منى ابوزيد تكتب : الطريق إلى مكة لا يمر عبر خزينة الدولة..!

هناك فرق..
“الدولة العادلة لا تُقرِّبك إلى الله، ولا تقف في طريقك، بل تتركك تذهب إليه وحدك”.. الكاتبة..!
أن تُعلن الحكومة أن الحج لم يعد يُموَّل من خزائنها، فذلك ليس قراراً اقتصادياً فحسب، بل اعترافٌ متأخر بأن المال العام ليس طريقاً مختصراً إلى السماء.
الحج، في تعريفه الأول، ليس رحلةً سياحية ولا امتيازاً وظيفياً، بل امتحان استطاعة. لكن ما تغيّر هو أن هذا المعنى البسيط ظل لسنوات يُؤجَّل، يُزاح قليلاً لصالح التقاليد الإدارية، والمخصصات، والاستحقاقات غير المكتوبة، حتى صار الحج أحياناً مكافأةً وظيفية أكثر منه عبادة..!
فالدولة، حين تدفع، تخلط الأدوار وتُربك المعنى، وتجعل الطريق إلى مكة يمر – ولو رمزياً – عبر مكتب محاسبة. وليس من السهل، في سياقٍ كهذا، أن تفصل بين من يستحق، ومن يُمنح، ومن يُفضَّل. فتُفتح أبواب صغيرة للتمييز، تتسلل منها أسئلة أكبر “من يذهب أولاً، ومن يُترك خلفه، ومن يُسمى حاجاً بقرار إداري لا بنداء داخلي”..!
لذلك، يبدو قرار السيد رئيس الوزراء – رغم دوافعه الاقتصادية – كأنه محاولة لإغلاق هذه الأبواب دفعة واحدة “أن يُعاد الحج إلى مكانه الطبيعي كفعل شخصي، بين الإنسان وربه، لا بين الموظف ومؤسسته”. لكن ومثل كل القرارات التي تُلامس الامتيازات، لا يمر الأمر بهدوء. فهناك دائماً من يرى في المنع حرماناً، لا تصحيحاً، ومن يقرأه كإلغاءٍ لحق مكتسب، لا كإعادة ترتيب لأولويات مختلفة..!
الحج في جوهره، ليس رحلة جماعية تُنظمها المؤسسات، بل نداءٌ فردي يُجيب عليه الإنسان حين يملك القدرة، لا حين يُمنح الفرصة. هكذا قال الفقهاء قديماً “إن الاستطاعة شرط، لا زينة، وأن من لا يملك النفقة، سقط عنه الفرض، لا ينتقص ذلك من إيمانه شيئاً”..!
فالدين – في منطقه العميق – لا يطلب من الفقير أن يستدين ليرضي الله، ولا يجيز للغني أن يستخدم مال غيره ليقترب أكثر، بل كلٌّ يُحاسَب بما يملك، لا بما يُتاح له عبر علاقاته أو موقعه..!
لكن، بين النص والتطبيق، كانت هناك دائماً مساحة رمادية سمحت عبر السنوات بأن يتحول الحج – أحياناً – إلى امتياز إداري، أو مكافأة مؤجلة، أو حتى إلى شكل ناعم من أشكال التقدير الوظيفي. وهنا لا يختل الاقتصاد فقط، بل يختل المعنى. لأن العبادة حين تُدرج في بند المصروفات تفقد شيئاً من نقائها، وحين تُمنح بقرار، تُشبه – ولو قليلًا – الامتياز، لا الاستجابة..!
ومن هنا، يبدو القرار كأنه لا يمنع الحج، بل يمنع الالتباس. يفصل بين العبادة والإدارة، بين النية والميزانية. وربما، في لحظة صدق علينا أن نعترف أن المشكلة لم تكن يوماً في أن الدولة كانت تُرسل حجاجاً، بل في أنها – دون أن تدري – كانت تُعيد تعريف الاستطاعة. فتجعلها أقل صرامة، وأكثر مرونة، حتى كادت تُفرغها من معناها الأول..!
لكن القرارات، مهما بدت واضحة، لا تعيش في فراغ.
هناك دائماً من يرى فيها تضييقاً، لا تصحيحاً. ومن يحنّ إلى زمنٍ كانت فيه الدولة أكثر سخاء، حتى لو كان ذلك السخاء يُدفع من جيوب منفقي الزكاة ودافعي الضرائب..!
وهنا، يصبح السؤال أكبر من موضوع الحج “ما الذي يجب أن تتحمله الدولة، وأين تنتهي مسؤوليتها، وتبدأ مسؤولية الفرد؟. ربما لا يملك هذا القرار كل الإجابات
لكنه – على الأقل – يعيد طرح السؤال في مكانه الصحيح. أن تكون قادراً فتذهب، وأن لا تكون فيسقط عنك التكليف، لا الكرامة..!
وربما، في هذا الفصل الحاد بين المال العام والعبادة الفردية نستعيد شيئاً من نقاء الفكرة الأولى “أن الطريق إلى الله، لا يُعبَّد بقرارات حكومية ولا يُختصر بامتياز وظيفي، بل يُمشى بقدمٍ تعرف تماماً أنها ذاهبة بمالك أنت، بقلبك الذي لا يدين لأحدٍ سوى الله وحده”!.
munaabuzaid2@gmail.com



