منى ابوزيد تكتب كيف خسرنا الوعي ونحن نكسب التفاعل ..!

هناك فرق..
“نصف وعينا يُبنى بما نتابعه، ونصفه الآخر يضيع فيما نتجاهله”.. الكاتبة..!
هناك فرق خفي، لكنه حاسم، بين ما يُعجب الناس وما ينفعهم. وهو فرق يشبه المسافة بين الضوء والحرارة، كلاهما يلمع، لكن أحدهما فقط هو الذي يمنح الدفء. وفي زمنٍ صار فيه الإعجاب عملة، والتفاعل مقياساً، لم يعد السؤال” ما الذي يجب أن يُقال”، بل” ما الذي سيُصفق له الناس”..!
وهنا تبدأ الحكاية في ذلك الانحراف الهادئ، ذلك الانحراف الذي لا يُحدث ضجيجاً لكنه يُعيد تشكيل الوعي على مهل. الإعلام، في جوهره القديم، لم يكن صديقاً للجمهور بقدر ما كان ضميراً له. كان يُزعج أكثر مما يُرضي، ويُقلق أكثر مما يُسلي. أما اليوم، فقد صار في كثير من الأحيان مرآة مسطّحة، تعكس ما نحب أن نراه، لا ما نحتاج أن نواجهه..!
التناول الإعلامي الذي يُعجب الناس غالباً ما يلامس السطح؛ يلتقط اللحظة، يضخمها، يزينها، ثم يتركها تتلاشى. هو بارع في صناعة “اللحظة الساخنة”، والاشتغال على العاطفة السريعة، على الدهشة المؤقتة، على تلك اللذة الخفيفة التي تمنحنا شعوراً زائفاً الفهم..!
أما التناول الذي ينفع الناس، فهو أبطأ وأثقل وأقل جاذبية في البداية. هو يشبه الدواء الذي لا نرغب في تناوله، لكنه وحده يغير مسار المرض. هذا النوع من الإعلام لا يطارد الجمهور، ولا يسأل “ماذا يريد الناس الآن”، بل ماذا يحتاجون كي يصبحوا أفضل غداً. وهنا تحديداً، تتجلى الفجوة بين القضايا التي تصنع وعياً، وتلك التي تصنع ترينداً..!
القضية التي تصنع وعياً لا تُولد فجأة، ولا تموت بسرعة، بل تحتاج إلى وقت، إلى تفكيك، إلى إعادة تركيب. وهي لا تُقدَّم كخبرٍ عابر، بل كحكاية ممتدة، تتطلب من المتلقي أن يشارك فيها بعقله، لا بعاطفته فقط. وهي في الغالب قضايا تُربك، تُحرج، وتُجبرنا على مراجعة أنفسنا، وعلى إعادة النظر في المسلمات التي اعتدناها..!
أما التريند فهو كائن خفيف الظل، سريع الاحتراق، يعيش على المفاجأة، ويتغذى على التكرار، ثم يموت بمجرد أن يمل الناس منه. ولا يهم إن كان صادقاً أو زائفاً، عميقاً أو سطحياً، المهم أن يكون قابلاً للانتشار. في عالم التريند إذاً الحقيقة ليست شرطاً بل خياراً..!
المفارقة أن التريند لا يكتفي بأن يكون حاضراً، بل يزاحم ما سواه. يسرق الضوء من القضايا الحقيقية، ويُغرقها في ضجيجٍ كثيف، حتى تبدو الأمور الجادة وكأنها مملة أو ثقيلة دم. وهكذا، يصبح الوعي نفسه عبئاً، لا ميزة..!
في هذا السياق يبدو أن الإعلام قد فقد شيئاً من روحه. لم يعد ذلك الكائن الذي يقف بين السلطة والجمهور، حارساً للتوازن، ولا ذاك الذي يحمل هم الناس إلى دوائر القرار. بل صار في كثير من الأحيان، جزءًا من آلة أكبر “آلة الإلهاء”..!
ليس لأن الإعلاميين لا يعرفون الفرق، بل لأن كلفة الاختيار أصبحت أعلى. أن تختار ما ينفع الناس يعني أن تقبل بأن تكون أقل انتشاراً، أقل تصفيقاً، وربما أقل ربحاً. أن تكتب ما يجب، لا ما يُطلب. أن تتحمل وحدة الفكرة في زمن ازدحام الأصوات..!
لكن، هل هذا يعني أن المعركة خاسرة؟. ربما لا. لأن الوعي بطبيعته عنيد. قد يتأخر، قد يُهمّش، لكنه لا يموت. ولأن الإنسان – رغم كل شيء – يمل من السطحية، ويبحث – ولو متأخراً – عن معنى أعمق. هنا، يعود الدور الحقيقي للإعلام “ليس كصانع ضجيج، بل كصانع بصيرة”..!
الإعلام الذي ينفع، هو ذلك الذي يراهن على الزمن، لا على اللحظة. هو الذي يثق أن الفكرة الجيدة قد لا تنتشر بسرعة، لكنها إن وصلت، فإنها تبقى. وهو الذي لا يخاف من خسارة التريند، لأنه يعرف أنه يكسب الإنسان..!
وفي النهاية ليست المشكلة في وجود التريند، بل في تحوله إلى معيار. المشكلة ليست في أن نُعجب، بل في أن نكتفي بالإعجاب. فالإعجاب مهما كان صادقاً لا يُغيّر العالم. الوعي وحده يفعل..!
والسؤال الذي يبقى معلقاً كمرآة في وجه كل من يعمل في هذا الحقل، هل نكتب من أجل الوعي فنُحرم من التصفيق أم نكتب من أجل التصفيق فنخسر الوعي!.
munaabuzaid2@gmail.com



