندس محمد عبد اللطيف هارون
في دهاليز “الدولة العميقة” بواشنطن، لم تكن الحرب يوماً مجرد صراع على آبار النفط أو ممرات التجارة، بل هي “صناعة ذهنية” تبدأ من استديوهات هوليود وتنتهي بختم “البيان رقم واحد”. وحين نقترب من مشهد التحالف الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران، نجد أنفسنا أمام حالة “استعصاء سياسي” تم تحويلها ببراعة إلى “ملحمة دينية”؛ حيث تُغلف الصواريخ بصلوات القساوسة، وتُساق الجيوش تحت رايات “الخلاص” المزييفة.
تمتلك الماكينة الأمريكية قدرة إعجازية على “أنسنة” الدمار. فبينما تتساقط القنابل الذكية فوق المدن، تكون عدسات هوليود قد أعدت مسبقاً مسرح الجريمة؛ لتصوير الجندي الأمريكي كبطل تراجيدي “مُثقل بالقيم”، يقتل لكي يمنح الحياة، ويدمر لكي ينشر الحرية. غداً، ستنتج السينما أفلاماً تظهر اغتيال القادة والرموز في إيران كعمليات “طهارة بشرية”، تماماً كما غسلت بروباغاندا “القناص الأمريكي” و”سقوط الصقر الأسود” دماء ضحايا العراق وأفغانستان وفيتنام. إنها اللعبة القديمة: تحويل المعتدي إلى قديس، والعدوان إلى “مهمة مقدسة” يباركها التاريخ.
تتمثل تبعية واشنطن لسيدتها “تل أبيب” في ثوب هجين يمزج بين الصهيونية المتطرفة و المسيحية البراغماتية لتخرج لنا ما يعرف ب “الصهيونية المسيحية” ..
فالمفارقة المذهلة اليوم تكمن في انزياح مركز الثقل؛ فلم تعد واشنطن هي القطب الذي يوجه الحليف الإسرائيلي، بل تحولت إلى ما يشبه “التابع” الذي يلهث خلف طموحات اليمين المتطرف في تل أبيب. هذا الانقياد ليس نفعياً فحسب، بل هو “عقائدي” بامتياز.
فعندما يمتزج خطاب المسؤولين الأمريكيين بـ “اللاهوت السياسي”، وتُرفع الصلوات في البيت الأبيض لمباركة “خادم الرب” في معاركه، فنحن لسنا أمام طقوس فولكلورية، بل أمام إعلان صريح بـ “توراتية الحرب”. لقد تم دمج المصالح الجيوسياسية بالغيبيات الدينية لتبرير إراقة الدماء، حيث يُراد لإيران أن تكون هي “ياجوج وماجوج” العصر الحديث، لتكتمل نبوءات لا علاقة لها بالسياسة بقدر ما لها علاقة بهوس الأيديولوجيا.
التاريخ يعيد نفسه، لكنه في الحالة الإيرانية يتخذ شكل “المهزلة المؤلمة”. فمثلما سُحب العراق قديماً إلى فخ غزو الكويت، ثم إلى كذبة “أسلحة الدمار الشامل” التي لم توجد إلا في مخيلة أجهزة الاستخبارات، يُحاك لإيران اليوم فخ مماثل عبر شيطنة كاملة لكل ما هو إيراني.
لكن واشنطن، رغم ضجيج الصقور، تدرك في قرارة نفسها أن إيران ليست “نزهة صيفية” أو ساحة مكشوفة كصحراء العراق. إن أي مغامرة برية في تلك الجغرافيا المعقدة قد تتحول إلى “ثقب أسود” يبتلع ما تبقى من هيبة القطب الأوحد، ويحول “مهمة الخلاص” إلى مهمة انتحارية تنهي عصر الإمبراطورية التي ظنت أنها تستطيع إدارة العالم بالصلوات والبارود معاً.



