خالد الإعيسر يكتب : الحالة السودانية بين الحقيقة والتصنيف: من يعرّف الإرهاب؟

يظل سؤال تعريف الإرهاب واحداً من أكثر الأسئلة حضوراً في النقاشات السياسية والقانونية المعاصرة. غير أن التجربة العملية في عدد من مناطق العالم، ومن بينها السودان، كشفت أن هذا المفهوم لم يعد دائماً معياراً قانونياً أو أخلاقياً ثابتاً، بل بات في كثير من الأحيان موضوعاً لتباينات سياسية ومعايير مزدوجة. ولهذا فإن كثيراً من الشعوب باتت تتساءل: هل يُعرَّف الإرهاب وفق الأفعال والوقائع، أم وفق موازين القوة والمصالح؟
في السودان، لم يعد هذا السؤال نظرياً أو مجرد جدل سياسي. لقد عاشه السودانيون واقعاً يومياً مؤلماً خلال الفترة الماضية وتجلى بوضوح في ممارسات ميليشيا الدعم السريع المتمردة ومرتزقتها الأجانب. فقد شهدت مناطق واسعة من السودان أعمال تهجير قسري، وعمليات نهب وسلب، وتدميراً للمنازل والبنى التحتية، واعتداءات على المدنيين، وانتهاكات جسيمة مست كرامة الإنسان وأمن المجتمع وخالفت كل نصوص القانون الدولي الإنساني المتوافق عليها. وتشير الوقائع الميدانية إلى أن هذه الممارسات ارتبطت، في كثير من المناطق، بأنشطة ميليشيا الدعم السريع المتمردة التي خلفت وراءها معاناة إنسانية واسعة وآثاراً عميقة في حياة المواطنين. لقد دفعت هذه الأحداث بملايين السودانيين إلى النزوح وفقدان مصادر رزقهم واستقرارهم، وأثرت بشكل مباشر على النسيج الاجتماعي والاقتصادي في البلاد. ومن هنا فإن الحديث عن الإرهاب، بالنسبة لكثير من السودانيين، لم يعد مسألة تعريفات قانونية مجردة، بل أصبح مرتبطاً بالأفعال التي ترتكب على الأرض وتأثيرها المباشر على أمن الإنسان وكرامته. وفي مواجهة هذه الظروف، اضطلعت القوات المسلحة السودانية، مدعومة بتشكيلات وطنية أخرى عسكرية وشعبية تعمل وفق الدستور والقانون، بمسؤوليتها في حماية الدولة وتحصينها من الاختطاف والدفاع عن المواطنين العزل واستعادة الأمن والاستقرار في عدد كبير من المدن والقرى التي تضررت من أعمال ميليشيا الدعم السريع المتمردة. وقد أسهمت هذه الجهود في عودة الحياة تدريجياً إلى معظم أقاليم البلاد، حيث بدأ المواطنون في العودة إلى منازلهم واستئناف أنشطتهم الاقتصادية والاجتماعية. ومع ذلك، ما تزال بعض المناطق تعاني من استمرار أعمال العنف والتخريب التي تمارسها ميليشيا الدعم السريع المتمردة، وهو ما يفرض على المجتمع الدولي والجهات المعنية بحقوق الإنسان أن تنظر بجدية إلى طبيعة هذه الانتهاكات وأن تقيمها وفق الوقائع الموثقة على الأرض.
إن السودان، وهو يمر بهذه المرحلة الصعبة من تاريخه، يؤكد التزامه الكامل بحماية المدنيين، وصون وحدة الدولة، والعمل على إعادة الاستقرار إلى جميع أنحاء البلاد. كما يؤكد أن مواجهة العنف والانتهاكات التي ارتكبتها ميليشيا الدعم السريع المتمردة تمثل مسؤولية وطنية وأخلاقية وقانونية في آن واحد. ومن هذا المنطلق، فإن أقل ما يمكن أن يقدمه المجتمع الدولي احتراماً للحقيقة وإنصافاً لضحايا هذه الجرائم هو التعامل مع الوقائع بموضوعية، والحرص على أن تكون معايير تصنيف العنف والإرهاب قائمة على الأفعال الموثقة، لا على الاعتبارات السياسية أو الأيديولوجية الانتقائية.
إن تسمية الأشياء بأسمائها ليست موقفاً سياسياً بقدر ما هي التزام أخلاقي تجاه الضحايا، وخطوة ضرورية نحو تحقيق العدالة وترسيخ الاستقرار. وفي نهاية المطاف، يبقى مستقبل السودان بيد أبنائه وبناته، الذين أثبتوا عبر تاريخهم قدرتهم على تجاوز المحن وصون وحدة وطنهم. وما يتطلع إليه الشعب السوداني اليوم هو موقف دولي عادل ومتوازن، يعترف بالمعاناة التي عاشها المواطنون، ويسهم بصدق في دعم مسار السلام والاستقرار في البلاد، ويأخذ بعين الاعتبار الحقائق المرتبطة بما ارتكبته ميليشيا الدعم السريع المتمردة من انتهاكات بحق المدنيين ومؤسسات الدولة.



