سجال لطيف بين مواطن سوداني وسفير عماني

حين تتحول الإنسانية إلى موقف

في أوقات الأزمات تنكشف معادن الدول والشعوب، فالكلمات يمكن أن تُقال في الظروف العادية، أما المواقف الإنسانية الحقيقية فتظهر عندما تضيق الخيارات وتتعقد الظروف. في الأيام الماضية عشت تجربة شخصية جعلتني أرى هذا المعنى بوضوح، حين وجدت أسرتي عالقة في إيران في ظل ظروف الحرب، بينما كنت أنا خارج البلاد، منقطعاً عنهم بسبب ضعف الاتصال وانقطاع الإنترنت في كثير من الأحيان.

لم تكن المسألة مجرد قلق عابر، بل حالة من العجز الحقيقي؛ فأبنائي هناك، والظروف خطرة، والاتصال صعب، والخيارات محدودة. في مثل هذه اللحظات يدرك الإنسان كم هو ضعيف أمام الأحداث الكبرى، وكم يصبح أي موقف إنساني صادق بمثابة طوق نجاة.

في تلك الظروف تواصلت مع سفارة جمهورية السودان في طهران، وقد فوجئت بالجهود الكبيرة التي كان يبذلها السفير وأعضاء السفارة لتفقد أحوال الجالية السودانية وترتيب عملية إجلائهم إلى السودان. كان واضحاً أن هناك عملاً حقيقياً يجري خلف الكواليس لمتابعة أوضاع الناس ومحاولة إخراجهم من دائرة الخطر.

لكن وضعي كان مختلفاً قليلاً؛ فقد كنت أرغب في أن يتم إجلاء أسرتي إلى سلطنة عُمان، حيث يمكنهم الوصول إليّ هناك. حين طرحت هذا الأمر على سعادة السفير، لم يتردد في المساعدة، بل بادر مشكوراً بالتواصل مع سفير سلطنة عُمان في طهران لبحث إمكانية ترتيب ذلك.

وهنا بدأت صفحة أخرى من صفحات الموقف الإنساني.

فقد تجاوب السفير العماني بسرعة لافتة، وتعامل مع الموضوع بروح إنسانية صادقة، رغم أن الأمر لا يتعلق بمواطنين عمانيين. لم تكن هناك أسئلة معقدة ولا حسابات ضيقة، بل كان الهمّ الأول هو مساعدة أسرة عالقة في ظرف صعب.

تم ترتيب عملية الإجلاء عبر جمهورية أذربيجان، وهي خطوة لم تكن سهلة في ظل الظروف الأمنية واللوجستية المعقدة. ومع ذلك جرى التنسيق بشكل دقيق حتى تمكنت أسرتي من مغادرة إيران والوصول إلى باكو، ومن هناك استكمال الرحلة إلى مسقط.

وخلال تلك المرحلة أيضاً كان للأخوة في سفارة أذربيجان دور إنساني كبير لا يمكن تجاوزه أو نسيانه. فقد بذلوا جهوداً واضحة في متابعة الإجراءات وتسهيل الأمور، وتعاملوا معنا بقدر كبير من الاحترام والاهتمام. وفي مثل هذه الظروف يشعر الإنسان بأن الإنسانية لا تزال قادرة على أن تجمع الناس رغم اختلاف الجنسيات والحدود.

لكن ما ترك الأثر الأكبر في نفسي هو ذلك الموقف الذي جسدته سلطنة عُمان.

فهذا البلد الذي عُرف عبر تاريخه بالحكمة والاعتدال لم يكن حضوره في هذه القصة حضوراً سياسياً أو دبلوماسياً فحسب، بل كان حضوراً إنسانياً بكل معنى الكلمة. حين تقرر دولة أن تساعد أشخاصاً لا يحملون جنسيتها، ولا تربطها بهم أي مصلحة مباشرة، فإنها تعلن بطريقة عملية أن القيم الإنسانية ما زالت حية في سياستها وسلوكها.

إن ما قامت به السفارة العُمانية في طهران لم يكن مجرد إجراء إداري، بل كان موقفاً يعكس ثقافة كاملة. ثقافة ترى أن الإنسان أولاً، وأن العون في أوقات الشدة ليس مسألة بروتوكول، بل مسؤولية أخلاقية.

وقد أدركت من خلال هذه التجربة أن سمعة الدول لا تُصنع فقط في المؤتمرات أو البيانات الرسمية، بل تُصنع أيضاً في مثل هذه اللحظات الصغيرة التي تمس حياة الناس بشكل مباشر. حين يجد الإنسان نفسه في ظرف صعب ثم تمتد إليه يد المساعدة من حيث لا يتوقع، فإن تلك اللحظة تترك أثراً لا يمحوه الزمن.

ولعل ما يميز التجربة العُمانية هو أن هذا السلوك ليس حالة استثنائية، بل يبدو امتداداً لنهج معروف عن سلطنة عُمان، نهج يقوم على الاعتدال والإنسانية وبناء الجسور بين الناس.

إنني أكتب هذه الكلمات اليوم لا بوصفها مجرد قصة شخصية، بل بوصفها شهادة امتنان. فهناك مواقف تمر في حياة الإنسان تستحق أن تُذكر، لا من باب المجاملة، بل من باب الاعتراف بالفضل.

الشكر أولاً لسعادة سفير السودان في طهران على مبادرته الكريمة وتواصله السريع من أجل المساعدة، والشكر الكبير لسفير سلطنة عُمان وأعضاء سفارته التي استجابت بروح إنسانية عالية ورتبت عملية الإجلاء رغم أن الأمر لا يتعلق بمواطنيها، والشكر أيضاً للأخوة في سفارة أذربيجان الذين قدموا جهداً كبيراً في تسهيل الإجراءات ومتابعة التفاصيل.

في عالم يمتلئ بالأخبار القاسية والصراعات، تبقى مثل هذه المواقف الإنسانية بمثابة تذكير بأن الخير لا يزال موجوداً، وأن العلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بالمصالح، بل أيضاً بالمواقف الأخلاقية.

لقد كانت هذه التجربة بالنسبة لي درساً في معنى التضامن الإنساني، ودليلاً جديداً على أن سلطنة عُمان ليست فقط دولة ذات سياسة حكيمة، بل أيضاً شعباً وقيادة يحملان قدراً كبيراً من الإنسانية والكرم.

ولهذا فإن كلمة “شكراً” قد تبدو صغيرة أمام ما حدث، لكنها تبقى أقل ما يمكن قوله في مثل هذا المقام.

معتصم عمر: كاتب ومهتم بالقضايا الفكرية والثقافية

رسالة سعادة سفير سلطنة عمان في طهران ردا على مكتوب المواطن السوداني

سعادة الأخ السفير عبدالعزيز حسن حفظكم الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أرجو تكرما نقل خالص شكري ووافر تقديري إلى الدكتور معتصم عمر على هذا المقال الرائع بصياغته الرصينة ومضمونه الرفيع الذي يلامس شغاف النفس، ولا عجب.. فهكذا هم الكرام يأسروننا دائماً بسجاياهم الطيبة وأخلاقهم الكريمة ليذكّرونا بأن هناك دائماً من يُقدر ويشكر ويمتن، وكما ورد في الحديث “من لا يشكر الناس لا يشكر الله”.

هذا ويعلم الله أننا ما قمنا سوى بالواجب من منطلق الدين والإخوة وتلبية لنداء الوطن الملقى على عاتقنا بناء على توجيهات جلالة السلطان هيثم حفظه الله ورعاه، بمد يد العون للمواطن والأخ الشقيق القريب منهم والبعيد بل ولكل من احتاج لذلك في هكذا ظرف استثنائي؛ وعسى أن يوفقنا الله العلي القدير في أداء هذا الواجب بالوجه المنشود وكما هو مؤمّلٌ منا.

حفظكم الله جميعاً ودمتم إخوة أعزة كرام.

السفير يعرب بن قحطان البوسعيدي

سفير سلطنة عمان في طهران

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى