من “النفير” إلى “التكية”.. ملحمة التكافل السوداني في وجه الحرب الطاحنة

تقرير: أمين محمد الأمين
في الخرطوم وتحديدا أزقة حي “الإنقاذ” جنوبي الخرطوم، ثمة إيقاع يومي لا يخطئه سمع؛ إنه صرير الملاعق الكبيرة “الكمش” وأنين “الحلل” وهي تغالب غليان الفول والعدسية فوق ألسنة النيران. تلك الرائحة التي تفوح في الصباح الباكر، لم تكن مجرد نداء لتناول الإفطار، بل كانت “صافرة طمأنينة” لسكان الحي، تخبرهم بأنهم ما زالوا على قيد الحياة، وأن ثمة يداً بيضاء تمتد إليهم في زمن العسرة.
*طوق نجاة*
لقد صهرت هذه الحرب الطاحنة الفوارق بين الناس؛ فغدا الغني والفقير في “الإنقاذ” سواء، يتقاسمون رعب القذائف والطلقات الطائشة التي قد تخطف الأب أو الأم أو الابن في أي لحظة. وفي ظل انعدام الدخل ونفاد المخزون الغذائي، برزت “التكايا” كطوق نجاة وحيد لأولئك الذين تمسكوا بجدران بيوتهم ورفضوا النزوح.
*توقف اضطراري*
هذه التكايا التي ولدت من رحم المعاناة إبان سيطرة قوات الدعم السريع على المنطقة، استمرت في أداء رسالتها الإنسانية حتى بعد استعادة الجيش السوداني للمنطقة وبسط سيطرته عليها. وعلى الرغم من تبدل موازين القوى العسكرية، ظلت “الحلة” هي الثابت الوحيد الذي يجمع شتات المواطنين، قبل أن تتوقف هذه المبادرات اضطرارياً قبل أيام قلائل، مخلفةً وراءها تساؤلات قلقة حول مصير مئات الأسر التي وجدت في هذه التكايا ملاذها الآمن والأخير وسط ركام الحرب.
*أرقام وتحديات*
داخل أحد مراكز التوزيع التي كانت تعج بالحياة حتى وقت قريب، يروي أحد مشرفي هذه المطابخ تفاصيل ملحمة الصمود قائلاً: “في حي الإنقاذ وحده، كان هناك نحو 12 مطبخاً تعمل كخلية نحل لا تهدأ، يستهدف كل منها سد رمق ما يزيد عن 500 أسرة؛ أي أننا نتحدث عن آلاف الأفواه التي كانت تنتظر الوجبة يومياً بفارغ الصبر، لكونها تمثل السد المنيع أمام غائلة الجوع”.
ويستذكر المشرف بدايات الفكرة التي بدأت بجهد فردي، نواته شخص واحد بادر بجمع اشتراكات بسيطة من أبناء المنطقة المتواجدين في مناطق آمنة ومن المغتربين. وتوسعت الفكرة تدريجياً من وجبة أسبوعية تجوب المربعات، إلى مطابخ ثابتة تعمل تحت إشراف مباشر من “غرف الطوارئ” ولجان الأحياء الصامدة “المشرفين”، الذين بذلوا جهوداً جسيمة لخدمة السكان بوقود من الصبر والجسد الذي لا يكل، منهم جمال مختار مربع ٢، و عبدالعزيز مصطفي مربع ٤، ومرتضي تمساح مربع ٣، وحسن زبورة مربع ١، و أوغستينو شارلس مربع ٣.
*مظلة دولية*
هذا النجاح الشعبي لفت الأنظار، فتطورت المبادرة لتصبح مشروعاً مدعوماً من برنامج الأغذية العالمي (WFP)، وبإشراف تنفيذي من منظمة “نداء”، مما وفر استدامة نسبية للمواد التموينية، وجعل من “حلة الإنقاذ” أنموذجاً للتكافل الذي يبدأ من المواطن وينتهي باعتراف المنظمات الدولية. غير أن المشرف يختم حديثه بنبرة قلق، مؤكداً أن التوقف المفاجئ لهذه المطابخ قبل أيام وضع مئات العائلات وجهاً لوجه أمام مصير مجهول.
*رؤية تحليلية*
من جانبه، يرى الباحث الاجتماعي خضر الخواض أن ثقافة الوجبات الجماعية متجذرة في الوجدان السوداني، متمثلة تاريخياً في “النفير” بمواسم الزراعة والبناء. وأوضح الخواض أن السودانيين يمتلكون قدرة عالية على تطويع ظواهرهم الاجتماعية؛ حيث انتقلت التكايا من ساحات الاعتصام إلى مناطق النزوح، وصولاً إلى لعب دور “المطبخ المركزي” للحي في الحرب الحالية، بدلاً عن مطابخ البيوت التي خلت من المؤن والوقود.
ويشير الخواض إلى أن دور هذه المطابخ تجاوز الحدود ليصل إلى معسكرات اللجوء، كما في معسكر “كيرياندونغو” بيوغندا، حيث يعتمد غالبية السكان على نحو 16 مطبخاً لتأمين احتياجاتهم الأساسية.
*حل مؤقت*
ورغم الدور الحيوي للتكايا في حماية الاستقرار الاجتماعي، حذر الخواض من تحولها إلى حالة دائمة تؤدي إلى “الاتكال” وتفشي البطالة بين الطاقات الشابة، واصفاً إياها بـ “الحل المؤقت”. وطالب المنظمات والجهات المعنية بضرورة استثمار الطاقات البشرية التي تدير هذه التكايا حالياً، وتحويلها إلى مشاريع إنتاجية تضمن سبل عيش كريم ومستدام، بعيداً عن الارتهان الكلي للمساعدات.




