الممثل الدرامي كرار الزين في حوار مع العودة.. ” الحرب جعلت الواقع السوداني نصاً لا يُمثَّل”
"الحرب قساوة وتشرد وموت وعطش وفقر ومرض"

حاورته: نشوة أحمد الطيب
“ما حدث ليس محواً لذاكرة فرد… بل لذاكرة شعب”
“الألم النفسي هو الأصعب من الجسدي”
“نعيش داخل مدينة إنتاج حقيقية من الدمار”
“الفنان لا يُعزل عن جمهوره بل يتغذى بهم”
“عملت في بيع اللبن والزبادي وزراعة الخيار والعجور بعد الحرب”
“أغرقنا الفكي هاشم لنحميها من الأوباش”
“علينا أن ننفض غبار الحرب ونبدأ”
لم يكن الممثل الدرامي كرار الزين من الذين غادروا المشهد مع اندلاع الحرب، بل بقي في قلب الخرطوم، شاهداً على واقعٍ قاسٍ أعاد تشكيل حياته بعيداً عن أدوار الدراما، ومع تفاقم الأوضاع لم يعد الفن كافياً فاضطر إلى بيع اللبن والزبادي وافتتاح مطعم صغير لتأمين معيشته، حيث غدا تأمين لقمة العيش معركة يومية لا تقل قسوة عن أصوات القذائف.
ومن قلب هذه المعاناة، لم يكتفِ بالبقاء آمناً في منزله، بل ساهم في حماية منطقة الفكي هاشم عبر إغراقها بالمياه ليجعلها شبه جزيرة، مانعاً دخول “الأوباش” إليها. من هذه التجربة الثقيلة، يجيء هذا الحوار كشهادة إنسانية قبل أن يكون حديثاً فنياً، خاصة بعد عودته إلى الشاشة عبر عمل درامي لاقى رواجاً واسعاً في المجتمع، “حكايات المنطقة إكس”، حيث انعكست معاناته الواقعية في أداءٍ حمل صدق التجربة ووجعها.
…..
س: كيف جاء اختيارك للانضمام إلى “حكايات المنطقة إكس”؟
ج: في البدء، تم الاختيار عن طريق الأستاذ أبو بكر الشيخ، مخرج العمل، حيث اتصل بي هاتفياً ليخبرني بأنه تم اختياري للمشاركة في “حكايات المنطقة إكس”، وأرسل لي نص أول حلقة والتي كانت بعنوان “عضم ضهر”. درست وقرأت النص، وبدأت في تحليل شخصية “سعد” من حيث البعد الاجتماعي، والنفسي، والجسماني. وبصراحة، النص كان مكتوباً بحرفية عالية جداً، وجذبني على الفور، حيث رأيت نفسي في هذا العمل؛ لأن الأحداث والمقاربات قد رآها كل سوداني في مخيلته.
س: حلقتي “يوسف” و”عضم ضهر” تناولتا ظروف المدنيين في مناطق الحرب، كيف استعددت نفسياً وعاطفياً لتجسيد هذه المعاناة على الشاشة؟
ج: في البدء، الأحداث التي دارت في “المنطقة إكس” كانت تعني كل سوداني؛ فالتشرد، والنزوح، والاعتقالات من قِبل ميليشيا الدعم السريع كانت تمس أي سوداني حقيقي. حكايات “المنطقة إكس” لم تكن بعيدة أبداً عن الواقع السوداني المُعاش، بل كانت قريبة جداً لأي ممثل سوداني كان بإمكانه أداء هذا الدور لأنه قريب منه وواقعي وليس ببعيد، وكان قريباً جداً للمشاهد.
وبصراحة تعبت كثيراً في شخصية “يوسف” لأنها كانت شخصية معقدة جداً؛ فقد تم اعتقال يوسف ومحو ذاكرته، وهو ليس محواً لذاكرة يوسف فحسب، بل هو محو لذاكرة المواطنين السودانيين عموماً. حلقة “يوسف” كانت صعبة نوعاً ما، لأنها أخذت وقتاً طويلاً في تفصيل الشخصية وتركيبها النفسي والجسماني، وكيف يؤثر التعذيب على الجسد، وطريقة سحب الرجل أثناء المشي، وكيف أدت الضربات إلى تعطيل أجهزة في الجسد. فبصراحة كانت متعبة نفسياً وجسدياً، وكانت من أكثر الشخصيات صعوبة بالنسبة لي، ولكن الحمد لله رب العالمين، ربنا وفقنا ووفق العمل عموماً.

س: كثير من المشاهدين وصفوا أداءك بأنه صادق ومؤثر للغاية..
ج: أولاً، أنا شاكر ومقدر لكل مشاهدي مسلسل “المنطقة إكس” وللتفاعل الذي وجده المسلسل. أي ممثل تقع على عاتقه مسؤولية تجاه الدور الذي يقوم به في أي عمل درامي، وهناك تحديات كبيرة تتمثل في الأدوار التي يؤديها. واحدة من هذه التحديات هي قبول الجمهور لماهية العمل أو نوعه، ولكن المخرج والطاقم الفني كله كان يعمل على تقديم عمل جميل يرضي الجمهور. فكان لزاماً علينا نحن، كمؤديين للأدوار، أن نستشعر المسؤولية تجاه الدور، وتجاه أنفسنا، وتجاه الجمهور.
س: أثناء تصوير المشاهد الصعبة، هل واجهت أي تحديات شخصية أو مهنية وكيف تعاملت معها؟
ج: كما قلت لك، المخرج أبو بكر الشيخ وطاقم العمل الفني كانوا يحاولون بقدر الإمكان تذليل كل الصعاب. لكنني أتذكر في شخصية “يوسف”، لأنه كان معتقلاً وخرج فاقداً لجزء من ذاكرته، كان يتوجب على الشخصية أن تكون حافية القدمين وهو يعتكف في مخابئ في غابة. لقد صورنا المشاهد في جزيرة “توتي” داخل حديقة، ولكن الحديقة طبعاً بسبب ظروف الحرب والعطش أصبحت شبه غابة مهجورة مليئة بالأشواك. استطاع فريق العمل تمهيد طريق لمرور الشخصية، ولكن بالرغم من ذلك كان هناك شوك، وبقايا حيوانات نافقة تسببت في إصابة قدمي. والغريب في الأمر، أن الإصابة لم تقع في الرجل التي أمثل بها الإعاقة في الدور، بل في الرجل التي من المفترض أن تكون سليمة. فهذا الأمر زاد من الإرهاق أثناء أداء الدور، لأنني أُصبت بعدما بدأت في تمثيل الشخصية؛ حيث كنت أمثل الإعاقة في رجلي اليمنى، فأصبت في اليسرى، فكانت بمثابة ألمين متراكمين.
س: هنالك تفاعل كبير عبر منصات التواصل الاجتماعي مع الحلقة الأخيرة، كيف تشعر حيال تفاعل الجمهور وردود أفعالهم؟
ج: طبعاً بكل تأكيد تغمرك الفرحة والسعادة، وأن يُتوج تعب هذا العمل بالتفاعل الكبير في وسائل التواصل الاجتماعي؛ حيث تجد الصور منتشرة والجمهور راضٍ عن الأداء عموماً. هذا شيء يفرح، وهو ما يجعلك دائماً نشطاً وفاعلاً وقادراً على العمل والاستمرار. فالفنان لا يُعزل عن الجمهور، بل يتغذى بهم وبتفاعلهم الكبير الذي يتجلى في ردود أفعالهم.
س: ما الرسالة الإنسانية والاجتماعية التي ترغب أن يخرج بها المشاهد بعد مشاهدة أدائك في السلسلة؟
ج: الأكيد أن المسلسل قد استطاع أن يعكس جزءاً من الواقع، الجزء القليل من الواقع السوداني في هذه الحرب اللعينة.
يمكن أن تكون رسالتنا للمشاهد الذي لم يعش هذه الحرب، سواء كان سودانياً أو غير سوداني، أن يرى ولو جزءاً بسيطاً من معاناة المواطن السوداني، وكيف أن الشعب السوداني تضرر من هذه الحرب. الحرب عموماً ليست شيئاً جميلاً أو شيئاً يحبه الناس. الحرب قساوة، الحرب نزوح، الحرب تشرد، الحرب موت، الحرب عطش، الحرب فقر، الحرب مرض.
طيلة فترة الحرب لم أخرج من السودان، بل لم أخرج من ولاية الخرطوم في منطقة (الفكي هاشم).و الذي لم يمت برصاصة فيها أو بقذيفة، مات بضنك، أو مات بكوليرا، أو مات بجوع، أو مات بشيء نفسي. الألم النفسي هو الأصعب، الأصعب من الجسدي هذا. نحن أردنا أن ننقل ولو جزءاً بسيطاً من تلك المعاناة.

س: مستقبلك الفني، هل تفكر في مشاريع أخرى تتناول الواقع السوداني الصعب أم تميل لتيار آخر؟
ج: الأكيد أنه لا يُفترض بنا نحن كفنانين أن نكون باقين في قوقعة عادية، أو أن نظل في، مشاكل الحرب. أنا بدأت حتى على مستوى منطقتي الصغيرة أن أعمل على أفلام وثائقية، وأعمل في مسرح الشارع، وأعمل على توعية للمجتمع الصغير في (الفكي هاشم)، أقلها لكي لا يكون المرء محصوراً في قالب الحرب عموماً.
يجب على الناس أن تدرك بأن الحرب انتهت، وعلينا أن نُعمِّر، وعلينا أن ننفض غبار هذه الحرب ونبدأ. لو استسلمنا إلى أن الحرب دمرتنا، والحرب شردت، والناس نزحت وهكذا، فسنظل في مكاننا. لا بد أن ننفض غبار الحرب ونبدأ نعمل وننتج.
س: كيف تصف تجربة العمل مع فريق “حكايات المنطقة إكس”، وهل هنالك موقف أو لحظة معينة؟
ج: حقيقةً إن أي عمل يكون وراءه المخرج أبو بكر الشيخ، بالتأكيد سيكون نتاجه مثل التفاعل الكبير الذي وجده المسلسل. أبو بكر الشيخ من المخرجين الذين يستطيعون صنع فريق فني متكامل وملتزم، كل شخص فيه يعرف عمله؛ سواء في الإضاءة، أو الديكور، أو الصوت، أو التصوير، وكذلك الخدمات الإنتاجية ومديرا الإنتاج والتصوير. هنالك تناغم كبير في الطاقم الفني، وبيئة العمل مريحة، فهم يحبون الممثلين أو المؤدين، يحترمونهم ويقدرونهم جداً.
أكثر ما علق في ذاكرتي بخصوص “حكايات المنطقة إكس” أنه ربما تكون هذه هي المرة الأولى التي أخرج فيها من منطقتي “الفكي هاشم” لأرى حجم الدمار. كان حجم الدمار في الخرطوم مرتبطاً عندي بهذا المسلسل، لأنها المرة الأولى التي أذهب فيها إلى الخرطوم وأرى بنك السودان، برج الفاتح، مسجد الشهيد، والسوق العربي. ربما لأنني كنت مقيماً في “الفكي هاشم” وقريتي لم تنزح، كنت أرى الصور فقط، لكن الصور لا تنقل لك الحقيقة كاملة، وعندما ذهبت ورأيت الدمار أصبح ذلك عالقاً في ذاكرتي.
س: كيف أثرت الحرب على حياتك الشخصية؟
ج: أنا مثلي مثل أي مواطن سوداني، أثرت علي الحرب بصورة كبيرة. أنا ممثل، لكن بعد الحرب افتتحت مطعماً، وعملت في صناعة الزبادي وبيع اللبن، وأسست مصنعاً صغيراً للمش والجبن لأن اللبن كان متوفراً في منطقتنا. أعددت أيضاً قدرة لبيع الفول، وعملت في مهن كثيرة. ربما أكون طوال قرابة السنتين أعمل بين هذا وذاك؛ بين بيع اللبن والزبادي، ومطعم شعبي لبيع الكسرة والتقلية والملاح، وبين إعداد قدرة الفول، وزراعة الخيار والعجور والأشياء البسيطة. المهم أن كل هذا كان من أجل توفير المصاريف لنسد بها رمق ما تبقى من الجسد، أما الروح فلم نعد ننشغل بها كثيراً، والحمد لله رب العالمين.. يمكن أن يكون مسلسل “حكايات المنطقة إكس” أول عمل صريح لي في صميم المهنة بعد مرور ثلاثة أو أربعة سنوات من الحرب، رغم أنني عملت في أعمال أخرى.

س: هل زرت أماكن التصوير أثناء الحرب أو بعد انتهاء الأحداث وكيف كان شعورك؟
ج: لم أرَ حجم الدمار إلا بعدما ذهبت مع مسلسل “حكايات المنطقة إكس”. أول مرة أزور فيها الأماكن كانت أثناء التصوير، وحجم الدمار هناك عالق في ذهني ولن أنساه. لقد خرجت من الخرطوم بعد 40 يوماً من بداية الحرب، وتوجهت إلى “الفكي هاشم” في ريف بحري بعد منطقة الكدرو، ومكثت فيها وما زلت مقيماً هناك ولم أخرج منها. موقعها الجغرافي جعلها تنغلق على نفسها، فقد استطعنا إغراق القرية بالمياه لنجعلها شبه جزيرة، وحمينا أنفسنا بالمياه الدائرية التي غمرت المنطقة، والحمد لله لم يستطع الأوباش الدخول إلى منطقتنا.
س: بالنسبة للحطام والدمار الذي تحول إلى موقع تصوير، كيف أثر على تصورات الواقع وعلى أدائك التمثيلي؟
ج: فعلاً، عندما يكون موقع التصوير حقيقياً والكتابة حقيقية، فإن ذلك ينعكس بشكل كبير وواقعي على الأداء التمثيلي، فيمنحك واقعية أكبر تجعلك تبدع وتعمل بجهد على نفسك وعلى الدور. كان الوقع كبيراً علينا، ففي السابق كنا نقول إن الدول الأخرى تمتلك مدن إنتاج تحاكي الواقع، أما نحن فقد وجدنا مدينة إنتاج حقيقية؛ نأسف لقول ذلك، لكن هذا هو الواقع.
س: هل لك تجربة شخصية مع النزوح أو التهجير بسبب الحرب؟
ج: نزوحي والحمد لله لم يكن نزوحاً كبيراً، فقد نزحت من منطقة اللاماب بالخرطوم إلى “الفكي هاشم” في بحري، ولكن ذلك أحدث فارقاً كبيراً، لأننا أغلقنا على أنفسنا وحمينا منطقتنا من قوات الدعم السريع. تقع “الفكي هاشم” شرق النيل، وغربنا يوجد وادي سيدنا، فكانت قوات الدعم السريع تنصب مدافعها شرقنا لمحاولة ضرب وادي سيدنا، بينما يحاول الجيش في وادي سيدنا ضرب الدعم السريع، ونحن كنا في المنتصف نعاني من ويلات قذائف الدانات والرصاص والموت.

س: ما الدروس الإنسانية والنفسية التي اكتسبتها من تجربة البقاء في مناطق النزاع؟
ج: فعلاً مقولة “المعاناة تولد الإبداع” هي تعبير صحيح بنسبة مئة بالمئة. كما ذكرت لك، عملت في المهن السابقة إن جاز التعبير، ولكنني استطعت أيضاً من خلال بقائي في “الفكي هاشم” أن أُكوِّن فرقة من أشخاص غير دارسين للمسرح، تضم عمي مصطفى الذي يبلغ من العمر قرابة السبعين عاماً بالإضافة إلى مجموعة من الشباب.
استطعت إنتاج عروض مسرحية في الهواء الطلق؛ قدمت مسرحية بعنوان “غروب” تناقش المشاكل الاجتماعية في المنطقة، ومسرحية “صح غلط” عن مرض الكوليرا، ومسرحية “أولاد راجل واحد” التي تحاكي معاناة القرية مع الدعم السريع. كما قدمت مسرحية “خَطَرَفات”، ومسرحية “ذاكرة مثقوبة” المكونة من ثلاث شخصيات تتداعى فيها تداعيات الحرب ومشاكل كل فرد. وتناولت الأعمال كيف انغلقت القرية على أهلها، فمنهم من قرر الخروج، ومنهم من أراد البقاء، ومنهم من لم يستطع الخروج، وكلها أعمال تحاكي هذه المشاكل.
كما قدمت عروضاً لمسرح عرائس الأطفال لمدة تقارب الأربعة أشهر، حتى أستطيع إخراجهم من أجواء أصوات الدانات. لقد أوقفت أحد عروضي المسرحية بسبب سقوط دانة قريبة، فقد كنت أعمل في ظل الحرب الفعلية، والحمد لله نجحت بقدر كبير. أصبح لدي فرقة محترمة دربتها تدريباً مكثفاً، وقد وقفت معي دون أي مقابل مادي أو أجر، بل كان كل ذلك مجانياً من أجل مواطنينا وأهلنا وأحبابنا.



