مرضى السرطان.. جرعة أمل في زمن الحرب

ملح الأرض
بقلم: خالد ماسا
وعبر إفادة صوتية قدّمتها الأستاذة/ مريم عزالدين، اختصاصي أول علاج الأورام بالأشعة والطب النووي، عبر “راديو دبنقا”، تعليقاً على خبر إعلان صحة ولاية الخرطوم عن استعادة الولاية لخدمات المركز القومي لعلاج الأورام بالأشعة “الذرة”، والدكتورة، وبتخصصها النادر، تعتبر من النماذج الواضحة لفقدان النظام الصحي في السودان للخبرات، وحالة النزيف المستمرة في وريد النظام الصحي لصالح الهجرة. قدّمت رؤية “الأمل” بعين المختص والعارف بقيمة خبر استعادة النظام الصحي لواحدة من منظوماته العلاجية والتشخيصية كالمركز القومي لعلاج الأورام بالأشعة، في بلد حتى قبل اندلاع الحرب ظل مرضى السرطان يديرون معركتهم مع هذا المرض وهم مجردون بالكامل من كل الأدوات التي تمكنهم من أن يكسبوا أي جولة في مواجهة المرض؛ يهزمهم في وقت عدم الوعي اللازم بالمرض نفسه، وضيق ذات اليد في مرات أمام مرض لا يعرف الرحمة. فكيف يكون الحال عند مرضى السرطان ورصاصة الحرب الأولى، وأصعب مواجهات حرب أبريل، ومعركة التحرير الأخيرة في العاصمة، وقد دارت والمركز المشار إليه كان قد خرج عن الخدمة لمدة ثلاث سنوات، وكان بمثابة مقدمتها القتالية؟
(*) جرعة أمل ..
بتاريخ السابع من مارس الجاري، وعندما أشرف الطاقم الطبي المتكامل بالمركز القومي لعلاج الأورام بالأشعة على تقديم أول جرعة علاج كيميائي لمريض من داخل المركز، كان ذلك إيذاناً باستعادة النظام الصحي المنهار بسبب الحرب واحداً من أكبر اثنين من المستشفيات التي ظلت تتحمل عبء التشخيص والعلاج للأورام في السودان، وجرعة أمل لإنقاذ ضحايا ثنائية اللعنة التي جمعت بين الحرب والسرطان في آن.
بالنسبة لمرضى السرطان الذين كانوا عالقين بين رصاص البنادق وحصار المرض اللعين، يصبح خبر استئناف العمل بالمركز القومي للأورام يتعدى كونه خبراً صحياً عادياً، بل هو بمثابة استعادة الأمل في الحياة، بعد أن ألحقت الحرب أضراراً بالقطاع الصحي بولاية الخرطوم فقط تصل إلى 12 مليار دولار، بحسب الوزارة، تشمل التدمير الجزئي والكامل لما يمثل 75% من المواعين الطبية، الخاص منها والعام، التي كانت تقدم خدمات تشخيصية وعلاجية.
من لديه معرفة دقيقة بمتطلبات استعادة تشغيل مراكز ومستشفيات تشخيص وعلاج الأورام الكيميائي والإشعاعي من أجهزة ومحاليل ومعدات طبية وكادر طبي وتمريضي متخصص، سيعرف الدلالات الكبيرة لجرعة الأمل التي تمنحها استعادة تشغيل المركز القومي لعلاج الأورام “الذرة” لمرضى السرطان في بلد ظلت معدلات الإصابة فيه بالمرض تسجل نسباً عالية، في مقابل ارتفاع التكلفة الاقتصادية لبروتوكولات التشخيص والعلاج، وفاتورة العلاج بالخارج، بعيداً من أن تأتي هذه الفاتورة فوق فاتورة الحرب التي يدفعها المرضى في مواجهة مرض لا يعرف التأجيل. وأي تأخير في التشخيص والاكتشاف المبكر يعني الانتقال للمراحل الأكثر تكلفة وتأزماً في المرض، وأن أي انقطاع في بروتوكولات علاج مرض السرطان يعني بالضرورة فقدان السيطرة على المرض.
خطوة استعادة المركز القومي لعلاج الأورام بولاية الخرطوم تعتبر خطوة جيدة في اتجاه مقابلة الضغط الكبير للحالات، إضافة إلى الكثافة السكانية في العاصمة الخرطوم، إلا أن هذا يجب ألا يقودنا إلى إعادة إنتاج الاختلال في عدالة النظام الصحي ومنطقية توزيع الخدمات الصحية التي تقدمها وزارة الصحة للمواطن السوداني، ومراعاة أسس منطقية لاختيار تشغيل مراكز التشخيص والعلاج للأورام، مراعاة للظرف الاقتصادي، ولطبيعة بروتوكولات التشخيص والعلاج التي عادة ما تحتاج إلى جدول متابعة طويل من الناحية الزمنية، والتفكير في لامركزية توزيع الخدمات الطبية ذات العلاقة بتشخيص وعلاج الأورام، بحيث يجد مواطن الولايات بأن يد الوزارة تمتد إليه في مكانه لتقديم الخدمات الصحية وفقاً لمعايير العدالة.
(*) ثنائية الحرب والمرض ..
قبح الحرب في كافة أوجهها تكشف عنه ما تعرّض له مرضى السرطان ومن كانوا يتلقون العلاج والتشخيص، حيث انقطعت سلسلة جلسات علاجهم الكيميائي، وآخرون تأخر اكتشافهم للمرض بسبب توقف مراكز ومستشفيات التشخيص، كما تسببت الحرب في توقف الخدمات الحكومية للقطاع الصحي في هذا الجانب، والتي كانت، وعلى قلتها، ترفع العبء عن جزء كبير من الذين لا تمكنهم إمكانياتهم من التعامل مع خدمات القطاع الخاص أو السفر للخارج.
فيما يخص مرضى السرطان، لا يتوقف الأمر في حدود توفر خدمات التشخيص والعلاج الكيميائي والإشعاعي، بل يتعداه للحاجة إلى الأدوية والعلاجات، والتي تأثرت فيها كثيراً سلاسل الإمداد الدوائي، وارتفعت تكاليف استيراد الدواء، وكل ذلك كان على أكتاف مرضى السرطان، وهو بالأساس علاج عالي التكاليف. وبالتالي فإننا نرى ضرورة أن تنحى وزارة الصحة الاتحادية منحىً استراتيجياً في التفكير نحو معالجة تعقيدات هذا الجانب في العلاج والتشخيص، وألا تكون فكرة “توطين” علاج السرطان بالكامل في السودان مجرد لافتة وشعار مرفوع، بينما لا تتجاوز نسب المستفيدين من الخدمة الصحية الحدود الدنيا، وأن تعيد الوزارة إحياء فكرة التنسيق مع الجهات صاحبة القرار في الدولة، والمؤسسات الأكاديمية والبحثية، والمنظمات الدولية المهتمة بأبحاث السرطان، ورسم خارطة انتشار المرض في السودان، والتعرف على المسببات، ورفع نسبة الوعي والتثقيف الصحي، والذي تساعد نتائجه في تخفيف العبء على النظام الصحي وتقلل من قيمة فاتورة العلاج على الدولة والمواطن.
تعقيد هذا النوع من الأمراض يظهر في تأثر المرضى بظروف الحرب، التي كان جزء من نتائجها فقدان السجلات المرضية لمرضى السرطان، وانقطاعهم بالنزوح أو اللجوء عن مراكز التشخيص وتلقي العلاج، وبالتالي فقدان البروتوكول العلاجي بالكامل، ولتكتمل حلقة المعاناة بالهجرة الكبيرة التي لازمت فترة الحرب للكادر الطبي المتخصص، إذ لم تعد فرص العمل محفزة في السودان، والمجال في الخارج يستقطب الكوادر المؤهلة بشكل كبير. وبالتالي لم تعد مشكلة النظام الصحي في السودان في إعادة تجهيز مثل المركز القومي لعلاج الأورام، بل القدرة على تشغيله، ومن ثم القدرة على استمرارية تقديم خدمات العلاج والتشخيص.
الحرب التي ضرب تخريبها البنية التحتية في البلد عموماً، بالضرورة وصلت فاتورتها لمرضى السرطان، والذين لا تحتمل مراكز تشخيصه وعلاجه المشكلات المتعلقة بتوفر التيار الكهربائي، وانقطاع إمداد الأوكسجين، وعدم توفر الأجهزة التي تواكب التطور المستمر في مجال تشخيص وعلاج الأورام.
من لم تقتله الحرب برصاصها قتلته بسحب فرص العلاج، فصاروا ضحايا بسببها لم تسجلهم إحصاءات الحرب.
في بلد مثل السودان يمر بمرحلة استعادة التعافي في نظامه الصحي، من الإيجابي أن يتم سماع أخبار كتلك التي تتحدث عن إعادة التشغيل، ولكن بالضرورة، وفي خدمة صحية تتعلق بعلاج وتشخيص السرطان، تصبح الاستمرارية مهمة، وإمكانية الوصول للخدمات المقدمة لكل المرضى.
في ظل الظروف التي فرضتها الحرب، يجب أن تشغل الوزارة بالها ببرامج استعادة الكفاءات والخبرات، والاجتهاد في سد النقص في العلاج الإشعاعي، واتباع طرق أسهل تخفف على الدولة والمواطن التكاليف العالية لعلاج وتشخيص مرض السرطان، بتوقيع بروتوكولات التعاون الصحي مع دول الجوار صاحبة الخبرة في مجال علاج وتشخيص المرض، وتبادل الخبرات، وتدريب الكادر الطبي والتمريضي، ومحاولة استعادة قدرة الإنتاج المحلي في سد النقص في الأدوية والمحاليل ومواد الفحص، وفتح مجال الاستثمار في المجال الصحي، والذي يبدو بأنه سيحتاج للبداية من نقطة الصفر.



