الخليج بين فائض الثروة وهشاشة الأمن: ماذا كشفت الحرب على إيران؟

*البعد الخامس*

*بقلم. صباح المكي*

*مقدمة: حين سقط قناع الحصانة عن وجه الثروة*

لم تكشف الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران اتساع رقعة الاشتعال الإقليمي فحسب، بل كشفت أيضًا التناقض الأعمق في البنية الخليجية الحديثة: فائضًا هائلًا من الثروة يقابله أمن لا يزال معلّقًا على الخارج، وشديد التأثر بارتدادات الجغرافيا. فعلى امتداد عقود، راكمت دول الخليج فوائض مالية ضخمة، وأبرمت صفقات تسليح كبرى، وبنت لنفسها صورة دولية قوامها الاستقرار والانفتاح والقدرة على امتصاص الصدمات. غير أن الحرب الأخيرة أعادت طرح السؤال الذي ظل مؤجلًا تحت سطح الازدهار: هل تكفي الثروة لصناعة حصانة حقيقية في إقليم لا يكف عن إنتاج المخاطر؟

ما جرى يوحي بالعكس. فالتصعيد لم يهدد الحدود السياسية وحدها، بل لامس الطاقة والمياه والتحلية والممرات البحرية، أي الأعصاب التي يقوم عليها الوجود الاقتصادي والعمراني الخليجي نفسه. وهكذا لم تعد الحرب تُقرأ بوصفها مواجهة بعيدة نسبيًا بين أطراف إقليمية ودولية، بل بوصفها اختبارًا مباشرًا لمدى صلابة النموذج الخليجي كله.

*أولًا: الثروة ليست عقيدة أمنية*

منذ البداية، قام جزء مهم من التصور الأمني الخليجي على معادلة بدت معقولة في ظاهرها: المال يشتري السلاح، والسلاح مع التحالفات الكبرى يولد الردع، والردع يحفظ الاستقرار. لكن الخلل في التجربة الخليجية لم يكن يومًا في نقص الموارد، بل في الإفراط في الثقة بما تستطيع هذه الموارد شراءه. فالمال يستطيع أن يملأ المخازن بالسلاح، وأن يفتح أبواب العواصم الكبرى، وأن يبني بنية تحتية مبهرة، لكنه لا يخلق تلقائيًا عمقًا استراتيجيًا، ولا يصنع قرارًا سياديًا مستقلًا، ولا يضمن أن يصل الحليف في اللحظة التي يحتاجه فيها الجميع، لا في اللحظة التي تناسب حساباته هو.

هذه الحرب نسفت الفكرة الكسولة التي اختزلت الأمن في الإنفاق. فقد اتضح أن شراء المنظومات ليس هو نفسه بناء القدرة، وأن صفقات السلاح ليست عقيدة أمنية، وأن فائض الثروة لا يساوي فائض حماية. وما أثبتته الحرب أن الوفرة المالية، مهما بلغت، لا تُغني عن رؤية أمنية مستقلة، ولا عن قدرة ذاتية على الصمود حين يختبر الإقليم حدوده القصوى. وبدا واضحًا أن الخليج راكم من أسباب القوة أكثر مما راكم من أسباب المناعة، وأن مصادر قوته ليست بالضرورة هي نفسها مصادر صموده.

*ثانيًا: الجغرافيا تعود دائمًا أقوى من الخطاب*

أخطر ما وضعته هذه الحرب أمام الخليج ليس احتمال الغزو التقليدي، بل احتمال الاختناق البنيوي. فمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس النفط والغاز الطبيعي المسال المنقول بحرًا في العالم، لم يعد مجرد ممر اقتصادي، بل بات عنوانًا مباشرًا لانكشاف الخليج نفسه. وعندما يصبح شريان بهذا الحجم عرضة للتهديد أو التعطيل أو الإغلاق الجزئي، لا يعود السؤال متعلقًا فقط بأسعار النفط، بل بطبيعة القوة الخليجية كلها: هل هي قوة متماسكة، أم قوة معلقة على ممرات ضيقة وعقد لوجستية شديدة الحساسية؟

أكثر ما فضحته الحرب هو ذلك التوتر القديم بين الخليج كما يريد أن يُرى، والخليج كما هو في الواقع. ففي الخطاب الرسمي والدعائي، هناك منطقة استقرار، وأعمال، وخدمات، واستثمارات، ومدن “عالمية” تعيش فوق الإقليم لا داخله. أما في الواقع، فهناك ممرات بحرية ضيقة، ومنشآت بالغة الحساسية، ومدن شديدة الاعتماد على الكهرباء والتحلية والتدفق اللوجستي، واقتصاد كامل يمكن أن يهتز إذا ارتجف مضيق واحد أو اشتعلت منشأة واحدة.

ولهذا لم تكن التهديدات التي طالت هرمز، أو مرافق الطاقة والمياه، مجرد تصعيد عسكري، بل صفعة مفهومية. لقد أعادت تعريف الخليج بما هو عليه فعلًا: بنية عالية القيمة وعالية الانكشاف في آن واحد. وكلما زادت رفاهيته وتعقدت بناه، زادت في المقابل هشاشته أمام حروب لا تحتاج إلى اجتياح شامل، بل إلى ضربات دقيقة في العصب. وفي هذه اللحظة، عادت الجغرافيا لتفرض سلطتها فوق كل خطاب، وتثبت مرة أخرى أنها أقوى من الصورة التي يريد المكان أن يبيعها عن نفسه.

*ثالثًا: واشنطن لا تمنح الأمن… بل تدير الأولويات*

ربما كان الدرس الأكثر قسوة في هذه الحرب هو ما كشفته عن طبيعة المظلة الأميركية نفسها. فهذه المظلة موجودة، نعم، لكنها ليست مظلة تُفتح وفق حاجة الخليج، بل وفق ترتيب الأولويات في واشنطن. وهي لا تلغي الخطر، بل تنظّم توقيته وحدوده بما يناسب من يملك قرار الحرب، لا من يدفع كلفة ارتدادها.

وهنا تنكشف الحقيقة التي حاول الخطاب الخليجي طويلًا تجنبها: الولايات المتحدة ليست ضمانة مطلقة، ولا حليفًا يضع أمن الخليج فوق كل اعتبار، بل قوة كبرى تخوض حروبها بحسب تعريفها هي للمصلحة، وبحسب ما تراه لازمًا، وخصوصًا حين يتصل الأمر بإسرائيل. فالتحالف مع واشنطن يمنح دول الخليج وزنًا وردعًا، لكنه لا يمنحها السيطرة الكاملة على قرار التصعيد، ولا على توقيته، ولا على سقفه، ولا على مسار الحرب حين تخرج عن الحسابات الأولى. والأخطر أن الخطاب الأميركي نفسه أوحى بأن احتمال ارتداد الحرب على الخليج، حتى لو كان معلومًا، لم يكن كافيًا لوقف المضي فيها. فحين يتعارض أمن الحلفاء الخليجيين مع ما تعتبره واشنطن وتل أبيب مقتضى الحرب، لا تبدو كلفة الارتداد على الخليج قيدًا حاكمًا على القرار الأميركي.

وقد تجلّى ذلك بوضوح حين منحت واشنطن طهران مهلة نهائية، فجاء الرد الإيراني مباشرًا بالتهديد بإغلاق مضيق هرمز، وباستهداف منشآت الطاقة والمياه والتحلية في دول الخليج إذا مضت الولايات المتحدة في ضرب البنية الكهربائية الإيرانية. كما تداولت وسائل إعلام إقليمية، نقلًا عن الإعلام الإيراني، تحذيرًا موجّهًا إلى المواطنين والمقيمين في رأس الخيمة يدعوهم إلى المغادرة الفورية، في إشارة إلى أن ارتداد الحرب لم يعد يُقرأ فقط في لغة التهديدات العامة، بل في انتقاله إلى رسائل إخلاء داخل الجغرافيا الخليجية نفسها. وحتى مع تفاوت درجات التحقق المستقل من هذا الإنذار الأخير، فإن الثابت أن إيران وسّعت دائرة التهديد لتشمل مرافق حيوية في الخليج، بما فيها مواقع في الإمارات.

وهذا هو جوهر المأزق: أن تُدار معركة بهذا الحجم من خارج الخليج، لكن تُلقى على الخليج كلفة أمنها، وكلفة رسائلها، وكلفة أسواقه، وكلفة صورته الدولية. فالخليج يملك المال، لكنه لا يملك دائمًا قرار الحرب التي قد ترتد عليه. ومن ثمّ، لا تبدو المشكلة فقط في حدود الحماية الأميركية، بل في طبيعة تحالف تُدار فيه المخاطر من مركز آخر، بينما تُترك الأطراف لتحمّل ارتدادات قرار لم تصغه هي، ولم تملك حق ضبط توقيته أو سقفه أو مساره.

*رابعًا: من الردع إلى الثقة – حين تتحول الحرب إلى أزمة اقتصادية*

ولا تقف خطورة هذه الفجوة عند حدود الأمن الصلب أو حسابات الردع المباشر، بل تنساب فورًا إلى الاقتصاد، وتمتد إلى صورة الخليج نفسها بوصفه فضاءً للاستقرار، ومركزًا للأعمال، وعقدةً للتدفقات المالية. فالحرب لا تضرب المنشآت وحدها، بل تضرب الثقة التي يقوم عليها النموذج الخليجي في جوهره. والثقة هنا ليست عنصرًا نفسيًا عابرًا، بل ركيزة بنيوية في التكوين الاقتصادي ذاته.

وقد توزعت كلفة الحرب على مختلف دول الخليج، وإن بدرجات متفاوتة. فقطر كانت الحالة الأوضح من حيث الخسارة المباشرة القابلة للقياس؛ إذ قُدِّرت خسارتها السنوية بنحو 20 مليار دولار بعد تعطل يقارب 17% من طاقة تصدير الغاز الطبيعي المسال لمدة تمتد بين ثلاث وخمس سنوات، ما يرفع الخسارة التراكمية المحتملة، بحساب استدلالي، إلى ما بين 60 و100 مليار دولار خلال فترة الإصلاح. أما السعودية، فلم يظهر رقم إجمالي موحّد للخسائر، غير أن التقارير وثّقت اضطرابًا واسعًا في الإنتاج والصادرات، شمل خفضًا بنحو مليوني برميل يوميًا وتراجعًا حادًا في التدفقات، بما يعكس كلفة تشغيلية واستراتيجية ثقيلة حتى في غياب تقدير نهائي معلن. وفي الكويت، أُعلنت حالة القوة القاهرة وخُفِّض الإنتاج النفطي، إلى جانب تسجيل خسائر بشرية في صفوف الجيش. أما البحرين، فلم تنحصر خسائرها في البعد المدني، بل امتدت إلى القطاعين العسكري والطاقي، مع الأضرار التي طالت قاعدة الأسطول الخامس الأميركي في المنامة، وإعلان القوة القاهرة عقب الهجوم على مصفاة سترة. وحتى عُمان، وإن لم تظهر لها تقديرات مالية واضحة، فقد واجهت اضطرابات في الطيران والمرافق المرتبطة باتساع التوتر الإقليمي.

غير أن الإمارات بدت الأكثر تأثرًا من حيث اتساع الارتدادات السياسية والأمنية والاقتصادية، بالنظر إلى حجم الضغوط التي لحقت بأسواقها وعقارها وقطاعها المالي، فضلًا عما أصاب صورتها بوصفها ملاذًا آمنًا ومركزًا إقليميًا للأعمال. وهنا يتكشف الوجه الأعمق للأزمة: فالمشكلة ليست فقط في الخسارة السوقية الآنية، بل في التآكل الذي يطاول السردية الاقتصادية الإماراتية نفسها. فدبي لم تُبنَ عالميًا بوصفها مدينة فحسب، بل بوصفها وعدًا بالأمن والانفتاح وسهولة الأعمال، وبوصفها “هونغ كونغ الشرق الأوسط”، أي مدينة قادرة على أن تعيش فوق اضطرابات المنطقة لا في قلبها. لكن الحرب الأخيرة أصابت هذا الوعد في صميمه. فما يتشقق في لحظة كهذه ليس الزجاج أولًا، بل الرواية. وحين تتصدع رواية “الملاذ الآمن”، يبدأ التآكل في أكثر من طبقة: في السوق، وفي العقار، وفي قرارات الاستثمار، وفي صورة المكان نفسه داخل المخيلة الدولية.

وقد ظهرت مؤشرات هذا التصدع سريعًا في الأسواق والعقار والقطاع المالي، لأن المستثمر لا يشتري الأصل وحده، بل يشتري معه الاستقرار الذي يجعل العائد ممكنًا أصلًا. وعندما تدخل الحرب المجال الخليجي، تبدأ عملية إعادة تسعير المخاطر: تهبط الأسواق، وتتباطأ قرارات الشراء، وتتسع الخصومات، ويزداد رأس المال حذرًا. ولم يكن تدخل المصرف المركزي الإماراتي بحزمة دعم للسيولة سوى دليل إضافي على أن الدولة نفسها قرأت الموقف بوصفه أكثر من مجرد تقلب عابر. كما لم يقل أثر الحرب على الطيران والسياحة والضيافة أهمية عن أثرها على الأسواق، لأن هذه القطاعات تقوم، في حالة دبي، على الإحساس بالأمان والانسياب وسهولة الوصول بقدر ما تقوم على الخدمة ذاتها. ومن هنا يصبح الأدق الحديث لا عن هروب استثماري شامل، بل عن بداية إعادة تموضع تفرضها علاوة مخاطر جديدة على الإمارات والخليج عمومًا. وهذا ما يجعل الضرر أعمق من خسارة يومية في البورصة: إنه ضرر يطال توقعات المستقبل نفسها، ويعيد ربط دبي بالجغرافيا التي سعت طويلًا إلى تقديم نفسها بوصفها متجاوزة لها.

*خامسًا: الدرس الخليجي بعد الحرب: اللمعان لا يكفي*

الدرس الذي تتركه هذه الحرب لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه إنذارًا عابرًا، بل اختبارًا وجوديًا مكتمل الدلالة. فقد كشفت أن الأمن الخليجي لم يعد نفطيًا فقط، بل صار مائيًا، ولوجستيًا، وسيبرانيًا، واستثماريًا، ورمزيًا. أي إن السؤال لم يعد: كم تملك هذه الدول؟ بل: كم تستطيع أن تصمد عندما تنتقل الحرب من الأطراف إلى الأعصاب؟

وفي هذا المعنى، لم تكن الحرب على إيران مجرد مواجهة تخص طهران وواشنطن وتل أبيب، بل كانت أيضًا امتحانًا صامتًا للخليج كله. امتحانًا كشف أن فائض الثروة لا يلغي هشاشة الجغرافيا، وأن صفقات السلاح لا تسد وحدها فجوة الأمن، وأن صورة “الملاذ الآمن” يمكن أن تتآكل سريعًا عندما تدخل المنطقة طور الحرب المفتوحة.

فإذا لم يستخلص الخليج من هذه الحرب أن المظلة الأميركية ليست أمنًا مكتملًا، وأن الحماية الخارجية لا تعفي من بناء المناعة الذاتية، فإنه يفتح على نفسه بابًا بالغ الخطورة. فالدول التي تعيش على افتراض أن غيرها سيحسم عنها لحظة الخطر، تكتشف غالبًا، ولكن متأخرة، أن الحليف يدير الحرب وفق أولوياته، لا وفق حاجتها هي إلى النجاة.

ومن هنا تبدو المقارنة مع إيران، رغم كل ما يحيط بها من اختلافات وخلافات، ذات دلالة لا يجوز إغفالها. فالدولة التي تبني جزءًا معتبرًا من بقائها على قدرتها الذاتية على الصمود تختلف جذريًا عن دولة تبني أمنها على فرضية أن الحماية ستصل دائمًا من الخارج، في الوقت المناسب، وبالثمن المناسب.

وإذا لم يدرك الخليج هذا الدرس الآن، فإن الخطر لن يقتصر على مزيد من الانكشاف، بل سيمتد إلى احتمال التآكل البطيء: تآكل المكانة، وتآكل الردع، وتآكل الصورة، وتآكل القدرة على فرض معنى الاستقرار نفسه. وفي إقليم كهذا، لا يكون التآكل دائمًا أقل خطرًا من الانهيار المباشر، بل قد يكون أكثر خداعًا وأشد فتكًا على المدى الطويل. وربما لم ينهَر الخليج، لكن فكرة الاستثناء الكامل تلقت ضربة واضحة. والسؤال الذي ستتركه هذه الحرب بعد توقف النار ليس فقط عن حجم الخسائر، بل عن مدى قدرة الخليج، والإمارات تحديدًا، على تحويل الثراء واللمعان إلى حصانة حقيقية، لا إلى ازدهار شديد البريق وشديد القابلية للانكشاف.

bitalmakki@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى