الأمين العام لغرفة المستوردين بكري إلياس في حوار كاشف لـ (العودة):
قرار حظر الاستيراد "تجريب للمجرب".. سيشرّد الموظفين ويحولنا إلى "اقتصاد الندرة"

تصنيف مواد البناء كـ “كماليات” بدعة لا تحدث إلا في “العصر الحجري” والقرار يذبح المواطن بالغلاء
حوار: عماد النظيف
في خطوة أثارت عاصفة من الجدل، أصدر مجلس الوزراء الانتقالي القرار رقم (74) لسنة 2026 بحظر استيراد (46) بنداً من السلع تحت لافتة “الكماليات”، شملت لحوماً وألبان ومواد إنشائية. ورغم الشكوك التي أحاطت بالقرار في بدايته، إلا أن إعلام مجلس الوزراء أكد لـ (العودة) صحة القرار ونفاذه، في محاولة لكبح تدهور العملة الوطنية والحد من استنزاف النقد الأجنبي.
هذا التوجه المفاجئ يضع الحكومة في مواجهة مباشرة مع قطاع الاستيراد، ويفتح التساؤلات حول جدوى سياسة “الحظر” في ظل شلل الصناعة المحلية وظروف الحرب. وللوقوف على تداعيات هذا “الزلزال الاقتصادي”، أجرت (العودة) هذا الحوار مع الأمين العام لغرفة المستوردين بكري إلياس ، الذي وصف القرار بـ”غير المدروس” محذراً من دخوله حيز “اقتصاد الندرة”.
*• بدايةً، ما هو تقييمكم الرسمي في الغرفة لهذا القرار، وكيف سينعكس على استقرار قطاع الاستيراد في السودان؟
الحقيقة أن هذا القرار ليس جديداً، فقد تم إصداره قبل سنوات وتم التراجع عنه لأنه لم يحقق أي نتيجة. هو قرار “غير مدروس” تماماً، ولم يراعِ الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد من حرب وتدهور اقتصادي مريع. وكما أوضح رئيس الغرفة في تصريحه، نحن نرى أن هذا القرار سيفتح باباً واسعاً للتهريب و”تجارة الاستثناءات”. نحن الآن ننتظر مخرجات اجتماع اللجنة اليوم، وبعدها سنحدد خطواتنا، والتي لن نستبعد فيها الذهاب إلى المحكمة لإسقاط القرار.
*• هنالك مخاوف بشأن السمعة الائتمانية للمستورد السوداني، ما مدى خطورة هذا القرار على علاقتكم بالبنوك والموردين الأجانب؟
الخطورة تكمن في أن مثل هذه القرارات تدفع برؤوس الأموال للهروب فوراً. نحن أصلاً نعيش في بلد يعاني من ويلات الحرب، ورؤوس الأموال تبحث عن الأمان، وعندما يصدر قرار “فجائي” كهذا، فإنه يجبر من تبقى من المستثمرين على الهروب أو التعامل بحذر شديد مع السودان. نحن في وقت أحوج ما نكون فيه لبعث رسائل تطمينية لجلب الأموال، لا إصدار قرارات كارثية تنفر الجميع.
*• بالحديث عن الجانب العملي، ما هي تقديراتكم لحجم البضائع العالقة حالياً في الموانئ، أو تلك التي تم شحنها بالفعل قبل صدور هذا القرار؟
نحن أمام وضع مأساوي؛ ففي الفترة الأخيرة شهدنا حراكاً لرجال الأعمال للعودة وتوسيع أنشطتهم، وبالفعل تم التعاقد على كميات ضخمة من البضائع، وهنالك الآن أعداد هائلة من الحاويات؛ منها ما وصل الموانئ بالفعل، ومنها ما هو في عرض البحر أو تحت التصنيع. هذا القرار سيقود إلى كارثة؛ فالتأخير يعني تكدس البضائع ودفع مبالغ طائلة كـ “أرضيات”، مما سيكبد التجار خسائر مالية فادحة، خاصة وأن غالبيتهم فقدوا رؤوس أموالهم بالكامل خلال الحرب وهم الآن في مرحلة البداية من الصفر.
*• بالانتقال إلى قطاع الإنشاءات، كيف سيؤثر حظر مواد مثل الأخشاب والأسمنت والسراميك على قطاع المقاولات؟
الخلل يبدأ من “التصنيف” نفسه؛ فكيف تُصنف مواد مثل الأسمنت والسراميك والأخشاب والزنك بأنها “سلع كمالية” ونحن في مرحلة إعمار وتأسيس؟ كل مادة تدخل في الإعمار الآن هي “سلعة أساسية” بامتياز، ولا يمكن البناء دونها إلا إذا كان إعماراً في “العصر الحجري”. قطاع المقاولات سيتعرض لهزة عنيفة؛ فعدم توفر المواد سيؤدي لشلل في التنفيذ وغلاء فاحش، مما يضع شركات المقاولات أمام مأزق حقيقي في الوفاء بعقودها.
*• تبرر الحكومة القرار بدعم المنتج المحلي، هل المصانع الوطنية جاهزة فعلياً لسد هذه الفجوة؟
الواقع يقول غير ذلك، فالجميع يعلم أن السودان يعاني من أزمة طاقة حادة، وأغلب المصانع تحتاج لإعادة إعمار وتأسيس من جديد بعد الدمار الذي طالها. المصانع المحلية حالياً بعيدة كل البعد عن سد الفجوة، وحظر السلع سيؤدي حتماً إلى ارتفاع جنوني في الأسعار، وسندخل فعلياً في نفق “اقتصاد الندرة”.
*• في الختام، من هو المتضرر الحقيقي من هذه السلسلة من القرارات في رأيكم؟
المتضرر الأول والأخير هو المواطن المغلوب على أمره. هذا التأثير الكارثي سينعكس عليه مباشرة في شكل تشرد وفقدان للمال والعمل، وسيذبحه الغلاء الطاحن و”اقتصاد الندرة” الذي سيفرضه هذا الحظر. نحن نتحدث عن تشريد موظفين وإغلاق شركات مهددة بالكامل، مما يعني اتساع رقعة الفقر. العلاج لا يكون بالحظر، بل بالبحث عن سياسات مرنة تمنع تهريب الذهب وتوفر النقد الأجنبي، بدلاً من محاربة القطاع التجاري المنظم وتجويع المواطن.



