السفير د. معاوية البخاري يكتب : بين العفو والعدالة: معادلة الدولة السودانية في لحظة ما بعد الحرب ؟

مقدمة

لم تكن الحرب التي عصفت بالسودان مجرد انفجار داخلي معزول، بل جاءت في سياق تقاطع حاد بين هشاشة البنية الوطنية وتدخلات خارجية واسعة، سعت إلى إعادة تشكيل موازين القوة داخل الدولة. وفي هذا المناخ، لم يتوقف أثر تلك المشاريع عند حدود الصراع، بل امتد إلى الداخل، حيث تشكّلت حالة اصطفاف معقدة، تجاوزت حدود الاختلاف السياسي إلى تموضعات ارتبطت، بدرجات متفاوتة، بأجندات ومشروعات أضرت بوحدة البلاد واستقرارها.

هذا الاصطفاف الذي كان خيار بعض أبناء الوطن لم يكن بلا كلفة؛ فقد ترك أثرًا عميقًا في وجدان المجتمع، وأعاد طرح أسئلة جوهرية حول معنى الوطنية وحدودها، والفارق بين المعارضة المشروعة والانخراط في مسارات أضعفت الدولة وأثقلت كاهل مواطنيها. وهكذا، لم تعد الحرب تُقرأ فقط كصراع على السلطة، بل كاختبار قاسٍ لتماسك الهوية الوطنية نفسها.

في ظل هذا الواقع المركب، تصبح أي مقاربة للتسوية السلمية أو العفو العام محكومة بتحدٍ مزدوج: كيف يمكن اخلاقياً ووطنياً إنهاء الحرب دون التفريط في العدالة، وكيف يمكن استعادة الوحدة الوطنية دون تجاهل ما خلّفه الصراع من جراح عميقة؟ وهو ما يفرض ضرورة بناء معادلة وطنية دقيقة، تستوعب تعقيدات الداخل وضغوط الخارج، وتوازن بين مقتضيات المواقف والمصالحة ومتطلبات الإنصاف.

 

أولًا: العفو العام… من أداة سياسية إلى إطار معياري منضبط

العفو العام، في سياقات ما بعد النزاعات، ليس مجرد خيار سياسي لتخفيف الاحتقان، بل هو إجراء سيادي بالغ الحساسية، تتوقف مشروعيته على مدى اتساقه مع العدالة والإنصاف. فالتجارب تُثبت أن العفو غير المتساهل لا يُنهي الصراع، بل يؤجله، ويعيد إنتاج أسبابه في دورات لاحقة.

وعليه، فإن أي توجه نحو عفو عام في السودان يجب أن يُبنى على إطار معياري صارم يقوم على:

 

• عدم الشمول المطلق: استبعاد الجرائم الجسيمة التي تمس الحياة والكرامة الإنسانية.

• حماية الحقوق الخاصة للضحايا: باعتبارها حقوقًا لا تسقط بالترتيبات السياسية.

• عدم التنازل عن الجرائم الخطيرة: كالاغتصاب والانتهاكات الممنهجة والقتل خارج القانون.

 

ثانيًا: العدالة… في إطار دولة المؤسسات والسقوف الوطنية الجامعة

العدالة ليست مسارًا قانونيًا منفصلًا، بل تعبير عن قدرة الدولة على إدارة الصراع ضمن مؤسسات مستقلة وسقف وطني جامع، وبعيدًا عن المزايدات السياسية وتصفية الحسابات.

ويقوم هذا التصور على:

• استقلالية القضاء والنيابة وأجهزة التحقيق.

• حصر العدالة داخل سقف دستوري جامع.

• تحييد العدالة عن الاستخدام السياسي.

• المساءلة وفق معايير موحدة دون انتقائية.

• كشف الحقيقة وصون الذاكرة الوطنية.

• جبر الضرر كحق لا كمنحة.

• إصلاح مؤسسي يمنع تكرار الانتهاكات.

• عدالة انتقالية متدرجة غير متهاونة ولا متعجلة.

 

ثالثًا: بين المعارضة الوطنية والتخابر… خط فاصل لا يحتمل الالتباس

في سياقات ما بعد الحرب المركبة وتبعاتها، يبرز خطر الخلط بين المعارضة السياسية المشروعة والأفعال التي تمس سيادة الدولة، ما يستوجب ضبطًا دقيقًا للمفاهيم، بعيدًا عن التوظيف السياسي وحملات الإقصاء وطي الحقب.

ويستند هذا الضبط إلى:

• تثبيت شرعية التعدد السياسي.

• حصر الخيانة والتخابر في تعريف قانوني دقيق.

• عدم توظيف الاتهام سياسيًا أو إعلاميًا.

• ضمان قضاء مستقل للفصل في الوقائع.

• التمييز بين الخطأ السياسي والجريمة الجنائية.

• حماية المجال العام من التعميم والوصم.

رابعًا: الانفتاح السياسي والسقوف الوطنية الجامعة… مع تقييد التقديرات الواقعية

الانفتاح السياسي ضرورة لإعادة بناء المجال العام، لكنه يجب أن يُدار في ظل استمرار الحرب بدرجاتها المختلفة، وبقاء التأثيرات الخارجية.

ويقوم هذا المسار على:

• ربط الانفتاح بالحد الأدنى من الاستقرار الأمني.

• عدم افتراض نهاية الحرب قبل تحققها فعليًا.

• إدراك استمرار التدخلات الخارجية.

• اعتماد سقف وطني جامع كمرجعية.

• منع إعادة إنتاج أدوات الصراع عبر السياسة.

• تقييد التقديرات السياسية وعدم استعجال إعلان الاستقرار، والأوضاع تتأرجح.

 

خامسًا: دروس التاريخ السوداني… حين تتحول التسويات غير المكتملة إلى دورات صراع

تُظهر التجربة السودانية أن التسويات الجزئية التي تجاهلت جذور الأزمات أدت إلى إعادة إنتاج الصراع بصيغ أكثر تعقيدًا.

ومن أبرز الدروس:

• التسويات الجزئية تؤجل الصراع ولا تنهيه.

• غياب العدالة يعيد إنتاج العنف.

• ضعف المؤسسات يجعل التسوية هشّة.

• تجاهل الأبعاد الاجتماعية يعمّق الأزمة.

• التدخلات الخارجية تُضعف استدامة الاتفاقات.

 

خاتمة: نحو معادلة تحفظ الدولة وتصون الوجدان الجمعي

في نهاية هذا المسار المركب، تتضح حقيقة مركزية لا يمكن تجاوزها: أن مستقبل السودان لا يمكن أن يُبنى على الإنكار أو التسويات المبتسرة أو تجاهل ما خلّفته الحرب من جراح عميقة في الجسد الاجتماعي والضمير الوطني.

إن المطلوب ليس مجرد وقف للحرب أو إعادة ترتيب سياسي دون رؤية وطنية توافقية تعظم حظوظ الداخل بمبادراتها الوطنية وسندها، بل إعادة تأسيس للمعنى الوطني ذاته، بما يحفظ الدولة من التفكك، ويصون الوجدان الجمعي للشعب السوداني، ويعيد الاعتبار إلى كبرياء الأمة وكرامة مواطنيها التي أدمتها الجراح.

وفي هذا السياق، لا يمكن أن تتحول الأخطاء الجسيمة بحق الوطن، من قتل وانتهاك ونهب وترويع، إلى وقائع سياسية بلا مساءلة. فهذه الأفعال ليست مجرد اختلاف سياسي، بل جرائم تمس جوهر الدولة والمجتمع، ولها كلفة ضرورية وعادلة، ليست انتقامًا، بل حماية للمستقبل ومنعًا لتكرار الانهيار.

إن أي مسار نحو التسوية أو العفو أو الانفتاح السياسي لن يكتسب مشروعيته إلا إذا استند إلى حقيقة أساسية: أن السلام الحقيقي لا يُبنى على الإفلات من العقاب، بل على عدالة تُنصف الضحايا، وتضع حدًا واضحًا للجرم، وتعيد الاعتبار للدولة وهيبتها ومؤسساتها.

وعليه، فإن معادلة المستقبل مطلوبة بإلحاح ولكنها ليست بين العفو والعدالة، بل بين عدالة تحفظ الدولة ولا تهدمها، وعفو لا يُفرّط في الحقوق ولا يُكرّس الإفلات من العقاب، في إطار وطني جامع يعيد للسودان توازنه، ويصون وحدته، ويستعيد مكانته على أساس من القانون والإنصاف والكرامة الجمعية لا كراسي السلطة قبل وفاء مطلوبات المعادلة على الكل، وشوهد التاريخ وعبره ، وتجارب الامم من حولنا لنا فيها مندوحة تعزز اي نهج يتوجب أن نسلكه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى