إلغاء السلطات التنفيذية للنقابات يعيد الجدل حول شرعية العمل

صراع الأجنحة يعصف بالحركة المدنية
نقابة الصحفيين: شرعية “القواعد” تنسف القوانين المتجاوزة
زلزال أبريل: عندما تحولت المكاتب إلى ثكنات والاجتماعات إلى “واتساب”
الخرطوم – هيام المغربي
في خطوة أعادت ملف العمل النقابي إلى واجهة الجدل القانوني والسياسي، أصدر مسجل عام تنظيمات العمل قراراً بإلغاء السلطات التنفيذية لكافة النقابات العامة، ما فتح باباً واسعاً للتساؤلات حول الأساس القانوني للقرار، وحدود تدخل الدولة في الشأن النقابي، في وقت تمر فيه البلاد بظروف استثنائية تعقّد من إمكانية إعادة بناء الهياكل النقابية على أسس ديمقراطية.
ويأتي القرار في سياق تاريخي متشابك، شهد حلّ النقابات وتجميدها أكثر من مرة منذ عام 2019، دون أن تنجح الأطراف المعنية في إعادة تأسيس شرعية مستقرة عبر جمعيات عمومية منتخبة، الأمر الذي جعل المشهد النقابي معلقاً بين قرارات إدارية متلاحقة ومحاولات قاعدية لاستعادة التنظيم.

تجميد الصلاحيات
أصدرت مولانا آمنة كبر، المسجل العام لتنظيمات العمل بوزارة العدل، القرار رقم (9) لسنة 2026م بتاريخ 22 أبريل، القاضي بإلغاء السلطات التنفيذية لكافة النقابات العامة المكونة لاتحاد نقابات عمال السودان. وقيد القرار أعمال اللجان التمهيدية لتقتصر على “تسيير الأعمال الضرورية” فقط، مثل إدارة العمل اليومي وحصر الأصول، إلى حين قيام انتخابات، مع تشديد القيود على التصرفات المالية التي باتت مرهونة بموافقة المسجل.

النقابات في مهب السلطة
وفي تحليل نقدي موسع لصحيفة “العودة”، اعتبر النقابي د. عمار الباقر أن القرار الأخير يعكس أزمة عميقة في شرعية المرجعية القانونية، مشيراً إلى أن تكوين لجان تمهيدية من مكاتب تنفيذية تتبع للنظام البائد وانقضت دورتها منذ سنوات هو “قرار لا يستند إلى قانون”.
ويرى الباقر أن المسجل اختارت ربط أعمال مكتبها بمجموعات ذات إرث سلطوي معروف، متجاهلةً القواعد النقابية الحية التي تنشط في الساحة اليوم. وأضاف: “إن وضع أصول النقابات والتحضير لانتخابات في يد هذه المجموعات يضع علامات استفهام كبرى حول النزاهة المرجوة”.
صراع الأجنحة
وكشف الباقر في حديثه لـ “العودة” عن بعد آخر للقرار، واصفاً إياه بأنه انعكاس لصراع داخل مكونات سلطة الأمر الواقع؛ حيث يبدو أن صعود المجموعات المحسوبة على الحركة الإسلامية استدعى تحجيماً لدورها لحفظ التوازن الهش بين أجنحة السلطة. ووصف تعاطي هذه المجموعات مع قرارات المسجل السابقة بأنها كانت بمثابة “قبلة الحياة لسندريلا بعد موت سريري”، حيث مارست نشاطها وكأنها نقابات كاملة الصلاحية دون تفويض ديمقراطي حقيقي.
وحذر من أن المسجل ستجد نفسها في “دوامة قانونية وأخلاقية” نتيجة انحيازها لفئة انقطعت علاقتها بالعمل النقابي، مشيراً إلى أن هذه القرارات الفوقية هي امتداد لأخطاء بدأت منذ 2019، بما في ذلك محاولات فرض قوانين “مستوردة” تخدم اقتصاد السوق الحر ولا تشبه واقع قوى الإنتاج في السودان.
زلزال أبريل
بينما تصدر هذه القرارات الإدارية اليوم لتكبل حركة النقابات، تبرز للسطح ملامح تلك اللحظة الفارقة في أبريل 2023؛ اللحظة التي لم يتغير فيها وجه المدينة فحسب، بل أُعيد فيها رسم خارطة العمل المدني في السودان من الصفر. فالرصاصة الأولى التي دوت في الخرطوم كانت زلزالاً ضرب الهياكل النقابية؛ حيث غادر المهنيون مكاتبهم ليتحولوا إلى “نازحين”، وتحولت المقرات العريقة إلى ثكنات عسكرية. ومع فقدان “المكان”، انتقلت الاجتماعات إلى غرف “الواتساب”، ليصبح “الفضاء الإلكتروني” هو المقر البديل والوحيد للعمل النقابي الصامد.
إعادة تعريف الدور
في تلك المسيرة، شهدت فلسفة العمل النقابي تحولاً جذرياً؛ إذ غابت لافتات “تحسين الأجور” لتظهر خرائط “الممرات الآمنة”. نقابة الأطباء أصبحت “غرفة العمليات” الكبرى لإدارة المشافي تحت القصف، ونقابة الصحفيين باتت خط الدفاع الأول ضد خطاب الكراهية، محولين الكلمة إلى درع يحمي المدنيين. ورغم محاولات السلطات إحياء “نقابات المنشأة” القديمة، تمسكت النقابات الديمقراطية بـ “شرعية القواعد” واعتراف منظمة العمل الدولية.

المواثيق الدولية وحراك القواعد
من جانبه، يشدد أمين الشؤون الاجتماعية بنقابة الصحفيين، وليد النور، على أن الشرعية النقابية لا تُستمد من المكاتب الرسمية بل من الجمعيات العمومية. ويشير النور إلى أن المرجعيات القانونية التي استند إليها القرار قد تم تجاوزها فعلياً منذ عام 2019، مؤكداً أن التدخل الحكومي الحالي يخالف صراحةً اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم (87). ويدعو النور إلى إعادة بناء العمل النقابي من القاعدة عبر حصر العضوية وإقامة جمعيات حرة، معتبراً أن أي قرار فوقي لن يغير من حقيقة أن القواعد هي صاحبة الحق الأصيل
وفي موازاة ذلك، برز حراك قاعدي تمثل في قيام نقابة الشاي والأطعمة بأم درمان وانتخاب عوضية محمود كوكو نقيبةً لها، كنموذج لاستعادة المبادرة بعيداً عن المكاتب الرسمية.
“المؤتمر الشامل”
يختتم د. عمار الباقر رؤيته لـ “العودة” بالتأكيد على أن الخروج من المأزق يقتضي التخلي عن “الذهنية السلطوية” ورد الأمر للقواعد عبر مؤتمر نقابي شامل يجمع المهتمين بالشأن النقابي. فالحركة النقابية السودانية، كما أثبت تاريخها، تظل عصية على التدجين، ويبقى المبدأ الثابت هو: استقلالية العمل النقابي وديمقراطية الحركة هي الضمان الوحيد لاحترام قوى العمل والإنتاج..



