مجلس السيادة التكنلوجي (السودان بين أفق الانتصار وتحديات الأمن القومي الرقمي)
مهندس مستشار/ مجدي محمد شريف يكتب:

الناظر الي الحرب الإيرانية الإسرائيلية الحالية يذهب في قراءة تبسيطية للمشهد الي توصيف إيران بأنها دولة “هشة” أو “قابلة للانهيار” بسبب استهداف قياداتها، بينما الحقيقة ان الاختراق في الحروب الحديثة لم يعد قائمًا على العنصر البشري، بل يعتمد على منظومات تكنولوجية متقدمة تشمل الذكاء الاصطناعي، صور الأقمار الصناعية التجارية، تحليل البيانات الضخمة، وأدوات الاستخبارات مفتوحة المصدر هذه الأدوات تتيح قدرات غير مسبوقة في تحديد الأهداف ودعم القرار.
فالحروب الحديثة لم تعد اليوم مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل أصبحت تعتمد على الذكاء الاصطناعي وأنظمة المراقبة المتقدمة التي تدمج البيانات الحيوية، والبيانات الرقمية لتحديد الأهداف بدقة غير مسبوقة، وأمثلة حديثة من حروب أوكرانيا، وغزة، والشرق الأوسط توضح كيف تُستخدم هذه التقنيات في الاستهداف والتنبؤ بالحركة.
لقد بات الأمن القومي ذا طابع رقمي بالدرجة الأولى، إذ تتحدد مكانة الدول بقدرتها على السيطرة على فضاء المعلومات والتكنولوجيا. ويكشف الواقع أن غياب السيادة التكنولوجية يظل عاملًا حاسمًا في تعريض الدولة لانكشاف استراتيجي، مهما بلغ حجم قوتها التقليدية. فطبيعة الصراع الدولي تشهد تحولًا نوعيًا يتجاوز الاختراقات الأمنية التقليدية نحو نمط أكثر تعقيدًا يعتمد على التفوق التكنولوجي، حيث لم تعد الحروب مجرد مواجهة عسكرية، بل أصبحت حروبًا شاملة على الهوية والوجود الرقمي. وأصبحت الحوجة الي الاختراقات التقليدية قليلة، لأنه يكفي الحصول على البصمات الحيوية (الرقمية والصوتية والحرارية) لمعرفة كل شيء عن الشخص او الجهة المستهدفة، وهذه الأدوات لا تُستخدم فقط في المجال العسكري، بل تدخل في الأمن الداخلي، المراقبة المجتمعية، وحتى المنافسة الاقتصادية.
فحروب البصمة الرقمية ظاهرة معاصرة تعكس التداخل المعقد بين تقنيات الذكاء الاصطناعي وأنظمة المراقبة الحديثة، تبدأ هذه العملية بتحليل المقاطع الصوتية عبر أنظمة الذكاء الصوتي (Voice Intelligence)، التي تستخلص هوية صوتية دقيقة بنسبة تصل إلى 95٪، وتقدّر الحالة النفسية والموقع التقريبي للفرد المستهدف، يلي ذلك استخدام تقنيات التتبع الحراري (Thermal Tracking) عبر الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة لرصد حرارة الجسم والحركة الفيزيائية بدقة عالية، ويتم لاحقًا دمج هذه البيانات ضمن إطار الدمج متعدد المصادر (Multi-Source Intelligence Envision)، الذي يوحّد المعلومات المستخلصة من الأقمار الصناعية، المسيرات، شبكات الاتصالات، ومنصات التواصل الاجتماعي، ثم في المرحلة الأخيرة يأتي الذكاء الاصطناعي الاستهدافي (Targeting AI)، الذي يحلل أنماط الحياة والعادات اليومية، ويتنبأ بمكان وجود الشخص في وقت محدد، ليقترح اللحظة المثالية للتدخل، هذا التكامل بين البصمة الصوتية والبيانات الفيزيائية والرقمية يجعل الفرد او الجهة المستهدفة مكشوفًة بالكامل في العالمين الواقعي والافتراضي.
ومع تطور الحروب الهجينة، لم يعد التحدي مقتصرًا على تطوير الأدوات الهجومية، بل أصبح هناك سباق تقني متواصل بين الكشف والإخفاء. فالدول والجماعات تسعى إلى تطوير تقنيات دفاعية مثل أنظمة الحرب الإلكترونية للتشويش على الاتصالات والأقمار الصناعية، وإخفاء البصمة الرقمية، وتطوير ملابس ومقار عازلة للحرارة، إضافة إلى شبكات مشفرة وبديلة. هذا السباق التقني المستمر يخلق بيئة نزاع ديناميكية، حيث يصبح التفوق التقني العامل الحاسم في ميزان القوى.
إن التحول من الاعتماد الحصري على الأدوات العسكرية التقليدية إلى نماذج هجينة تتداخل فيها القوة الصلبة مع القدرات الرقمية والمعرفية يثير تساؤلات جوهرية حول مدى قابلية الأنظمة المختلفة للاختراق، خاصة تلك التي تعتمد على البنية التحتية التكنولوجية العالمية. كما يطرح هذا الواقع إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة النظام التقني العالمي، الذي يتسم بدرجة عالية من التمركز والهيمنة، حيث تعتمد معظم الدول على منظومات تشغيل وبنى سحابية وشبكات اتصالات تخضع لسيطرة قوى دولية محددة.
في السودان ومع بزوغ أفق التعافي واعتاب مرحلة إعادة الإعمار وترتيب البيت الداخلي، تتصاعد النقاشات حول قضايا مثل (الثوابت الوطنية والدستورية، بناء المؤسسات السياسية، البنية التحتية المدمرة، الأزمة الاقتصادية، وإعادة اللحمة الاجتماعية). هذه النقاشات غالبًا تجري بمعزل عن التحديات الحقيقية المرتبطة بالأمن القومي الرقمي، وهو ما يستدعي إعادة النظر في مفهوم السيادة الوطنية في عصر تحكمه البيانات والمعرفة.
تؤكد تجارب دول مثل إستونيا ورواندا أن بناء السيادة الرقمية بعد التحولات السياسية يمكن أن يشكل رافعة للتنمية والاستقرار، إذا ما تم دمج الأمن الرقمي في صميم المشروع الوطني. ومن هنا، يصبح السودان أمام فرصة تاريخية لوضع التحول الرقمي في قلب مشروع إعادة البناء، بما يضمن له موقعًا فاعلًا في النظام الدولي الجديد ويعزز قدرته على مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية المعاصرة.
السودان في هذه المرحلة المفصلية يحتاج الي رؤية استراتيجية متكاملة توازن بين طموحات الديمقراطية ومقتضيات الأمن الرقمي. تعزز استقلاله التكنولوجي وتدمج بين الحرية والسيادة، وبين المشاركة الشعبية وحماية المصالح الوطنية، وتؤسس لبنية رقمية سيادية متينة، وتستثمر في تطوير أنظمة الاتصالات المؤمنة وتقليل الاعتماد على البنى الخارجية، وتطلق برامج وطنية لرفع القدرات في مجالات الذكاء الصناعي، البيانات الضخمة، الأمن السيبراني، والحروب الحديثة، بما يواكب تحديات العصر الرقمي ويؤمن المصالح الوطنية، في عالم تحكمه البيانات والمعرفة.
إن هذا التحول لا يمكن أن يتحقق عبر حلول ظرفية أو قصيرة الأجل، بل يحتاج إلى موارد ضخمة وتخطيط استراتيجي ممتد يضمن الاستمرارية ويضع التكنولوجيا في قلب التنمية الوطنية. ويمكن أن تستفيد البلاد من برامج إعادة الإعمار في وضع التحول الرقمي ضمن أولويات التنمية، عبر بناء مؤسسات رقمية حديثة تتجاوز إعادة إنتاج البيروقراطية التقليدية، وإطلاق هوية رقمية وطنية، وتطوير إطار قانوني متوازن يحمي البيانات والحقوق المدنية، مع الاستفادة من الشراكات الدولية دون التفريط في السيادة التكنولوجية. مع وضع الأمن التكنولوجي كركيزة أساسية من ركائز الأمن القومي، وتطوير البحث العلمي والاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي والتحليل التنبؤي لدعم اتخاذ القرار الاستراتيجي في زمن قياسي.
ومن هنا، يبرز إنشاء مجلس سيادة تكنولوجي كخطوة محورية لضمان قدرة السودان على صياغة مستقبله بنفسه، بعيدًا عن التبعية التقنية والهيمنة المعلوماتية ومخاطر الحروب الحديثة. هذا المجلس يمكن أن يشكل الإطار المؤسسي الذي يضمن أن يكون التحول الرقمي جزءًا أصيلًا من مشروع الدولة الحديثة بعد حرب الكرامة، ويضع السودان على طريق بناء دولة قادرة على المنافسة في النظام الدولي الجديد.




