منى أبو زيد تكتب : الحياد في عصر التكتلات..!

هناك فرق..
“في عالمٍ ينقسم بسرعة لا يُسأل الضعفاء أين تقفون، بل يُقال لهم قفوا هنا”.. الكاتبة ..!
في زمنٍ سابق كان الحياد يبدو وكأنه فضيلة أو موقف أخلاقي نقي، أو على الأقل خياراً ذكياً لدول تعرف حجمها جيداً، فتجتنب أن تُسحق بين الكبار. كان الحياد مساحة للتنفس وهامشاً للمناورة، وربما نوعاً من الحكمة الهادئة التي تتقضي بأن لا يكون المحايد طرفاً في أي صراع..!
لكن العالم لم يعد كما كان، فاليوم لم يعد الاستقطاب مجرد اختلاف في الرؤى، بل أصبح اصطفافاً حاداً يشبه خطوطاً مرسومة بالنار، ولم تعد القوى الكبرى تكتفي بأن تُدير صراعاتها، لكنها أصبحت تريد من الآخرين أن يعرِّفوا أنفسهم داخلها “معنا أم ضدنا”. وهنا يظهر مأزق الدول الصغيرة..!
الحياد في هذا السياق لم يعد موقفاً يُحترم بل شكاً يُدان. لم يعد يُقرأ كخيار سيادي بل كتهرب من الالتزام. بل يقرأ أحياناَ كخيانة صامتة لأحد المعسكرين..!
الدول الصغيرة تعرف هذه الحقيقة جيداً لكنها لا تقولها بصوت عالٍ. تعرف أن إعلان الحياد قد يُغضب طرفاً، وأن التخلي عنه قد يُفقدها ذاتها، فتعيش في تلك المنطقة الرمادية، تحاول أن توازن بين ما تريد أن تكونه وما يُفرض عليها أن تكونه.
هي لا تختار الصمت دائماً لأنها لا تملك رأياً ولكن لأنها تدرك أن لكل كلمة ثمناً، وأن هذا الثمن، في عالم كهذا، قد يكون أكبر من قدرتها على الدفع..!
لكن المفارقة أن الحياد نفسه أصبح مكلفاً،
أن تقول أنا محايد يعني أنك قد تخسر دعماً، أو حماية، أو حتى حقك في أن تُترك وشأنك. وكأن العالم يقول لك إن لم تكن معنا، فلن نضمن أنك لست ضدنا..!
وهنا يتحول الحياد من ملاذ، إلى مخاطرة.
الدول الصغيرة في جوهرها لا تبحث عن البطولة بقدر ما عن البقاء، لكنها تكتشف مرة بعد مرة أن البقاء في عالم الاستقطاب ليس قراراً فردياً، وأن هنالك دائماً من يملك القدرة على إعادة تعريف خياراتك، حتى تلك التي تظنها خالصة لك..!
فهل انتهى زمن الحياد؟. بما لم ينته بالكامل، لكنه تغير. لم يعد موقفاَ ثابتاً، بل صار عملية تفاوض مستمرة تتبدل بتبدل المصالح والضغوط، لم يعد إعلاناً واضحاً بعد أن تحول إلى صيغة حذرة مليئة بالاستثناءات والتأويلات..!
الحياد اليوم فضلاً عن أن تقف في المنتصف، هو أن تتقن الحركة دون أن تُرى، وأن تقول ما يمكن احتماله، وأن تخفي ما لا يمكن قوله. لكن في العمق، يبقى السؤال الأكثر إزعاجاً “هل يمكن أن تكون محايداً حقاً في عالم لا يعترف إلا الانحياز”..!
ربما الإجابة هنا ليست سياسية بقدر ما هي وجوددية، لأن الحياد، في نهاية الأمر ليس فقط علاقة بالدول الأخرى، بل علاقة الإنسان بنفسه، إلى أي حد يمكن أن تُساوم على موقعك دون أن تخسر معنى وجودك..!
وهناك فرق بطبيعة الحال بين من يقفون في المنتصف لأنهم اختاروا، ومن يقفون فيه لأنه لا أحد قد سمح لهم بأن يذهبوا أبعد!.
munaabuzaid2@gmail.com



