علم الدين عمر يكتب : لمولانا زمراوي والحفيان.. أساطير الظلال والرجل الغامض !!

حاجب الدهشة 

سيل من الإتصالات والرسائل إنهمرت علي هاتفي بالأمس تقريظاً و(تغليظاً) بسبب مقالي حول شخصية مستشار رئيس الوزراء الدكتور الحسين الحفيان..ومع وافر التقدير لكل المتفاعلين ..سلباً وإيجاباً..إلا أن مداخلة لمولانا عبدالدائم زمراوي وكيل وزارة العدل الأسبق والقانوني الضليع ..جهير السيرة والمسيرة في أحدي مجموعات الواتساب أستفزت حاجبي..ولي في مقام العدل وصية إحترام ومودة من والدي عليه رحمة الله..أحد رموز الوزارة التاريخيين.. هذا التداخل المحترم لمولانا زمراوي ــ على وجاهته ــ يكشف عن ظاهرة أعمق من مجرد إختلاف في التقدير وهي ظاهرة ميل المجال العام إلى صناعة الألغاز عندما تغيب المعلومات.. وصناعة الأساطير حين يقترب شخص من دوائر القرار دون صخب أو منصب معلن..

لقد إنطلق حديثي عن الدكتور الحفيان من زاوية محددة وواضحة متمثلة في نزع الهالة الأسطورية عن شخصية ألتقيتها لماماً..ويُراد لها أن تبدو كـ“رجل الظل” الذي يحرك الخيوط من وراء الستار..وأستشهدت في ذلك بإفادة مسؤول مقرب من دوائر القرار.. ولم أقل إنه بلا تأثير.. ولم أزعم أنه مجرد موظف عادي.. بل كتبت نصاً إنه — رجل في موقع حساس..ببساطة.. وهنا تحديداً نشأ الإلتباس..

الموقع الحساس لا يعني بالضرورة منصباً سرياً.. ولا مهمة محظور الإفصاح عنها..ولا دوراً يتصل بملفات غامضة كالإتفاقيات الدولية الكبرى..الموقع الحساس ــ في العلوم الإدارية والسياسية ــ هو ببساطة الموقع القريب من مركز إتخاذ القرار..أو حتي دوائر صنع القرار ..تحت الطاولات..حيث تتقاطع المعلومات وتتدفق التقديرات.. ويُصنع المزاج التنفيذي قبل أن يتحول إلى قرار رسمي..إنه موقع القرب وليس موقع السلطة..وموقع التأثير غير المعلن وليس التفويض القانوني..

الدكتور الحفيان يظهر بإستمرار إلى جانب رئيس الوزراء في الحل والترحال.. في الإجتماعات والزيارات واللقاءات.. هذا الظهور لا يمنحه سلطة دستورية..لكنه يضعه في دائرة الثقة.. وهي أخطر وأدق دوائر الحكم في تقديري..فالرجال في هذه المناصب كانوا أقرب إلى القرار من وزراء بكامل صلاحياتهم طوال الوقت.. وكم من مسؤولين كبار ظلوا بعيدين عن “المطبخ الحقيقي” للسياسة..

من هنا يصبح “الموقع الحساس” وصفاً موضوعياً وليس لغزاً ..هو موقع يتيح الإطلاع على التفاصيل قبل الآخرين..والمشاركة في النقاشات التمهيدية..وربما تقديم الرأي أو المشورة..دون أن يعني ذلك أنه صاحب القرار أو مهندس السياسات..

أما الإشارة إلى ما سُمّي بـ“الاتفاقية الإبراهيمية”..التي وردت في مداخلة مولانا زمراوي كإحتمال لتفسير الحساسية المزعومة.. فأنني ــ حتى لحظة كتابة هذه السطور ــ لم أعثر على أي ذكر رسمي أو شبه رسمي لها في أضابير الدولة أو تسريباتها المعهودة.. وإذا كانت هناك معلومات محددة حولها فالأولى أن تُعرض بوضوح حتى ينتقل النقاش من حيز الظنون إلى حيز الوقائع (مولانا وصف تفكيره حولها بأنه وسوسة نفس أمارة بالسوء)..

إن أخطر ما يواجه الدولة في لحظات السيولة السياسية هذه ليس المؤامرات بقدر ما هو “فراغ المعلومة” الذي تملؤه الشائعات..فعندما لا يعرف الناس ماذا يحدث يبدأون في تخيل ما قد يحدث.. ثم يتحول التخيل إلى قناعة..والقناعة إلى رواية شبه يقينية..

ما أردت قوله ــ وأكرره الآن بوضوح ــ أن الدكتور الحفيان ليس لغزاً يحتاج إلى حل..ولا أسطورة تحتاج إلى تفكيك..هو نموذج لشخص قريب من رأس السلطة في ظرف إستثنائي وهو وضع كفيل وحده بإثارة الفضول والريبة معاً..مثلما حدث معي ومع مولانا زمراوي..إننا أمام ظاهرة سياسية مألوفة في كل الدول.. رجال بلا ألقاب صاخبة لكنهم داخل دائرة الضوء الحقيقية..

الخلاصة..إن الغموض ليس في الحفيان بقدر ما هو في نظرتنا نحن إلى من يقترب من السلطة دون أن يتحدث كثيراً.. فالصمت في محيط الضجيج يُفسر دائماً على أنه سر… بينما قد لا يكون سوى صمت..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى